إني أنا إبن البلد – مقالات – داليا القيسي

إني أنا إبن البلد – مقالات – داليا القيسي

ان شئت زيارتي فلا تحدثني عن الامل.. الق التحية واجلس وأن شئت الحديث بأي موضوع حدثني وابتسم.. اياك ان تحزن او تنتحب! لا تنظر الي بنظرة اشفاق.. وهل يشفق ابن آدم على اخيه؟ اني عاشرت ابناء آدم كلهم ولم يشفق علي احد. فلا تبحث عن اسباب لتسعدني.. ضاقت هذه النفس حد الاكتفاء من سعادة ترتجيها في كل يوم ولا تأتي! واني يا زائر اسكنت في جوفي حزنا لن يزيحه من مكانه احد.

فيا زائر اخبرني.. كيف حال اهل البلاد وكيف صانوا هذا البلد؟ اني سمعت مناديا ينادي ان علي بابا قد زارنا وهذه المرة سرق كل اهل البلد، وان من شيعته قوما اذا مسهم سوء عموا به اهل البلد.. وان مسهم خير خصوه لأنفسهم.. فيأكلون يا زائر كل الخير.. وفي بطونهم نار تؤتِي اكلها من سيئات ما عملوا.. ولهذا لا يشبعهم كل الطعام المسروق ولا يكفيهم نهرا هذا البلد. وان المنادي اتلى على مسامعنا ما هو مضر لسمعنا وخيالنا وللعقل! فذلك الرجل العجوز اخذ بنا نحو حافة الظلال ورمى بنا في حفرة القهر.. قال ان علي بابا لم يكتف بسرقة اهل البلد.. بل آذى بحضوره كل شجاع وصار من فعله هذا لا حول ولا قوة لاحد.. وان اشباه علي بابا كثروا في هذا البلد! أبغداد يسكنها كل دنيء نفس كثير شهوات واطئ أخلاق وكانت الاخلاق سابقا شيمة اهل البلد!

وشجاعة الشجعان صارت خبراً لكان، فليس فينا امرؤ يسل سيفه في وجه سراقنا.. او يصرخ في وجوههم سوى ليقول احد احد.. صبرا يا اهالي البلاد صبراً لعل الرب يحدث في امرنا شيئا او ان معجزة تمسنا لتحسن احوالنا وتملأ جيوبنا من جديد بأموالنا. فأخبرني يا زائر.. لماذا كنا سابقا اصحاب خير وعلم واخلاق وصرنا العكس، هل مستنا عين بحسد؟

واني ليقشعر بدني كلما استذكرت كلام ذلك الرجل، فأعوذ بالله من فكرة تطرأ في بالي.. فكرة يجملها الشيطان في عقلي كلما تطرقت لها.. أيخبرني ان اكون عونا لعلي بابا؟ وكيف تسول لي نفسي الخيانة؟ الست انا ابن البلد؟ وان المنادي كان في ضلال حين انهى حديثه بلا خير من هذا البلد” أيقصد ان علي بابا لن يقدر عليه احد؟ ام ان اهل البلاد لن يجابهوه ويقاتلوه ويضعوا كل سارق شابهه خلف القضبان او يربطوا حول عنقه حبل المشنقة! صحيح ان من اهل البلد من هم معروفون بسيماهم سرقوا منا الرغيف وكل قطرة شرب.. وقالوا حصحص الحق الان صرنا في تعادل ومنكم نستفيد، اعملوا انتم على مكانتكم ونحن سنتربع على كل تل وندير شؤونكم لنسهل امركم.

وصرنا يا زائر نعمل ونكل ونشقى.. ونرفع رؤوسنا نحوهم في آخر النهار حين يضج المكان بأصواتهم تتوعد وتقسم لتعطينا الامل! عن اي امل تتحدثون؟ فلتجلبوا اطنان الامل لمواطن طموح يسكن في خيمة.. وان الخيمة صغيرة ان وقفت فيها تهدمت! واني لو قررت ان ارسم مخططاتي للمستقبل لن تسعني ارض الخيمة الجرداء! واني لا املك لنفسي ضرا ولا نفعا ولا املك لأبنائي سوى خيمة اورثها لهم.. خيمة متنقله كلما استقرت في مكان هجروها.. وجالت بها قدماي شرق البلاد وغربها. وكان لي دلو من الاماني شربته كله من شدة التعب والعطش.. وظننت انني اشرب حظي الاسود لان كل ما في دلوي كان مراَ.. هنا ارض تتعفن فيها الاماني وخصوصا لو كانت امانيك الاستقرار.. أمجنون انا؟ ابحث عن الاستقرار في وطني؟ وابحث عما لا يريده لي علي بابا، أأطلب دارا وسقفا وجدار وكيف سيسرقني الاخير ان حصنت نفسي؟ على هذه الارض ليس لأمرئ ان يحصن نفسه حتى لو كان تحت الترابِ .. سوى بدعوة تشق طريقها نحو السماء ويحيطه ربه بأجزاء الثانية بسبعة اسوارِ.. فيا مجيب الدعوات ان من خلقك من تعالوا في الارض كفرعون واسوأ.. يقصون من لحم اكتافي اذا اشتهوا لحما! يبنون لأنفسهم قصورا وارتضوا لي ولأمثالي ان نسكن الخيام.. واعلم يا رب انك بقدرتك بنيت لهم قصورا في جهنم تفوق هذه عمرانا.. فيا رب اعني على العيش، وما لي بملة الشيطان من دخل.. اهل البلاد منشغلون بملذات كل ما على الارض وجد.. وانا خيرٌ ولم اجد من الحياة قطرة خير.. سأنطوي على نفسي وانعكف.. واغلق باب خيمتي طالبا الستر.. حتى اذا ما فتحت يأجوج ومأجوج وسعوا الي طالبين اصواتاً انتخابية سأصرخ واصرخ واصرخ.. واقطع اصبعا لم ينلني منه سوى المشاكل.. خذوه فغلوه ثم الجحيم اصلوه.. فأني قد اعطيت صوتي يوما لبرلمان ولم ينفعني منه احد.