إنها ليست أوهاماً   –  رامي فارس اسعد

623

قصة قصيرة

إنها ليست أوهاماً   –  رامي فارس اسعد

سحب نفساً عميقاً من سيجارته  مخلفاً سحابة من الدخان الكثيف، سعل قليلاً وراحــــــت بعدها الكلمات تنساب منه بصوت مرتجف:

—  أنا خائف… أنا خائف، لا أخجل عندما اقول لك بأني خائف بل وجبان، احيانا اسأل نفسي لماذا اخاف، ولماذا يتوجب علي ان اكون حذراً من كل شيء، اين هي اللحظات الجميلة في حياتي أن كان الخوف مسيطراً عليها، رأسي يهلوس من شدة الالم والافكار تعصف داخل جمجمتي ولا استطيع مجاراتها، ما ان اتوقف عند فكرة ما حتى تخرج لي اخرى من العدم. قل لي ماذا افعل واين السبيل الى راحتي. اتعلم بماذا اشعر احيانا، اشعر وكأن شخصاً ما يطاردني ويتربص بي ليودع جسدي الضعيف رصاصة غادرة او يخترقه بنصل حاد، كلما تمر سيارة من جانبي وانا اسير في شوارع بغداد يقشعر بدني وتتقطع انفاسي رعباً مما قد يقع لي. ارجوك لا تدع الظنون تأخذك بعيداً انا أعي ما اقول، بل وكل ما انقله لك صحيحاً.  انقطع سيل كلامه لا ارداياً عندما لمح نادل المقهى يتجه نحو طاولته لتلبيه طلبه. كان قد اختار الجلوس على طاولة موضوعة في ركن من اركان المقهى بعيداً عن صخب الزبائن واصوات قرقعة الاراكيل وطقطقة قطع الدومينو وصياح مذيع نشرة الاخبار عبر شاشة التلفاز المسطحة والمعلقة على احدى جدران المقهى الى جانب عشرات الصور لمدينة بغداد في ازمنة مختلفة وصور لشخصيات واعلام فكرية وادبية وسياسية، صور لام كلثوم وعبد الكريم قاسم ونوري سعيد والملك فيصل، صور قديمة وباهته رغم الايادي الخبيرة التي عملت على اصلاحها عبر ترميمها وتلوينها من خلال برامج الحاسوب في محاولة اخيرة لاخفاء عوامل الزمن الظاهرة بوضوح على تفاصيل الصور. من بين كل الصور القديمة هناك صورة حديثة لمدينة بغداد من الفضاء الخارجي التقطها احد رواد الفضاء وكانت محط اعجاب كل من في المقهى.

استفاق على صوت النادل الذي اجابه بصوت عال :

–         بماذا يأمر الاستاذ؟

رد عليه من دون أن يرفع نظراته:

–         قهوة وسط لو سمحت.

ظل النادل واقفاً للحظات قبل ان ينسحب مبتعداً يسبقه صوته، مشيراً بيده نحو الطاولة.. قهوة وسط لطاولة الاستاذ.

عندما ابتعد النادل عاد الى حديثه، اخذ يتكلم بسرعة وقلبه يخفق بشدة وافكاره مضطربه اشد الاضطراب، الدقائق التي يقضيها دون كلام يتوجها بسيجاره. كان يدخن بكثرة ملحوظة رغم نوبات السعال التي تنتابه بين الحين والاخر.

– والان قل لي ما الحل، أنا أعيش في رعب دائم ومتصل، قد تعتذر اللغة وتتحر الكلمات وتقفز الاحرف هاربة عن وصف الرعب في داخلي.

-ممن تخاف وأنا الى جانبك كل الوقت، اينما تذهب اكون معك ملازماً لك كالظل… ارجوك لا تخف فقد كنت وما زلت الى جانبك احميك وادفع عنك الاذى. صدقني انها اوهام، مجرد اوهام يصورها لك عقلك المتعب، يصور لك اشياء لا اساس لها في الواقع.

أجاب بعصبية:

– انها ليست اوهام، ليست اوهام، صدقني ما اقوله لك حقيقي… انتظر قليلاً… رسالة التهديد التي وصلتني قبل ايام هل تراها وهماً، الاتصالات التي تردني من ارقام مجهولة وغريبة هي ايضاً اوهام، نظرات البعض لي في الدائرة، القفل المكسور الذي اضعه على الباب يومياً قبل ان اخرج للعمل، قطتي التي عثرت عليها ليلة أمس مذبوحة بوحشية وملقاة قرب الباب هي ايضاَ بالنسبة اليك اوهام يصورها لي رأسي المثقل بالافكار الخيالية. اجبني ارجوك؟.

-انتبه،انتبه لاترفع صوتك هكذا البعض بدأ يلتفت نحوك تحدث بهدوء ارجوك. اسمعني جيداً انا اقول لك اطمئن ليس في الامر ما يستدعي كل هذا الخوف والفزع. انظر من حولك تمعن جيداً بتلك الوجوه رغم، بل وانا متأكد من ذلك من ان الجميع متعبون من الحياة وظروفها القاسية والرعب الدائم الذي يعيشونه بين القتل والاغتيالات والخطف الا ان الابتسامة لا تفارق وجوههم المتعبة. قل لي بربك لماذا تترقب السوء في كل شيء، لماذا تصر دائماً على خلق شبح الخوف في داخلك، تخلقه وترعاه وتسقيه من افكارك واوهامك والنتيجة انسان على حافة الانيهار.  فجأة انتاب الصمت زبائن المقهى وتحلقت الانظار نحو التلفاز لحظة ظهور المذيع الذي بدأ يذيع نبأ عاجل حول قيام القوات الامنية العراقية بألقاء القبض على مجموعة مسلحة كانت تقف وراء العديد من الاغتيالاات الممنهجة.

اشعل سيكاره اخرى ونفث دخانها وقال:

– الجميع بدأوا ينفضون من حولي، كل من اعرفهم حتى حبيبتي التي كنت اعيش معها لحظات من الدفء والامان بدأت تبتعد عني بل واحيانا تتجاهلني عمداً عندما تراني داخل اروقة الدائرة.

– لكم حذرتك من النساء وقلت لك مراراً انك انسان تفتقر الى الانسجام معهن، انك انسان خلق ليعيش لحظاته مع نفسه وبحرية لا يشاركها بها احد، وها انا اقولها لك للمرة المليون ابتعد عنهم جميعا وعش حياتك ، ابتعد عنهم وعن حبيبتك وعن الناس اجمع لانهم سيورثونك اليأس والقنوط.

– ما أعيشه الآن اليس هو قمة اليأس والقنوت؟ .

– لا فأنت من يختلق كل هذا الخوف والرعب.

بعد دقائق اتجه النادل صوب الطاولة يحمل بيديه ركوة القهوة وكأسا من الماء، كان هو ساهم النظرات لدرجة لم يسمع صوت النادل عندما سأله ان كان بحاجة الى شيء اخر؟. عندما لم يتلقى النادل الرد الذي اعتاد عليه من زبائن المقهى انسحب بهدوء وقبل ان يبتعد توقف مرة اخرى ونظر نحوه، هز رأسه وابتسم بسخرية قبل ان يصيح بصوت عال… حاضر، حاضر. عاد هو الى كلامه وقال:

– والان ماالذي سأفعله، ماذا تقترح، الخوف يلاحقني حتى وانا جالس الى جانبك وانت معي، اشعر وكأن احدا ما يراقبني… ياالهي انا في دوامة، احيانا افكر ببيع البيت وانهاء جميع متعلقاتي والهجرة نحو بلاد لا اعرف احدا ولا يعرفني بها احد.

– حتى لو تهاجر الى اصقاع العالم ستلاحقك اوهامك لان السبب يكمن في قاع نفسك، اسبح مبتعداً عن ذلك القاع نحو شواطىء الامان وعش حياتك لان فيها من اللحظات الجميلة التي ستنسيك جانبها المظلم.

اجابه والارتباك والحيرة يشعان من عينيه ونظراته:

– لا …لا …لا انت لن تفهمني اطلاقاً… لااحد سيفهم ما اعاني منه لا انت ولا غيرك ولا العالم بأسره … سأجن ياالهي.

– انت في حالة نفسية صعبة لدرجة اعجز فيها عن تهدئتك لذلك اقترح ان نغادر هذا المقهى الى مكان اكثر هدوءا… هينا بنا.

كان النادل يراقبه من بعيد، وهو يحدث نفسه :

–         عجيب امر هذا الزبون، اكثر من ساعة ونصف وهو يثرثر كالمجنون مع نفسه وكأنه يكلم احدا ما.

مشاركة