إنقلاب بكر صدقي ومبدأ العراق أولا

إنقلاب بكر صدقي ومبدأ العراق أولا

لطيف دلو

تاسست الدولة العراقية على  اسس التعددية القومية والدينية والطائفية في 1921 بتنصيب الملك فيصل الاول بن الحسين ملكا عليها وفق نظام ملكي دستوري وكانت الطائفة العربية السنية على سدة الحكم والصبغة القومية العربية في سياسة الحكم كانت واضحة بامتياز تعارض الدستور المشابه للنظام الملكي لبريطانيا المستعمرة للعراق الى حد ما ولربما بنفوذ منها  شاركت جميع القوميات والاديان والطوائف من الكورد والتركمان والشيعة والمسيحيين واليهود والصابئة في الحكومات التي تولت ادارة البلاد وعلى سبيل المثال اول وزير مالية فيها كان يهوديا يدعى ساسون حسقيل والى اليوم كثير من العراقين يضربون به المثل في النزاهة هكذا تشكلت الدولة العراقية وفي المراحل الاولى كان النظام السياسي البريطاني يحتذى به في الجهاز الاداري والهيكل السياسي وكذلك تنظيم الجيش ولكن بمرور الوقت ازدادت شعور الامتعاض تجاه بريطانيا وعدم فعالية النظام البرلماني المبنى على النمط البريطاني في البلاد لذلك حازت العناصر القومية العربية نحو فكرة المركزية في الحكم وادى ذلك الى تعميق الخلافات داخل القيادة العراقية وانقسامها الى كتلتين احداهما ميولها نحو المانيا النازية وايطاليا الموسولينية والاخرى نحو بريطانيا وفي النهاية تدخل الجيش في السياسة وظهور تيار ثالث جديد في السياسة العراقية تمثل بروزنمط من الوطنية العراقية تحدى ملائمة الكتلتين مع الواقع العراقي .

تجذرت الخلافات داخل القيادة العراقية بحيث كانت هناك مجاميع اخرى تشعر بالتعب والامتعاض من المناورات السياسية المستمرة لقادتهم وضباط كورد يشعرون بالعزلة وعدم الانتماء للوطن لاضفاء الصبغة العربية البحتة على الحكومة والادارة ، وعلى اثرها قام الفريق اول بكر صدقي شوقي ويس من قرية عسكر في لواء كركوك من اصول كوردية قائد الفرقة الثانية بالتعاون مع قائد القوة الجوية بتاريخ 29 شرين الثاني 1936 بانقلاب عسكري بتوجيه قواته نحو بعقوبة ومنها الى بغداد وطلب من الملك غازي باقالة حكومة ياسين الهاشمين مهندس سياسة التعريب في كركوك وتعيين حكمت سليمان رئيسا للحكومة خلال ثلاث ساعات واصدر الملك امرا ملكيا بذلك والتجأ نوري السعيد الى القاهرة ورشيد عالي الكيلاني وياسين الهاشمي الى بيروت واسطنبول ونجح الانقلاب وتولى بكر صدقي رئاسة اركان الجيش وتبنى مبدا العراق اولا وتكون الاولوية للمجتمع العراقي المتعدد القوميات والاديان واللغات وليست للسياسات القومية العربية كما كان الحال لدى الحكومات السابقة ولم يتخذ أي حاكم بعده هذا المبدا وان سبب الانقلاب كان لتفشي الفساد في الدولة وتملك الساسة العراقيين الثروات الهائلة باستغلال مناصبهم الحكومية وخاصة استملاك الاراضي الحكومية عن طريق الروابط الشخصية وقامت الحكومة الجديدة بوضع حد لذلك بتفتيت المزارع الكبيرة وتوزيعها على الفلاحين مع الاراضي الزراعية وتقليل  امتيازات الاقطاعيين ورؤساء العشائر المالية من الحكومة كانوا يحصلون عليها ثمنا لولاءاتهم لها ، سعيا من انقاذ الفلاحين من سطوتهم وعلى اثرها جابهت الحكومة معارضة شديدة منهم على تلك الاصلاحات مع اتهام قائد الانقلاب من اعداءه بانه كوردي ذو ميول قومية وكذلك عدم ايمان رئيس الحكومة حكمت سليمان وقائد الانقلاب بالاتجاه القومي العربي ، ومتبنين مبدأ العراق اولا ادى الى معاداتهما من قبل الاوساط القومية العربية المتنامية النفوذ في بغداد واغتيل الجنرال بكر صدقي في 10 اب 1937 في القاعدة الجوية في الموصل من قبل القوميين بمعاونة ضابط امن بريطاني في الموصل كما يقال ، واصبح بعده موقف حكمت سليمان صعبا وازدادت المعارضة لوزارته داخل البرلمان ووصل به الامر الى تقديم استقالته وقالت كاتبة كتاب المصدر.

ان سياسة العراق اولا التي اتبعتها حكومة حكمت سليمان و بكر صدقي التي قوت موقع العراق اقليميا وركزت على الطبيعة التعددية للمجتمع العراقي لو كتب لها الدوام كانت ستصبح الاساس الجديد لبلورة هوية وطنية مختلفة للعراق ، وبزوال الحكومة مهد الطريق مرة اخرى امام عودة الفكر القومي العربي الى السلطة واضافت بان كان الملك فيصل يعلم انه بحاجة الى دعم الاكثرية الشيعية لجعل العراق دولة لها سيادة فقام بتطوير اسلوب التعامل وخلق العلاقات والروبط معهم بشكل لم يستطع أي حاكم عراقي من بعده تحقيقه .

واستمر الحكام باتباع نفس السياسة القومية والطائفية منذ تشكيل الدولة العراقية  والى يوميا هذا بالرغم من تغيير حكومات متتالية بانقلابات عسكرية وكل يلعن سلفه، لان الغاية منها كانت للمناصب والجاه وليست لبناء دولة تعددية كما في دول كثيرة ولهذه لم تشهد البلاد الامن والاستقرار .

يظهر من مجريات الامور بان المشكلة الرئيسية منذ نشأة الدولة العراقية هي عدم تحقيق المساوات بين مكونات دولة اساسها التعددية بل قامت على القومية واشد منها الطائفية بالرغم من تولي حكومات كثيرة زمام السلطة لم تغير من المسألة قيد انملة بل ازدادت الطين بلة الى ما وصلنا اليها اليوم والعراق ليس بحاجة الى عقول تهدد وتـــــــــــوعد وقد شبعنا منها واكل الدهر عليها وشرب ، إلاُ الى ولُي ذوعقل متنور مفتوح يجمع المكونات كاسرة واحدة تحت هوية وطنية خالصة (العراق اولا) قـــبل الخسران المبين.

{ كتاب العراق والبحث عن الهوية – لويرا لوكيتز – ترجمة دلشاد ميران .

مشاركة