إمتاع الجمهور من دون الخوض في السياسة أو الدين – رمضان مهلهل سدخان

376

مسلسل العرضحالچي لقاسم الملاك

إمتاع الجمهور من دون الخوض في السياسة أو الدين – رمضان مهلهل سدخان

ببراءة (سراج) قاسم الملاك، وخبث (ام اسراء) إنعام الربيعي، وغنج (اسراء) سولاف جليل، وتلقائية (هندس) محمد حسين عبدالرحيم و روحية (قندس) إحسان دعدوش وشرود (نعسان) باسم البغدادي، وحرص (صاحب) علي داخل، و (مشاكسة) علي قاسم الملاك وهيبة (ربيعة) هناء محمد، وطيبة (نوفل) محمد هاشم، ونزق (ايهاب) حسين عجاج، وأريحية (جاوي) سعد خليفة، وشيطنة (رفاه) نجلاء فهمي وغيرهم، دخلَ المسلسل الرمضاني “العرضحالچي”، تأليف فالح حسين العبدالله وقاسم الملاك، قلوب المشاهدين هكذا بكل يسر. اضف الى ذلك، بساطة الطرح والمعالجة والتنقّل السلس بين المَشاهد وتداخل الطيبة التي تصل مرحلة السذاجة احياناً عند بعض الشخوص والرجوع الموفّق سنين عديدة الى الوراء عندما درج الناس على التحابب والتلاطف وعدم حمل الغلّ على بعضهم البعض. هذا الرجوع الى مرحلة ما قبل الهاتف النقّال وثورة الفيسبوك والانستغرام التي حوّلت الناس الى اشخاص آليين وعقّدت مسالة التعاطي فيما بينهم.

تحقق كل ذلك عبر تلقائية الحوار بين الشخوص، ذلك الحوار البعيد عن التشنج والكلام الرنّان والتبجّح، وكذلك عبر المَشاهد التي جرت فيها احداث هذا المسلسل، فكلها داخل بغدادنا الحبيبة بجاداتها وأزقتها وبيوتاتها ومحالها وناسها. فالمسلسل وثّق فترة سنشتاق اليها بعد كذا سنة عندما نشاهد المسلسل مرة اخرى مستقبلاً، وهذا يذكّرنا بمسلسلات للمؤلف نفسه، قاسم الملاك، “حب وحرب”، “التيتي”، “دار دور”، “سايق الستوتة” وغيرها حيث درجت على تصوير جميع مشاهدها داخل بغداد.

المسلسل ايضاً ابتعد كثيراً عن العنف، فكل المشاكل التي اعترضت البطل وغيره من الشخصيات الرئيسية او الثانوية انما هي مجرد زوبعة في فنجان سرعان ما تنجلي ويستقر كل شيء وتعود المياه الى مجاريها. فضلاً عن ان المسلسل نأى بنفسه تماماً عن منطقتَين مزعجَتين الا وهما الدين والسياسة. وهذه نقطة تُحسب لصالح المسلسل، اذ استطاع إمتاع المشاهدين من دون الانتقاص من اي احد، سواء كان ذلك الأحد دينياً او سياسياً، برغم تطرقه الى نقد حالات اجتماعية سلبية كثيرة من خلال ما تعرّض له البطل او الشخصيات الاخرى من مواقف تتطلب التصدّي والمعالجة.

كذلك طرح المسلسل شخصيات تحاكي السواد الاعظم من تفكير المشاهدين، شخصيات من عامة الناس كل همّها العيش بكرامة وسدّ الرمق او في اقصى الحالات التفكير في فتح محلّ راقٍ في مكان راقٍ كما حصل مع حسين عجاج (ايهاب) وزوجته نجلاء فهمي (رفاه) الذَين طمحا بالمزيد لكنهما خسرا اغلى شيئين عندهما: انسانيتها وابنهما الوحيد “زيد”. وهذا هو شأن قاسم الملاك في مسلسلاته، الا وهو الابتعاد عن الوظائف الرنانة التي تتطلب من اصحابها ارتداء كذا نوع من الملابس واقتناء كذا ماركة من السيارات وتوظيف كذا عدد من الحمايات واستخدام كذا مستوى من اللغة التي درجَ اصحاب المناصب العليا تداولها فيما بينهم او مع غيرهم. الشخوص، بمعنى آخر، لا تتعدي عرضحالچي، وصاحب فندق، وسائق سيارة اجرة، وسائق كيا، وبقال، وصاحب “بسطية” يفترش الارض لكسب قوت يومه، وبائع طيور، وملمّع احذية.

الحنين الى الماضي

يحمل المسلسل نوستالجيا كبيرة للماضي الذي جعلنا الكاتبان نتنفس عبقه الفوّاح من خلال عدة امور من بينها: بعض المواقع مثل الفندق التراثي الذي ضمّ اناساً بسطاء بدءاً بصاحب الفندق “صاحب” ومروراً بمساعده “رمان” وانتهاءً بـ “جواد” و”نبراس” و”بدرية”؛ والأزياء، وتجسّد ذلك بقماش البازة التي كان يرتديها كل من هندس” و”قندس” و”نعسان”، تلك البازة التي لم يشعر بحنينها سوى الاجيال السابقة؛ والاغاني التي كان يصدح بها هؤلاء “البازيون” [نسبة الى البازة] فكلّها تراثية ربما نسيها الجيل الحالي لكن المسلسل اعادها بطريقة شائقة جداً عبر ثلاثة من ملوك الكوميديا “محمد حسين عبدالرحيم وباسم البغدادي واحسان دعدوش” الذين حرصوا على تقديمها بشكل يليق بها وبمكانتها في قلوب الناس سيما الاجيال السابقة؛ وايضاً مَشاهد النوم على سطح الدار حيث تجلّى ذلك في مَشاهد الارتجاع الفني التي ضمّت سراج ونجمة وهما على سطح الدار؛ ويمكن ان نضيف الى ذلك سيارة “جاوي”، الواز، وديكور الفندق ومعروضاته ومقتنياته، وطريقة الحُبّ والزواج التي تجسّدت بزواج “رمان” عامل الفندق بـ “سندس” وبائعة الخبز، والعلاقات بين الشخوص وطرق حلّها، والطيبة، والوفاء الذي ظهر بأبهى صوره بين “سراج” و “نجمة” زوجته المتوفاة، وأخيراً حتى لا أطيل ظهرت العودة الى الماضي حتى في أسماء هذه الشخوص: جاوي، رمان، بدرية، صاحب، سراج، جواد، ربيعة وغيرها.

الابتعاد عن العنف وإظهار المضامين الانسانية

البارز في “العرضحالچي” هو الابتعاد عن مَشاهد العنف، فحتى اولاد “”، الذين توقعنا انهما سيقتلون المحامي “ايوب” وكاتب العرائض “سراج”، لم يفعلا شيئاً من هذا القبيل برغم تهديداتهما المستمرة ووعيدهما حتى انتهى بهما الحال أن استسلما الى والدتهما التي حصلت على الاوراق الرسمية التي اثبتت ممتلكاتها واموالها بعد ان خرجت من “الشماعية”. وكذلك الابتعاد عن مشاهِد السكر والعربدة والنارگيلة والتدخين والمجون والعري غير المبرّر التي لا تليق بقدسية شهر مثل شهر رمضان.  اما المضامين الانسانية الكثيرة التي طرحها المسلسل بأسلوب مؤثر فهي الاخرى قد رفعت من شأنه وعزّزت من رصيده في قلوب الناس. أب يسهر ويكدح ويوفّر بيتين لابنَيه، ما إن يسجّل هذين البيتين باسمهما حتى يطرداه بشكل غير مباشر من كليهما ويصبح مجرد نزيل فندق يذوق من الويلات والمنغصات ما يدفعه الى ترك ذلك الفندق واللجوء الى دار المسنين (في الحلقة الاخيرة). ومساعدة “بدرية” في زواج “رمان”، عامل الفندق” حيث تعاملت معه وكأنه ولدها. وعلاقة “صاحب” و”رمان”؛ وعلاقة اعضاء الفرقة “هندس”و “قندس”و “نعسان” التي لا نجدها الاّ في دنيا الخيال؛ وعلاقة “سراج” و”جواد” الذي سهر الأول على راحته في ايام مرضه ورقوده في المشفى وكأنه اخوه من امه وابيه؛ وعلاقة “جاوي”، مدير الفرقة الشَرَفِي وسائقها الشخصي، مع كل من اعضاء الفرقة الثلاثة من جهة وعلاقته ببقية افراد الفندق من جهة اخرى. ولا أروع من مشهد قيام افراد الفرقة الثلاثة بتجميع مبلغ من المال وتسليمه الى “سراج” عندما عرفوا بأن الأخير تعرّض الى السرقة. كل تلك الحالات الانسانية جعلت من المسلسل ملاذاً للعائلة العراقية عندما جمع الجانب الانساني مع الجوانب الاخرى الاجتماعية والأخلاقية والسلوكية والفكاهية التي طُرحت بأسلوب شفيف تلقائي.

مَشاهد لا لزوم لها

بالرغم من كل ما تقدّم ذكره لصالح المسلسل، تبقى ثمة بعض الهنات التي وقع فيها ذلك المسلسل التي من بينها: إيراد بعض اللقطات التي كان يُفترض حذفها او عدم التفكير في ايرادها في صلب العمل. ومن هذه المَشاهد: مشهد التدخين الذي جمعَ زيد، الابن المراهق الفاشل في دراسته بسبب خلافات اسرية واضحة، وصديقه، هذا المشهد تكرر مرتين في المسلسل. وكذلك بعض المفارقات التي حصلت مع “سراج” وهو يتنقّل بالـ “كيا” من بيته الى محل عمله مثل مشهد الطفل المشاكس ووالدته المنشغلة بهاتفها النقال، ومشهد الشخص الذي اسند رأسه على كتف “سراج”، وأيضاً مشهد “الديچ والدجاجة” الذين جلبهما “نبراس” ووضعهما في غرفة “سراج” من اجل التزاوج!

رسم الشخصيات

شخصيات المسلسل قليلة وجرى رسم لحظتها الحاضرة فقط، اي دون الخوض في معرفة ماضيها او العلائق التي جمعتها مع شخصيات اخرى. وأمثلة ذلك كثيرة منها: عائلة “اسراء”، زوجة نوفل، سمعنا بأنها ثرية جداً لكن لم يظهر والدها او اخوانها او بيتها، فقط ظهرت والدتها وهي تزور ابنتها “اسراء” في بيت زوجها؛ و”رفاه”، زوجة ايهاب، لا نعرف من هي عائلتها وحتى عندما زعلت لم يظهر بيت ابيها؛ و”جواد”، صديق “سراج”، لانعرف اي شيء عن اسرته سوى انه تركهم وبعد تعرضه لوعكة صحية اقنعه “سراج” بالذهاب اليهم والبقاء معهم؛ و”صاحب”، صاحب الفندق، لا توجد اية تفاصيل اخرى عنه سوى انه زوج اخت “رمان” التي تمتلك الفندق؛ و”بدرية”، التي جاءت الى الفندق، لا شيء عن ماضيها وكأنها نزلت من السماء، وكل الذي عرفناه عنها هو انها تمتلك “بسطية” صغيرة تبيع بعض الحاجيات البسيطة وهي صديقة “سندس” وزوجة “رمان” المستقبلية؛ الفنانون قندس وصاحباه ظهروا وكأن لا ماضي لهم، مجرد زهّاد يعيشون لحظتهم الحالية وكل همهم موسيقاهم وفنّهم الاصيل. ولو ان الكاتبين انتبها الى هذه المسالة وأشبعا شخصياتهما ببعض التفاصيل لتاثثَ المسلسل بشكل افضل من حيث عدد الشخوص. باختصار شديد، معظم شخوص المسلسل ظهرت وكأنها مقطوعة من شجرة، اذ لا معلومات كافية عن ماضيها وتاريخها.

المكافيء الموضوعي

ما يمكن ان يؤاخذ عليه المسلسل ايضاً هو الافتقار الى المكافيء الموضوعي عند التصدي لمشكلة ما. مثلاً طيش “زيد” وتركه للمدرسة بسبب مشاكل بيتية ممكن ان يقابَل بسلوك فتى آخر، اي ابن لشخصية اخرى، يظهر  بأنه فتى ملتزم بدروسه ومواظب على دراسته؛ وزوجة ايهاب الخبيثة والتي لا تحب ابا زوجها، ممكن مقابلتها بشخصية اخرى تحترم زوجها وابا زوجها، وهنا كان بالإمكان استغلال “اسراء”، زوجة “نوفل”،  لكن المؤلفَين غيّرا مصير هذه الشخصية وجعلاها نسخة من “رفاه” من حيث كره ابي الزوج والسعي نحو الاستقلالية من “سراج”.

في الختام

يبقى مسلسل “العرضحالچي” مسلسلاً رمضانياً بامتياز عبر شخوصه ومِشاهده والثيمات التي تعرّض لها بأسلوب فنيّ مباشر بعيد عن تعدد التأويلات وتعقّدها. واذا خسر العرضحالچي، الشخصية المحورية في المسلسل، بيتيه الذَين افنى عمره في بنائهما وولديه، فإنه ربح تعاطف المشاهدين معه رغم صعوبة مآله الذي أظهره المخرح، جمال عبد جاسم، من الخلف وهو يجرجر خطاه نحو دار المسنين حاملاً حقيبته وصورة زوجته المتوفاة.

مشاركة