إمام المستضعفين ورمز النزاهة والتجرّد – آلا الطالباني

700

 

 

إمام المستضعفين ورمز النزاهة والتجرّد – آلا الطالباني

لم يكن فجر التاسع عشر من رمضان في السنة الأربعين من الهجرة فجيعة شأن كل ما فجعنا به بعدها ، بل هي ثاني اكبر  فجيعة بعد وفاة سيدنا الرسول محمد (ص)، في منزلق التيه..

توهم الخوارج أنهم بقتل الخليفة علي ومنافسه اللدود معاوية ومسانده عمر بن العاص يكونوا قد خلصوا الأمة من الشرور واستعادوا وحدتها، وفاتهم أنهم لم يعوا الفرق بين علي ومخاصميه، فحلت الكارثة بالعالم الإسلامي بقتله،

سيدنا علي كناه الرسول بـ “أبو تراب”، وعدد المفسرون أسباب التسمية، فبعضهم قال لكثرة ركوعه وخشوعه ملامساً بجبهته التراب، وقيل الكثير غيره، لكن قلة ذكرت أن سيدنا الرسول كناه أبو تراب لزهده بالدنيا، وعطائه كل ما في يمينه للمحتاج وابن السبل واليتيم والأرامل، لتجرده، كان متصدقاً بكل ما طيبة النفس من عطاء فنزلت الآية الكريمة بحقه “الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية..”، وكانت الآية “والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين أمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر..” هي توصيف للإمام.

فات البعض أن الإمام علي كان قدوة مبكرة للنزاهة حين تولى الخلافة فأشهر ذمته المالية، قائلاً بما معناه “جئتكم بجلبابي هذا..” فأن وجدتموني اخرج بغيره فقد خنت الأمانة.

كان أول المسلمين وأشجعهم، لكن الخوارج تعاموا عما يعنيه الإمام، ولأنه مؤمن بقدر الله لم يلجأ لـ”الدهاء” كما فعل معاوية وأبن العاص هرباً من سيوف الخوارج، بل ذهب ليواجه قدره بشجاعة المؤمن ويفوز بجنة الخلد مع نبيه وابن عمه وأخيه،

رحل سيدنا الإمام إلى جنة الخلد، إمام العدالة وهو يوصي ” كونوا للظالم خصما، وللمظلوم عوناً.. ونظموا أمركم فإني سمعت رسول الله (ص) يقول صلاح ذات البين أفضل من عامه الصلاة والصيام، وأن البغضة حالقة الدين… والله الله في الأيتام فإني سمعت رسول الله (ص) يقول من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لأكل مال اليتيم النار… والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم… والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم… والله الله في النساء وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به رسول الله (ص) أن قال أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم… (أعيان الشيعة للعاملي: ج1، ص533).

إنها الفجيعة الثانية الكبرى، ولا شفاء من الفجيعتين، إلا في تحويل وصاياه، وقبلهما كتاب الله، سلوكاً نمارسه في الانتصار للمستضعفين وإعانة الفقراء والأيتام والأرامل، واحترام المرأة، في توفير الخبز والكرامة لكل الناس، فهو الأمام الداعية لمساواة البشر الذين هم “إما أخوة في الدين أو الخلق”…

إن ذكرى استشهاد فارس الإسلام الذي قال عنه جبريل في معركة احد وهو يذود عن رسول الله، ما لم يكن ضمن كتاب الله “لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار”،

عسى نستلهم معنى تمسكه برسالة السماء التي انزلها الله على رسوله،…لنكن رحيمين بكل الناس بدون تعصب، بل بروح الأخوة التي بشر بها الإسلام، لنكن حريصين على العطاء بتجرد يحمينا من مغريات الفساد…لنحترم الجيرة ونحرص عليها، نحمي شعبنا بكل طوائفه بلا تمييز، ونقدم العطاء بتجرد أبو تراب،

وسيظل سيدنا علي إماماً لكل المسلمين، بغض النظر عن مذاهبهم، حتى أن المدارس الصوفية جميعاً لا تعرف بعد سيدنا الرسول قدوة سوى “أبو تراب” القائل “الساكت عن الحق شيطان أخرس”..لننتصر للإمام في ذكرى استشهاده بسلوك وصاياه نصون كرامة أهلنا ونحترم جيراننا بلا تعسف وبكل نزاهة.

{ رئيسة كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني

في مجلس النواب العراقي

مشاركة