إمامة المتغلب وإمارة الإستيلاء – محمد عبد الجبار الشبوط

إمامة المتغلب وإمارة الإستيلاء – محمد عبد الجبار الشبوط

طالبان (جمع كلمة طالب في لغة البشتو) حركة دينية اسلامية مسلحة متطرفة تعتقد انها تطبق الشريعة الاسلامية. نشأت عام 1994. وافرادها يلبسون العمامة الدينية التي يلبسها طلبة العلوم الدينية. ولا تؤمن طالبان بنموذج الدولة الحديثة، وانما تتبنى نموذج “الامارة الاسلامية” الذي ظهر بعد تحلل الدولة العباسية وضعفها حين نشأت في ظلها  وبجوارها الكثير من الامارات الاسلامية التي يحكمها “امير” استطاع ان يستولي عليها بالقوة المسلحة، وحصل بعد ذلك على اجازة خليفة الوقت له بحكمها. وقد اجاز  الماوردي (450-363) في كتابه المعروف  “الاحكام السلطانية” ما اطلق عليه اسم “امارة الاستيلاء” التي عرفها بانها ان “يستولي الامير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة امارتها فيكون الامير مستبدا بالسياسة والتدبير”.

وما حصل في  15اب في افغانستان وعاصمتها كابول هو عين ما كان يحصل في تلك العصور الغابرة، عصور ما قبل الدولة الحديثة. فلم يكن ما حصل تداولا سلميا للسلطة، انما استيلاء عليها بحكم الامر الواقع الذي تم فرضه ظاهرا بالسلاح، وباطنا باتفاق مع الولايات المتحدة، اثر مفاوضات جرت بين الطرفين في العاصمة القطرية الدوحة في وقت سابق من هذه السنة.

ترتيب دستوري

وجرى الاستيلاء على السلطة بمعزل عن الشعب الافغاني، وبدون الاستناد الى اي ترتيب دستوري متفق عليه مسبقا.ولذلك فانه لا نتوقع ان تعد طالبان باقامة دولة ديمقراطية حديثة، لانها لا تؤمن بحق الشعب بحكم نفسه بنفسه، ولا تؤمن بالحداثة فيما يتعلق ببناء الدولة على الاقل.

ولما كانت طالبان حركة اسلامية تقليدية فانها تستمد شرعيتها لا من الشعب الذي تحكمه وانما من الفقه السياسي الاسلامي الذي اسس ممارسته معاوية بن ابي سفيان حين استولى على الخلافة والعباد والبلاد بقوة السيف ليكون ملكا عليهم وهو القائل عن نفسه: : “أنا أول الملوك”، كما روى ابن عبد البر في الاستيعاب وابن كثير في البداية والنهاية. ثم سنّ سنة توريث الحكم للابناء وهو ما سارت عليه دولته طيلة 80عاما، ثم سار عليه العباسيون طيلة حوالي  500سنة، بل سار عليه كل الحكام الذين حكموا بلدان العالم الاسلامي واقاموا انظمة ملكية وراثية الى اليوم. وهو الامر الذي اجازه فقهاء الامر الواقع كما فعل احمد بن عبد الله القلقشندي (820-756 هجرية) في كتابه “مآثر الانافة في معالم الخلافة”، حيث كتب يقول: “الطريق الثالث من الطرق التي تنعقد بها الإمامة: القهر والاستيلاء فإذا مات الخليفة فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير عهد إليه من الخليفة المتقدم ولا بيعة من أهل الحل والعقد انعقدت إمامـــته لينتظم شمل الأمة وتتــــــــفق كلمتهم، وإن لم يكن جامعا لشرائط الخلافة بأن كان فاسقًا أو جاهلا فوجهان لأصحابنا الشافعية أصحهما انــــــعقاد إمامته أيضًا لأنا لو قلنا لا تنعقد إمامته لم تنعقد أحـــــــكامه ويلزم من ذلك الإضرار بالناس من حيث إن من يلي بعده يحتاج أن يقيم الحدود ثانيا ويستوف الزكاة ثانيا ويأخذ الجزية ثانيًا.

والثاني لا تنعقد إمامته لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة إلا باستكمال الشروط فكذا بالقهر”. وكان الماوردي كتب قبله ان “الامامة تنعقد بوجهين: احدهما باختيار اهل العقد والحل، والثاني: بعهد الامام من قبل”.

وبالتالي، فاننا لا نعتبر استيلاء طالبان على السلطة والارض والشعب في افغانستان شرعيا بالمعايير الديمقراطية، انمـــــــا هو استيلاء على السلطة بالقوة بمعزل عن ارادة الشعب التي يجب ان يتم التعبير عنها باستفتاء حر ونزيه وشفاف قبل الاستيلاء وليس بعده. هذا رغم ان فقهاء طالبان سوف يعتبرون ما جرى يوم 15 اب شرعيا من وجهة نظر الفقه الاسلامي السياسي الذي يؤمنون به.

ما حصل في افغانستان، وبغض النظر عن طبيعة الحكم السابق فيها، يمثل نكسة خطيرة لقضية الديمقراطية ونموذج الدولة الحديثة في العالم الاسلامي.

مشاركة