إلى من يهمه أمرنا – هشام الطائي
في سبعينات القرن الماضي، كنت حينها في الاول الابتدائي، في مدرسه تقع على احد الشطوط في احدى مدن الجنوب العراقي، وقد بُنيت صفوفها من القصب ،ما عدا غرفة مدير المدرسه فلقد كانت اكثر تطورا ورصانه ،حيث بنيت على شكل اربعة مداميك من اللَّبن، واللّبن مفردها لبنه ((عجينة التراب مع التبن))، لتكون غرفة مربعة الشكل ،تتوسطها منضده حديديه وكرسي المدير، مع دولاب حديدي لحفظ سجلات ووثائق الطلبه، و قنفه هزيله تسع بالكاد لجلوس المعلمين الاربعه ،وكانت صفوفها التي لاتزيد عن ستة صفوف عبارة عن اكواخ متلاصقه حيث سقفت سقوفها المُسَنَّمَة بواسطة ((البواري)) مفردها باريه ،ولم يكن هناك باب يحرس الصف ليحمينا من رياح الشمال البارده، او من سموم الرياح الخمسينيه ان هبت ، اوحتى سياج يحيط بمدرستنا حينذاك فكنا غالبا ما نفاجأ عند دخولنا صباحا بخنزيرقذر ديوث قد اخذته الغفوه في احد صفوفنا ، او افعى هاربه من حر لاهب تختفي بين ثنايا القصب ،وكنا نفترش الارض جالسين ونحن نرتدي الدشداشه حول المعلم الافندي الانيق وهو يقرا لنا(( دار دور نار نور))فنردد خلفه وقدعم ضجيجنا فضاء((الصريفة)) دار دور نار نور،
كانت فرحتنا لا توصف اول يوم لبدء العام الدراسي الجديد ونحن نتلمس نعومة القراءة الخلدونيه، ولين ملمس صفحاتها ،وجمال الوانها الزاهيه، ونشم رائحتها المميزه والتي لازالت الى الان عالقة في خياشيمنا، والحال هكذا مع كل المناهج الدراسيه ولوازم القرطاسيه ولجميع المراحل وبصورة مجانيه ،
القراءة الخلدونيه، وباقي المناهج التي كانت تطبع في مطابع العراق، وكتاب الاطلس الفني المزخرف المستورد من هولاندا ، والدفاتر الانيقه التي كانت تنتج في معامل الورق في العراق وعلب ادوات الرسم الهندسي، والاقلام، وحتى الحقائب المدرسيه ذات الجوده العاليه والتي نقش عليها خارطة العراق وربما الكثير منا يتذكرها وقد ملئت بيوتنا منها لسنوات ، وغيرها من التجهيزات ، بل تعداه الامر الى توزيع وجبة افطار صباحيه مجانيه لم نكن نتذوقها حتى في بيوتنا، وكذلك توزيع الملابس ((قاط)) على التلاميذ ممن توفى ولي امره او ليس له معيل ،كل هذا كان لوزارة التربيه في دولة كان دينارها الف فلس ومايعادل ثلاثة دولارات وثلث الدولار الامريكي .
وحين كبرنا وتطور الحال بعض الشيء وخلعنا الدشداشه وارتدينا البنطلون والجواريب والقميص والحزام واستبدلنا النعال بالقندره ،واستبدل القصب بالطابوق، والطين بالاسمنت والحديد ،هبت علينا رياح الحروب المتعاقبه فطال الاهمال كل ناحية من نواحي البلاد والعباد واعقبتها مراحل الاحتلال والاختلال ونهب الاموال ، احتلال ارسى دعائم الجهل والخوف بين الشعب،والاختلال ،هو اختلال ميزان القوى وسيطرة الاحزاب وتنفذ زعماءها ((قرود السيرك )) والسيطرة على مقدَّرات الحكم بما فيها الاقتصاد لصالح قطيع الاغنام الذي يقوده الراعي ، واما مرحلة نهب الاموال فقد ظل الشعب كعادته متفانيا بالطاعة العمياء ،متقشفا متقترا على نفسه، تحت عباءة الديمقراطية الرعناء ، وكان قطاع التعليم الخاسر الاكبر والضحية المقصودة في الايذاء حين خضع الى المحاصصه والطائفه ، وسيطرة المتملّقين الجُهّال وقنّاصة السلطه ،فانحسرت فضاءات المعرفه، وتكلَّست الادمغه وتغرَّبت ، و اغتيلت طرائق التفكيرورسوخ ثقافة القطيع ونزيف الطاقات ،وهذا ما يبتغيه الطغاة واللصوص .
فهاجرت الخبرات العلميه الى ارض الله الواسعه ،واهمل قطاع التعليم وعناصره وعلى مدى اكثر من عقد من الزمن، فتردّى الواقع التعليمي الى ادنى مستوياته،وانتشرت ظاهرة المدارس الاهليه ،ذات الاسعار الخياليه التي تفتقراغلبها الى ابسط مقومات المدرسه بناءا وكادرا تعليميا واداريا والتي تمنح درجات ومعدلات مزيفه لا تعكس مستويات التلاميذ الحقيقيه ، وعادت مدارس الطين الحكوميه مرة اخرى الى السطح ،وعاد التلاميذ الفقراء للجلوس على الارض ولكن هذه المره دون ((قراءة خلدونيه )) وبلا مناهج دراسيه مطبوعه ولا قرطاسيه .
الا يعلم وزارء التربيه الذين تعاقبوا طوال ثلاث عشرة سنه ان تلاميذ العراق ومعهم اولياء الامور يعيشون في دوامة مع بدء كل عام دراسي جديد ،دوامة عنيفه ،مابين غلاء اسعار الملازم المدرسيه والكتب والقرطاسيه الشحيحه في المدارس الحكوميه،وبين فوران التنور،وندرة الدرهم والدينار التي يعاني منها معظم الناس،لماذا تتوفر ارقى انواع اللوازم المدرسيه لدى التجار ولا توفرها وزارة التربيه ؟؟ وهل يعلم وزير التربيه ان كل ما استلمته ابنتي من قرطاسيه عباره عن خمسة اقلام وممحاتين وهي في الصف الثاني الابتدائي علما انها مشموله بمجانية التعليمّ!!! وهل وصل الى اسماع وزير التربيه ان دولة الصين قامت مؤخرا بحمله واسعة لشراء جميع حمير العالم لترويضها وتسخير جهدها خدمة للعمليه التربويه هناك؟
















