إلى متى يستمر رقص القرود ؟ – علي كاظم الرفيعي

444

إلى متى يستمر رقص القرود ؟ – علي كاظم الرفيعي

بعدما ينيف على الستين عاما ، أرتأينا ان نلتقي مع شاعر العرب الجواهري الكبير لنتعرف على ما دار بينه وبين عابر سبيل ( على قارعة الطريق ) لما في هذا الحوار من معان عميقة حية ناتجة عن تجربة حياتية عاشها الجواهري ويعيشها الانسان العراقي .

يقول الجواهري :

” قال لي وقد عرج علي – وانا في منتصف الطريق الى حيث أريد ـ أانت مسافر مثلي …. ؟

فقلت له : لا ! بل أنا شريد .

قال : وأين وجهتك الان ؟ ……. الخ ”

تم يتواصل عابر السبيل في حديثه مع الجواهري الذي يمشي الى الامام على ضوء الشمس هو وافراد عائلته السبعة ، لمعرفة الحقيقة التي يجهلها طيلة اعوام كثيرة من عمره . وحين يستفسر منه عابر السبيل ، كيف يطيق – الجواهري – وافراد عائلة عناء السير الطويل ؟ وكيف يتحملون البرد ؟ ولماذا لا تحاول أن تكسوهم وتطعمهم فيما تمر به من المدن والقرى والناس ؟ يجيبه الجواهري بانه لم يفعل ذلك ، أذ ليس لديه ثمن مقابل ذلك ، انه يريد ان يعمل هو واولاده كي يشبعوا ويكسبوا ، وبدون ذلك، فان الثمن الذي يريده الناس في المدن والقرى هو الرقص مثل القرود ، وحين يسأله عابر السبيل ، ولماذا لاترقص مثل القرود ؟ يجيبه الجواهري بالاتي :

” لانني لم اوهب سعة حيلة هذا الحيوان وصبره على المجاراة . ”

هذا المقطع من مقدمة الجزء الاول من ديوان الجواهري تضمن رمزية عالية غاية في الدقة معبرة عن واقع اجتماعي يربتط بالتناقضات الحادة والمستمرة بالتزايد في المجتمع الانساني والذي تعود في الاساس الى فقدان العدالة في دخل الفرد المعاشي وانعدام الضمانات الاجتماعية في بلدان تعيش في ظل تسلط الفرد او حكم احزاب او كتل مجردة من الروح الوطنية ومتعطشة للسلطة تستخدم كل الوسائل والاساليب غير المشروعة لبقائها متحكمة بمصير المواطنين الذين يعانون الجوع والعري والجهل. ليس في مقدور الناس الملتزمين الرقص كالقرود لكي يكسبوا عيشهم على حساب سمعتهم وشرفهم ، وفي المقابل نجد الفاسدين وزبانيتهم لديهم كل الاستعداد لذلك فهم يرقصون ليس كالقرود لا بل بمستوى احط من ذلك بمجرد ايماءه بسيطة من مروضي الحيوان طلاب السلطة والجاه بأي ثمن وكمثال على ذلك مايحصل عند استقبال كبار المسؤولين في الدولة من وزراء واخرين بالقبلات الكاذبة والورود الزائفة ، نرى القرود الذين لم تكن لهم سابق معرفة بالمسؤول الجديد يستقبلونه عند باب الوزارة او الدائرة بالورود والرياحين ، وحين يلتقي بهم في صالة الاستقبال يبدأون بكيل المديح له ويحمدون الله على اختياره رئيساً جديداً لهم ، وما أن يبدأ بعرض تصوراته وخطة العمل التي ينوي تطبيقها في وزارته والتي تختلف او تتعارض في بعض مفاصلها مع خطة الوزير او المسؤول الذي سبقه ، يتسابق المنافقون في كيل الثناء للخطة الجديدة وانها ستؤدي الى تقويم المسيرة العلمية للوزارة وانها ستفتح افاقاً جديدة اغفلها او تعمد اغفالها الوزير السابق ، في حين انهم ( نفس القرود ) هللوا للوزير السابق عند استقبالهم له ومدحوا واطروا على خطة العمل التي طرحها في حينه. من الواضح للجميع ان الفساد يؤدي الى تخريب القيم الاجتماعية ويضعف دور المنظومة القانونية ومن النتائج الحتمية التي تترتب على ذلك بروز ظاهرة المافيات واتساع دائرة النفاق والكذب والاحتيال وهذا بدوره يؤدي الى زيادة اعداد القرود التي ترقص في كل حين بثمن بخس او بدونه بمجرد اشارة من تجار الفساد. حقاً ان المواطن العراقي امام محنه حقيقية ومن حقه ان يتساءل الى متى سيستمر رقص القرود ؟ وهل ستتوقف او تتباطأ في الاقل عجلة الفساد عن الدوران.

{ الأمين العام للتيار الاجتماعي الديمقراطي

مشاركة