إقليم البصرة بين الواقع والطموح  – عـلاء لازم العيـسى

349

إقليم البصرة بين الواقع والطموح  – عـلاء لازم العيـسى

  بعيدًا عن كل المساومات والمزايدات ، وبعيدًا عن لعبة شدّ الحبل وأخلاقيّة التسقيط ، أقول : لم تكن فكرة إقامة إقليم ، أو إنشاء كيان مستقل ، أو حكومة مستقلّة عن مركز الدولة في البصرة أو جنوب العراق وليدة اللحظة الحاضرة وهي سنة  2019  بل لها اهتمام زماني يقدّر بثمان وتسعين سنة ، يرجع إلى يوم  20 / 6 / 1921  حينما سافر وفد يتكوّن من ستة أو سبعة أشخاص من البصرة إلى بغداد ، وطلب من السكرتيرة الشرقيّة المس بيل أن تتوسط لهم للمثول بين يدي السير برسي كوكس لتسليمه عريضة تتكوّن من ثلاث وعشرين نقطة تنطوي على تقديم الحجج الداعمة للانفصال عن المركز ، لكن مساعيهم لم تنجح ورجعوا بخفيّ حنين .

وبعد الفشل الذريع الذي أصاب حركة 1921 لخلق كيان سياسي في البصرة منفصل عن السلطة المركزيّة في بغداد تحت مظلّة بريطانيّة ، لم تظهر أيّ دعوة أخرى حتى ظهور عضو مجلس الحكم في العراق السيد موفق الربيعي في مقابلة تلفازيّة في آب سنة 2003 ـــ أي بعد احتلال بغداد بخمسة أشهر تقريبًا ـــ صرّح فيها بتصريح خطير مفاده أنّ مجلس الحكم ناقش عملية تقسيم العراق إلى خمس فيدراليات هي على النحو التالي : كردستان / شمال غرب العراق / إقليم بغداد الكبرى / إقليم الوسط ويشمل النجف وكربلاء والديوانية والحلة والكوت / وإقليم الجنوب البصرة والناصرية والعمارة ، وأشار إلى أن مناقشة تفاصيل هذا المشروع تركت للدستور العراقي الذي سيشكّل مستقبلًا . دستور العراق

  ثمّ توالت التشريعات ، إذ تعرّض الدستور العراقي لعام 2005 للأقاليم في عدد من مواده ، كالمادتين  117 – 116  التي اعترفتا بالأقاليم كمكوّن جغرافي معترف به ، والمادة  120  المتعلّقة بقيام كلّ إقليم بوضع دستوره الخاص به ، كما أشار قانون الأقاليم في مواده المختلفة إلى التحقّق من الاستخدام الأمثل للموارد الماليّة واقتسامها وعدالة توزيعها ، وإلى تنظيم إدارة الكمارك ، ورسم السياسة الاستراتيجيّة لتطوير ثروة النفط والغاز ، ورسم سياسات التنمية والموارد المائية ، والتعليم ، والصحة ، والسياسة البيئيّة ، وتنظيم كل ذلك بقوانين واضحة .

أمّا أهم وأخطر ما جاء في القانون المشار إليه ، فهو ما ورد في المادة رقم121/ رابعًا  وهو السماح بتأسيس مكاتب للأقاليم في السفارات الأجنبيّة بعيدًا عن رقابة السلطة المركزيّة ، وما ورد في الفقرة  126 / رابعًا  المتعلّقة بمنح الحصانة الدستوريّة لصلاحيات الأقاليم ضد التعديل الدستوري  إذ جاء بالنصّ  لا يجوز إجراء أيّ تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيّات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصريّة للسلطات الاتحاديّة إلا بوافقة السلطة التشريعيّة في الإقليم المعني وموافقة أغلبيّة سكّانه باستفتاء عام  ، وهذا الاتجاه من الاتجاهات غير المألوفة في النظم الفيدراليّة في العالم ، وتكريسًا لقواعد النظام الاتحادي ، وبغية وضع قانون ينظّم الإجراءات الخاصة لتشكيل الأقاليم في المحافظات ، شُرّع قانون رقم  13  لسنة 2008  ونشر في  الوقائع العراقيّة  العدد .4060

إنّ فكرة اقامة إقليم أو مجموعة أقاليم في العراق لا تخلو قديمًا وحديثًا من وجود متحمسين للترويج لها ، لما لهذه الفكرة من تأثيرات سحريّة ومغرية توحي عند سماعها لأول مرّة بالرفاهية الاقتصاديّة ، وتحسين الأحوال المادية للأفراد ، والازدهار التجاري ، ومواجهة الاستغلال الخارجي المتمثّل باستغلال الواردات من قبل حكومة المركز في بغداد ، والاستفادة من هذه الواردات لبناء مدن عصريّة تنعم بالأمن والأمان وبأعلى درجات الرقي والتقدّم واللاطبقيّة ، وبأفضل توظيف لمظاهر التكنلوجية الحديثة كما حدث في بعض الدول الاجنبيّة أو العربيّة ، معتقدين أنّهم سيأكلون من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ، وإلى هذا الحد لا إشكال في الموضوع ، بل إنّه مطلب مشروع .

   ولكن بين غموض التفاصيل المتعلّقة بفكرة إقامة حكومة الإقليم في البصرة أو في غيرها بسبب ضبابيّة أكثر مواد قانون الأقاليم وصمت الدستورعن التوسع بتفاصيله الكثيرة ، وبين التشكيك في مدى شفافيّة القائمين على هذا التوجّه ونزاهتهم  وفقدان ثقة أكثر المواطنين المستقلّين بالقيادات السياسيّة المتنفذة في محافظاتهم ، مع وجود التناقضات والاختلافات الولائيّة للعشيرة أو الحزب أو المرجع أو الطائفة والمذهب وتجذّرها في نفوس أغلب الناس ، ووجود بعض التوجهات والتحفظات التي تنبعث من أصول جغرافيّة ومناطقيّة مشتركة ، لا زالت المخاوف والشكوك تساور عددًا لا يستهان به من الواعين من أهل البصرة فيما يتعلّق بتحويل محافظتهم إلى إقليم ، وهل أنّ إقامة الإقليم الآن هو خطوة نحو العدالة الاجتماعية والمساواة بالحقوق ، أم أنّها صفقة سياسيّة ، وعملية احتيال من قبل بعض المستفيدين لتسليم الجمل بما حمل إلى أفراد وجهات معيّنة لتعزيز قوتهم ونفوذهم ضمن هذا النظام ، ممّا دفع بعض الأهالي والمراقبين لأن يكونوا أقلّ انشدادًا لأيّ تغيير باتجاه تشكيل الإقليم لقتامة قسماته وضبابيتها.

اختيار حكام

وبما أنّ الاعتقاد السائد في عالم اليوم هو أنّ اختيار الحكّام من قبل المحكومين يعدّ الطريقة الشرعيّة الوحيدة لممارسة السلطة ، فالحكّام المنتخبون لحكم إقليم البصرة ستكون ممارستهم للسلطة شرعيّة لأنّهم اختيروا من قبل أبناء المحافظة ، وبما أنّ السلطة الحاكمة لها القدرة على إصدار الأوامر التي يخضع لها كافة المحكومين ، كما أنّ لها الحقّ والقدرة على اجبار المواطن على احترام هذه القوانين وطاعتها ولو بالقوّة عند الضرورة ، وبما أنّ هذه القوانين تمتلك الحصانة الدستوريّة ضد أيّ اعتراض أو تعديل كما بينّا قبل قليل ، فأنّ هنالك نقاط يجب توضيحها وبالتفصيل من قبل دعاة الإقليم لكي يضمنوا تقبّل الأكثرية لمشروعهم .

   فممّا يجب على الداعين لإقامة الإقليم أن يبيّنوه للناس ، هو : ماذا يقصدون بالضبط بإقامة أقليم البصرة ، هل يقصدون  اللامركزيّة  الإداريّة فقط أم       الفيدراليّة  ، فاللامركزيّة الإداريّة  أسلوب إداري يتّصل بطريقة تنظيم السلطة الإداريّة في الدولة ، ولا يمسّ وحدتها القانونيّة أو السياسيّة ، بينما تُعدّ الفيدراليّة نوعًا من أساليب التنظيم الدستوري للدولة ، ويقوم على حساب وحدة الدولة التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة  .

   وتفريعًا على ذلك فإنّ اللامركزيّة الإداريّة لا تمنح لأقاليم الدولة الإرادة التشريعيّة المستقلّة لأنها تعيش في إطار الإرادة التشريعيّة المركزيّة ، أمّا الفيدراليّة وهي أعلى مراتب اللامركزيّة ، فتعني تمتّع الإقليم بإرادة تشريعيّة كافية ومستقلّة داخل إطار الدستور الاتحادي ، ويمكن عدّ فيدراليّة الولايات المتحدة الأمريكيّة أصدق نموذج لهذا النوع .

   فلو كان الجواب هو :  تمتّع الإقليم بإرادة تشريعيّة كافية ومستقلّة  فهذا يعني أنّ هناك من أعضاء مجلس الإقليم المرتقب من سيضع القواعد القانونيّة لهذا الإقليم، فما هي الضوابط الفقهية والعلمية والتشريعيّة لمن يتصدى لهذه المهمّة ؟ ، ومن هو الضامن لصلاح هؤلاء الذين سيقننون قوانين الإقليم ، وكفاءتهم ، وعدم فسادهم ؟ ، ولو ارتكب أحد أعضاء مجلس الإقليم مخالفة مستقبليّة للقانون الموضوع ، أو أخفق جميع أعضاء المجلس لأيّ سبب كان في إدارة الإقليم ، فمن الرقيب ومن المحاسب ومن المتهم ومن القاضي ؟ وهل يمكن للقانون الذي وضعه أعضاء الإقليم أن يعلو عليهم مستقبلًا لو حدث خرقًا ما من قبل أحدهم ، وما هي الاجراءات التي يجب أن تتّبع عند التعديل أو الإلغاء لبعض التشريعات ؟ ، ومن هي اللجنة أو الجهة التي ستتولى تنفيذ هذه الإجراءات والأحكام بحقّ من سيجمع في يده السلطة والمال ، بعيدًا عن عن كلّ رقابة خارجيّة ؟ .

ثمّ وماذا بشأن توزيع المناصب السياديّة والصلاحيّات ، وتقاسم السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة ، وكيف سيتم التوزيع والتقاسم بالتعيين أم بالانتخابات العلنيّة من قبل أهل الإقليم ، وهل أنّ الكفاءات الموجودة حاليًا كافية لتغطية هذه المناصب وسدّ الشواغر فيها ، وفق ترشيحات ومنافسات مفتوحة تتشكّل وفقًا لقواعد نزيهة ومنظورة ، أم أن المحاصصة الحزبيّة والكومشنات والمصالح الشخصيّة ، ستلعب دورها في منح الثقة لمن هبّ ودبّ ، على حساب المصلحة العامة ومصلحة الإقليم وأهله ، بعد أن علم جميع المراقبين بأنّ المطالبة بإقامة إقليم البصرة تحوّلت الآن من مطلب شعبي وجماهيري إلى مطلب حزبي من قبل المتنفذين في السلطة الآن في مجلس المحافظة ، بل من أعلى الهرم فيه.

ولو فرضنا قيام إقليم البصرة ككيان سياسي منفصل من آخر نقطة في الفاو إلى آخر نقطة في القرنة ، فهل ستبدأ سلطة المركز بالذبول ومن ثمّ بالاختفاء على مستوى الواقع ، وعلى مستوى التمثيل الدولي ، لتحلّ محلها سلطة الإقليم السياسي إقليم الخاصية الواحدة ـــ كما يطلق عليه في علم الجغرافيا السياسيّة ـــ وهو إقليم واضح المعالم والايديولوجيا ومحدّد بشخصيّة معنويّة وبنظام داخلي وبحدود معيّنة ومحسوسة ، وهل سيكون هذا البديل طرفًا متكافئًا مع دول الجوار، من حيث المحافظة على الحدود الجغرافية ، وحق تقرير المصير ، وتسوية النزاعات ، وبصلاحية البت باتخاذ القرارات المحليّة ، وكيف يتم تسمية رئيس الإقليم والهيأة التنفيذيّة التي ستعمل بمعيّته .

أخيرًا ، وبالمختصر المفيد ، إنّ  الإقليم  ليست كلمة يمكن صياغتها لتعني أيّ شيء تختاره وسائل الإعلام ، ويريده السياسيّون ، الذين يسعون لاجتذاب البسطاء من الناس إلى جانبهم عن طريق تملّق طموحاتهم وعواطفهم ، واللعب بمشاعرهم ، إنّ المشكلة الحقيقية والأساس في نجاح تجربة قيام إقليم البصرة من عدم نجاحها ، ليس في انتاجية مدينة البصرة العالية من الموارد الطبيعيّة ، أو غناها بما يدخلها من واردات نقدية عن طريق النفط ومشتقاته والموانئ أو المنافذ الحدوديّة فقط ، أو بالوعود بتحسين الحالة الاقتصادية والمعيشيّة للمواطنين كما يحب أن يروّج بعض المروّجين ، بل في مدى إخلاص ونزاهة النخب السياسية والاجتماعية والعلميّة ومنظمات المجتمع المدني التي تقف وراء هذا المشروع وتخطط لإنجاحه ، فسلطة الحكّام تكون أقوى وأكثر احترامًا إذا آمن المحكومون بنزاهة سلطتهم ، وتقديم المصلحة العامة على مصالحهم الشخصيّة في اتخاذ أيّ قرار بحيث تتولد القناعة بأن الحكّام يحكمون لمصلحة الكل ، ويعملون من أجل تحقيق المصالح والأهداف المشتركة ، مع ضرورة امتلاكهم للمهنية والخبرة الإدارية العملية ، وكثيرًا من الحكمة بعيدًا عن التسرّع ، لأن التأييد المتسرّع لأيّ فكرة وعلى رأسها فكرة الإقليم لن يوصلنا إلا إلى الفوضى والخراب والندم.

مشاركة