إقتراح تعديل نظام الحملات الإنتخابية يتسبب بمشاجرة بيني وبين الحسيني محورها الطائفة – فريد ايار

661

(الزمان) تنفرد بنشر فصول من أول كتاب يكشف إنتخابات الزمن الصعب (19)

إقتراح تعديل نظام الحملات الإنتخابية يتسبب بمشاجرة بيني وبين الحسيني محورها الطائفة – فريد ايار

ان الائتلاف العراقي الموحد يرحب بكل استفسار او انتقاد او شكوى وسوف نكون بجهازية كاملة للرد والتعاطي مع متطلبات ذلك ويعتبر هذا الامر حالة صحية في الممارسة الانتخابية الديمقراطية الحرة والنزيهة. كما نرحب كذلك باستلام هكذا ملاحظات بصورة مباشرة من الكيانات الاخرى وقد قمنا بالفعل بمبادرات ومداولات مع عدة اطراف اخرى بهذا الامر وتم حل بعض المشاكل البسيطة بصورة مباشرة.

ازاء هذه الحملات والحملات المضادة وقف مجلس المفوضين حائراً لا يدري ماذا يفعل كما انه لم يكن، على الاقل بشكل خفي، موحداً ازاء استعمال الرموز الدينية بشكل عام في الحملات الانتخابية اذ تبين ان بعض المفوضين لا يرون في استعمال الرموز الدينية مشكلة يفترض التوقف عندها وحلها في حين طلب اخرون ايجاد حلول سريعة لهذا الموضوع الشائك  علما بأن النظام رقم (9) لسنة 2004 الذي اصدره مجلس المفوضين حول الحملات الانتخابية كان هشاً ولم يفصل عند وضعه من قبل خبيرة الامم المتحدة البريطانية روث ماير على مقاسات العراق، بل اخذ عن انظمة طبقت في دول اخرى ادارت فيها الامم المتحدة العملية الانتخابية ولم يكن فيها هذا الانشطار العميق طائفيا وقوميا ومذهبيا . كان اعضاء مجلس المفوضين يشاهدون في الشارع الكثير من الدعايات الانتخابية والكثير من البوسترات والاعلانات التي تشير الى ان المرجعية الشيعية تؤيد القائمة (169) كما كنا نرى صورالسيد السيستاني والى جانبها ما يفيد بضرورة انتخاب “الشمعة” أي قائمة 169 للائتلاف العراقي الموحدة بالاضافة لأقوال منسوبة للسيد السيستاني مثل ” كل من لا ينتخب القائمة 169 فليهيء نفسه للحساب يوم القيامة.

اجتماع مجلس المفوضية

بعد تسلم المفوضية رد الائتلاف العراقي الموحد اقترحت في اجتماع لمجلس المفوضين ان يقوم السيد رئيس المجلس الدكتور عبد الحسين الهنداوي بالسفر الى النجف الاشرف وترتيب زيارة سماحة السيد علي السيستاني وابلاغه مباشرة بالامر وبالتعقيدات التي ظهرت ورغبة المفوضية في صدور فتوى من سماحته تشير صراحة الى عدم تأييده اية قائمة ويترك للمواطنين جميعا ان يرشحوا من يقتنعون به  وبذلك يمكن ان تنتهي هذه العقدة التي لايمكن حلها الا بواسطة المرجعية الدينية في النجف الاشرف . اتذكر جيداً ان الدكتور عبد الحسين اجابني ، انها فكرة جيدة ولكن الطريق الى هناك خطرة وهناك الكثير من حوادث الخطف والقتل في اللطيفية وغيرها من قرى الطريق الى النجف ، اجبته يمكن ان نفاتح السفارة الامريكية والقوات المتعددة الجنسية لنقلك بطائرة هليوكوبتر الى هناك واضفت لو كانت الظروف تسمح لذهبت انا معك .. بعد ذلك ضاع مقترحنا هذا بين الاخذ والرد من قبل اعضاء المجلس  وبين تباين ما يطرح من افكار وبين الاطناب والاسهاب في شروحات وافكار ما انزل الله بها من سلطان وهكذا فشل المجلس في فعل شيء هو من اهم واجباته ، وبقيت المفوضية تتلفى النصال تلو النصال.

ايها المسيحيون: لا يحق لكم تعديل نظام الحملات الانتخابية؟

بعد انتهاء المرحلة الاولى للانتخابات التي جرت في 30 / كانون الثاني (نياير) /2005 كان لا بد للمفوضية من ان تستخلص العبر والتجارب من تلك المرحلة لتتمكن من انجاز العمليات الانتخابية التالية بشكل اكثر دقة وحرفية.

اثر عودتنا من واشنطن قبل نهاية الشهر الثالث 2005 حيث حضرنا الكثير من الاجتماعات ضمن ورشة تدريبية تم فيها تبادل الافكار عقدت تحت شعار (دروس تعلمناها) رأيت ان السبيل الامثل ان نبدأ بتعديل بعض الانظمة التي كنا قد اصدرناها في المرحلة الانتخابية الاولى والتي تم القفز من فوقها من قبل العديد من الاحزاب والكيانات السياسية بهدف تحقيق مصالحها وتنفيذ اجنداتها ونشر دعاياتها.

كان النقد قبل وبعد انتخابات 30/ كانون الثاني (يناير) /2005  موجهاً للمفوضية وقد تركز بشكل كبير على كون معظم افراد مجلسها من الطائفة الشيعية(1) وهي سمحت لقائمة الائتلاف العراقي الموحد الرقم (169)  باستغلال الرموز الدينية في الحملة الانتخابية ولم تضع في النظام رقم (9) لسنة 2004 الخاص بالحملات الانتخابية اية مادة تمنع ذلك الى ما شابه من اتهامات جلها كانت غير واقعية ولا تتطابق مع ما هو موجود فعلاً.

لقد بدأت باعادة قراءة جميع ما كتب وقيل حول استعمال الرموز الدينية من قبل الاحزاب والكيانات السياسية بالاضافة للردود  التي قدمتها قائمة الائتلاف العراقي الموحد بانها لم تستعمل الرموز الدينية في دعاياتها وحملاتها الانتخابية كما قرأت الشكاوى التي وردت الى المفوضية ضد القائمة العراقية بالذات واتهامها بانها استعملت مرافق الدولة للترويج لقائمتها وهي بدورها انكرت ذلك عدة مرات.

لقد وصلت بعد تلك القراءة الى نتيجة منطقية وهي طالما ان قائمة الائتلاف العراقي الموحد انكرت استعمال الرموز الدينية في دعاياتها وحملاتها الانتخابية ، وكذا الامر بالنسبة للقائمة للعراقية بان كارها تهمة استعمال مرافـــــق الدولة ، فان اجراء تعديل على  النظـــــــام رقــــــم (9) حول الحملات الانتخابية وتضمينه مواد واضحة وغير قابلة لتفسيرات عديدة بمنع استعمال الرموز الدينية منعاً باتاً ومنع استعمال مرافق الدولة في الحملات الانتخابية امر لن يفسر انه ضد اية قائمة او تكتل او ائتلاف طالما ان الجميع انكروا ما اتهموا به . وبالرغم من ان الوضع السياسي في ذلك الوقت كان على درجة عالية من الحساسية، فالتشكيك بالاخر بلغ اوجه، ونظرية المؤامرة كانت في عزها، فان الفريقين لن يستطيعا الاعتراض او اعتبار التعديل موجه ضد احدهما طالما هما انكرا ذلك الاتهام. سررت جدا لتوصلي الى هذا التفسير المنطقي والعقلاني واعتقدت بأن الامر سيكون بسيطا اذ لايمكن لأحد من مجلس المفوضين يمكنه الاعتراض على ذلك سيما وان موضوع تعديل النظام المذكور كان قيد التداول وقد قال لي زميل في وقت سابق طالما ان هذا النظام يدخل في نطاق الاعلام والدعاية  وهذا من اختصاصك ، فلماذ لاتقترح تعديلات وتعرضها على مجلس المفوضين .

 قدمت بتاريخ 23/ حزيران (يونيو) /2005 مذكرة الى مجلس المفوضين شرحت فيها اسباب تعديل نظام (9)  لسنة 2004 حول “الحملات الانتخابية” مرفقة بمقترحات لاضافة اربع فقرات الى القسم الثاني- فترة الدعاية الانتخابية وهي:

-لا يجوز استعمال الرموز الدينية من صور ورسوم واقوال وكتابات واسماء رجال دين من قبل أي حزب او كيان سياسي مشارك في العملية الانتخابية وغيره وفي أية وسيلة اعلامية او ملصق او اذاعة او تلفزيون او مطبوع مهما كان نوعه.

-لا يجوز المناداة على المقترعين بواسطة المآذن ومكبرات الصوت وابلاغهم ان عدم التصويت لقائمة ما يعتبر مخالفاً للشرع والفاعل سيذهب الى جهنم او تصبح زوجته حراماً عليه ذلك لأن هذه الأفعال تعتبر تهديدات هدفها تسيير واجبار الناخبين على الادلاء لقائمة معينة وهو أمر يتناقض مع المبادئ الديمقراطية التي تقضي بان يدلي الانسان برأيه بحرية كاملة دون ضغط من أية جهة مهما تنوعت.

-لا يجوز لأي ائتلاف او كيان سياسي مشارك في الانتخابات ان يضمن حملاته الانتخابية الافكار التي تدعو الى التعصب القومي والاستعلاء على القوميات الاخرى او اهانتها سواء كان ذلك عن طريق الشعارات او الصور او الملصقات الجدارية او الكرافيك التلفزيوني او غيرها من وسائل الاعلام المختلفة.-لا يجوز لأي كيان او حزب سياسي يشارك في السلطة او لا يشارك استعمال الأجهزة الحكومية والمركبات وتكليف الموظفين على اختلاف مستوياتهم ممارسة الدعاية الانتخابية له وتعليق الصور وتوزيع المنشورات المختلفة لصالح ذلك الحزب او لغيره. بقي مقترحنا مرمياً على طاولات اعضاء المجلس  حوالي اكثر من شهر ونصف الشهر، وبعد انتهاء فترة العطل في شهر تموز-يوليو، طلبت من امانة سر المجلس وضع مقترحات تعديل النظام المذكور على جدول الاعمال وبدأنا بمناقشة الامر في الاسبوع الاول من شهر آب-اغسطس 2005.

في تلك الجلسة طلب الرئيس مني قراءة التعديلات المقترحة لغرض مناقشتها وقد بدأت بقراءة المقدمة وقبل الانتهاء من ذلك اقترحت المفوضة حمدية الحسيني تأجيل مناقشة التعديل لاسبوع حتى تستطيع قراءة التعديلات والتفكير بها ،كان ذلك مدعاة للاستغراب لأنني كنت قد وزعتها على المفوضين قبل ذلك بفترة طويلة.. سألني رئيس الجلسة  ما رأيك ؟؟ قلت لا بأس اسبوع واحد لن يضر،  وهكذا اجلت مناقشة التعديل ووضع على جدول الاعمال ثانية بتاريخ 15/ آب (اغسطس) /2005.

عندما بدأت بقراءة التعديل مجددا في تلك الجلسة والمواد المقترحة قاطعتني ثانية المفوضة حمدية الحسيني وبدون اي سبب وبدات بالحديث عن امور خارج الاطار شارحة بالتفصيل بعض الامور الدينية-المذهبية وتسلسل المرجعية والجميع ينظر بنوع من الدهشة… قلت لها يا اختنا اننا نناقش موضوع تعديل نظام اصدرناه قبلاً ونود تطويره حالياً وكلامك، مع احترامي له، خارج هذا الاطار ولا يتعلق، رغم الاحترام ، بالامر الذي نناقشه .

عند هذه النقطة صرخت بصوت عال موجهة كلامها لي قائلة “انك تريد فصل الدين عن الدولة من خلال اقتراحك” وانك “مندس” في مجلس المفوضية وانك تمثل القائمة العراقية (!!)، ثم واصلت الكلام لتقول: “ان العراق يحكمه الآن الامريكان واليهود والمسيحيين” ، عند هذا الحد لم استطع البقاء جالسا فوقفت و طلبت منها ان تحترم الاديان الاخرى وقلت لها ان في مجلس المفوضين اديان مختلفة لا يفترض النظر اليها باحتقاربل بأحترام كامل لانها متساوية . وهنا قالت لي بصوت عال: “انتم المسيحيين 2% من الشعب العراقي ولا يحق لكم وضع مقترحات من هذا الشكل ، وكانت تعني تعديل نظام الحملات الانتخابية، اجبتها وانا في حالة من العصبية والالم: “ان جذوري تمتد عشرات الكيلومترات في قلب ارض العراق العدد لايهم بل المهم الاخلاص للوطن ، انني عراقي حتى النخاع ، وانني لست مستورداً من الخارج” وان لي الحق ان اقدم اي مقترح اعتبره صالحا لوطني وللعملية الانتخابية .

كان الآخرون من اعضاء المجلس جالسين منهم من هو مندهش لهذا التصرف ومنهم ،ممن يمتلكون ثقافة التشفي الصفراء، صامتون وفرحون من اعماقهم … في تلك اللحظات ايقنت، بل زاد يقيني ان هناك حالة مرضية-تعصبية متفشية في مجلس المفوضين ليس سهلاً الخلاص منها وهي استمرار للحالة التي توقعتها ونحن في المكسيك اثناء انتخاب رئيس للمفوضية والناطق الاعلامي لها . ولأن الامور وصلت الى حالة من التعصب الديني والمذهبي وكراهية الانسان لأنه ولد على دين اخر، فقد سحبت مقترحي من النقاش لأدع الامور تسير وفقاً لما يشتهيه المتعصبون وقدمت استقالة من كافة اللجان التي كنت اشترك فيها في المفوضية انتظاراً لانهاء الايام الباقية حتى الانتخابات حين ستنتهي ولاية المجلس ويذهب كلُّ عضو في الاتجاه الذي رسمه لنفسه وارتاح من هذا الغم الذي كان يضغط على صدري.

انتقال شريط الاحداث

اثر عودتي الى غرفتي في فندق الرشيد جلست افكر مليا لماذا وصل العراق الى هذا المنحدر الذي يقضي برفض الاخر لسبب لم يقترفه ،  لقد عادت بي الذكرى الى عقود اربعة خلت حيث كنت قد بدأت العمل فيها في دوائر الدولة ولم اتلق يوما اي كلام ولو كان همسا عن الدين او المذهب الذي ولدت عليه وانتقل شريط الاحداث في خاطري الى منطقة  باب الشيخ في قلب بغداد حيث ولدت فيها والى مدرسة العوينه الابتدائية وصولا الى مدرسة  الثانوية الجعفرية  التي نلت شهادة الثانوية منها .. هذا الشريط مر بخاطري مذكرا بعشرات الاشخاص الرائعين  الذين عملت معهم في دوائر الدولة المختلفة ولم ينبس اي واحد منهم طوال تلك السنوات الجميلة بحرف او بكلمة تتعلق بدين الاخر او طائفته او قوميته بل لم يكن احدنا يفكر بمثل هذه الامور وهذا ما   يدلل على عمق وثبات سلوكية هؤلاء ووطنيتهم وحبهم للعراق الواحد الموحد .لقد تحسرت فعلا على ذلك ذهاب ذلك الزمن الجميل المملؤء بثقافة الاخلاق والسلوك الحضاري السوي .

زادت هذه الحادثة من سقوط هيبة المجلس بنظري وهي كانت متدنية اصلا الاخ رئيس المجلس وكان في ذلك الوقت السيد عز الدين المحمدي  (اصبح رئيسا للمجلس خلفا للدكتور عبد الحسين الهنداوي ) لم يستطع فعل شيء اذ كان، مفروضاً به ان يسكت هذه السيدة في حينه  ويطالبها بالاعتذار الفوري سيما وان المساس هكذا بالاديان يعتبر خرق للدستور ، الا انه لم يفعل  ربما لأنه اعتقد ان معالجة هذا الامريحتاج الى فترة زمنية او انه فوجيء بما حصل ولم يستطع تقدير ما يفترض عمله فورا . بعد هذه الهمروجة  المؤلمة انفض مجلس المفوضين دون ان يتخذ اي قرار وانصرف كل عضو  الى غرفته ، وبعد فترة قصيرة  زارني السيد عز الدين المحمدي في مكتبي وقال لي اتركها علي فأنا ساتحدث مع حمدية لتعتذر منك على هجومها عليك  … شكرته على ذلك رغم علمي ان وقت الاعتذار وسحب مثل هذه الكلمات قد فات ، لأنَّ مثل هذه الامور يجب ان تحسم في وقت حدوثها وفي الجلسة ذاتها .  وجهت مذكرة الى السيد اشرف قاضي المبعوث الخاص للامين العام للامم المتحدة شرحت فيها هذا الحادث وطلبت منه اتخاذ الاجراء اللازم سيما وان الامم المتحدة هي التي اختارت المجلس على اسس ومعايير دولية منها الايمان بحقوق الانسان، القبول بالرأي الاخر، وعدم التعصب المذهبي والديني او الطائفي… لم تأخذ الامم المتحدة اي اجراء وكأن شيئاً لم يكن وهذا ما توقعته ، لان هذه المنظمة ليس هدفها  حل اي اشكال يقع في المفوضية الانتخابية بل ان “تنجح”  هي  في اي عمل تقوم به وتمريرالانتخابات عام 2005 مهما كانت نتائجها هو هدفها الرئيسي ، اما العراق والشعب العراقي ومشاكل المفوضية وتطبيق القوانين  فليذهبوا الى الجحيم.

ثمة امر لا بد من ذكره في هذه الملحمة –المأساة ان احدى الزميلات من اعضاء المجلس جاءت الى مكتبي في المفوضية بعد يوم من الحادث وقالت لي انها عاتبت تلك المفوضة على ما فعلته فكان جواب الاخيرة لم استطع الا فعل ذلك… انه “تكليف شرعي”. وبذلك اسدل الستار عن اي تعديل للنظام وقد طبق في انتخابات 15/ كانون اول (ديسمبر) /2005 لانتخاب مجلس النواب وكما كان في السابق(1).

هل تدخلت امريكا في الانتخابات؟

سؤال طرح عشرات بل مئات المرات ولا زال ومنذ ان بدأنا العمل في مفوضية الانتخابات… المناصرون والمؤيدون لاجراء العملية الانتخابية قالوا ان امريكا لا تتدخل في حين ادعت احزاب وبعض الفصائل التي كانت عام 2004 و2005 مقاومة لوجود الولايات المتحدة الامريكية في العراق، ان لامريكا يداً في كل شيء في العراق بما فيها الانتخابات نفسها. والحقيقة ان مناقشة هكذا موضوع فيه الكثير من التشعبات التي تدخلنا في تفاصيل لا عد لها لذلك سنعمد قدر الامكان الى الاختصار والايجاز وصولاً الى صورة واضحة لهذا الموضوع.

من السذاجة القول ان الولايات المتحدة الامريكية التي تمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً لا يضاهى في العراق تبعد عينيها عن امور تحصل في البلد الذي تحتله ولا تستفيد من كل فعل يحصل فيه سيما وان موضوع الانتخابات يكتسب اهمية بالغة اذ انه يعتبر احد المفاصل الرئيسية في عملية التغيير وتأمين نوع العلاقة المستقبلية مع الدولة المحتلة، لذلك علينا بداية وبهدف ابتغاء المزيد من الدقة تحديد معنى “التدخل” اي بكلمة اخرى: هل تدخلت امريكا الى جانب اجراء العمليات الانتخابية عام 2005 ام حاولت تأخيرها او تغييرها؟ او ايجاد صيغ اخرى لها؟من المعلوم ان غزو الولايات المتحدة للعراق واحتلاله تم بحجة وجود اسلحة دمار شامل يمتلكها النظام العراقي وهي تهدد السلم والامن في العالم، ولكن بعد مضي وقت قصير اتضح للجميع ان هذه الحجة لم تكن صحيحة اذ لم يجد خبراء التفتيش التابعين للامم المتحدة وخبراء وكالة المخابرات المركزية ،الذين انفتح المجال امامهم للدخول إلى كل ركن وزاوية من زوايا العراق،  اي نوع من انواع الاسلحة المحظورة دولياً وانكشفت لعبة الادارة الامريكية وبانت حقيقة ان ما ادعته تلك الادارة لم يكن امراً حقيقياً تمَّ من خلاله اقناع الرأي العام العالمي بشكل عام والامريكي بشكل خاص بغزو العراق واحتلاله. ادركت ادارة الرئيس جورج بوش (الابن) بعد فترة اشهر من احتلالها العراق وتعيين بول بريمر حاكماً ادارياً له ان مهمتها في هذا البلد اصعب مما توقعته، لذلك اعدت في مطلع عام 2004 قائمة بتغييرات محتملة لعملية الانتقال السياسي في العراق تشكل قاعدتها الرئيسية تسليم السلطة الى حكومة عراقية جديدة في موعد الثلاثين من حزيران (يونيو) 2004 والتوجه الى الامم المتحدة لتوفير كافة الامكانات المطلوبة لاجراء انتخابات عامة في العراق على اعتبار، ومن بين اسباب اخرى، ان اختيار العراقيين لحكومة تمثلهم قد يعد حدثاً يضاهي في اهميته تلك التحولات التي حدثت في دول اوروبا الشرقية عقب انفراط العقد الايديولوجي للشيوعية هناك، بالاضافة إلى ذلك اقناع المرجع الشيعي السيد علي السيستاني بضرورة منح فرصة للتحضير الكامل للانتخابات في كافة ارجاء البلاد علماً بان السيد السيستاني كان يطالب باجراء انتخابات مباشرة في منتصف عام 2004 وهو موعد قريب جداً لاختيار اعضاء الجمعية التشريعية الانتقالية.وينقل عن محللين دوليين ان الرئيس الامريكي جورج بوش الذي يشهد اعمال عنف شبه يومية في العراق، يمكن ان يظهر في صورة المنتصر الكبير في الانتخابات العراقية مما قد يحسن صورته سواء في داخل الولايات المتحدة حيث فقد الكثير من شعبيته او في خارجها. ويتفق خبير الاستطلاعات “اندرو كوهوت” من مركز (بيو للابحاث) انه على المدى القصير ستساعد الانتخابات العراقية الرئيس بوش وقال: “الناس في امريكا يستجيبون للتفاؤل… انهم يحبون ان يعتقدوا اننا نحرز تقدماً… هذا سيتيح لبوش ان يثبت وجهة النظر هذه”. برأينا الشخصي ان ادارة الرئيس جورج بوش بعد ان اقتنعت بضرورة اعطاء دور للامم المتحدة للمساهمة في اجراء انتخابات عامة في العراق ،وان نجاح ذلك وتشكيل جمعية وطنية انتقالية منتخبة بصرف النظر عن الاسماء او الاحزاب، ثم التقدم في الخطوات الاخرى، ستكون جميعها لصالح تلك الادارة وحتّى يقال للشعب الامريكي ان غزو العراق، بالرغم من عدم العثور على اسلحة الدمار الشامل، اثمر عن تحقيق الديمقراطية المفقودة منذ زمن بعيد في  ذلك البلد ويسجل الرئيس بوش نقطة انتصار على منتقديه. علماً بان الجغراقيا العراقية لا تشكل عائقاً امام اقامة انتخابات سريعة على عكس افغانستان التي يعيق اجراء انتخابات مماثلة فيها تبعثر السكان في القرى والفرقان فضلاً عن طول فصل الشتاء والجليد. وضعت الولايات المتحدة كل ثقلها لتحقيق وانجاز العمليات الانتخابية الثلاثة عام 2005 وبالرغم من ان السفارة الامريكية في بغداد وسفيرها المحنك جون نيغرو بونتي وروبرت فورد والسلطات العسكرية الامريكية لم يتدخلوا بشكل مباشر في الشأن الانتخابي العام الا ان “عيونهم” كانت موجودة سواء في اروقة المفوضية العليا للانتخابات او ما بين الكتل والكيانات السياسية بمجموعها كما كانت افكارهم وطلباتهم حول هذا الامر تنقل بشكل مهذب وغير مباشر الى الجهات المعنية بالانتخابات ولا سيما مفوضيتها العليا المستقلة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر نشير هناك انه سواء شئنا ام ابينا فان الولايات المتحدة الامريكية تضع الامم المتحدة في جيبها،  فالاخيرة لا تستطيع فعل شيء دون موافقة الدولة التي تسدد 25% من موازنة المنظمة القائمة على ارضيها ،  اضافة إلى ذلك فان الرفض الامريكي بعد احتلال العراق لاعطاء اي دور مهما صغر للامم المتحدة ومن ثم الموافقة على منحها دوراً في العمليات الانتخابية جعل خبراء الامم المتحدة وعددهم لم يتجاوز الـ (22) خبيراً، ثم زيدوا بعد ذلك قليلاً، يرون في السفارة الامريكية ببغداد كعبتهم التي يفترض ان يحجوا اليها مساء كل يوم للاعتراف بما حصل ويحصل في المفوضية او في اجتماعات مجلس المفوضين.

يتبع

مشاركة