إغتيال المثقف – ياس خضير البياتي

390

شهق الناس

إغتيال المثقف – ياس خضير البياتي

صار حلمنا اليوم مستحيلا ان نجد في الوطن من يعيد للمثقف العراقي مكانته في هذا الواقع العراقي المريض بالفساد والجهل، ويجعل جهلة الامة اسيادها، والمثقف والمفكر في آخر قائمة فئات المجتمع. وكم عالما ومثقفا غادرنا فقراً ومرضاً ولم نشعر برحيلهم، بل ان عدد الذين ساروا في جنازتهم وشيعوهم الى مثواهم الاخير اقل من عدد الكتب التي وضعوها وألفوها! والحقيقة أن أقسى موت للمثقف هو أن يدفن داخل جلده، وأن ينزف إنسانيته حتى آخر كلمة، ودمه حتى آخر قطرة، بدون أن يراه أحد لأن هناك نزيفا داخليا وغير منظور للذات وليس فقط للدم. أي وطن هذا الذي كان سابقا تنسب للأدباء والفنانين واهل الفكر، وغدت تنسب للصبيان من اهل السياسة والغناء والاعلام، واي عار للحكومات وهي تحط من قيمة مفكريها وعلمائها وتقطع عنهم ارزاقهم، وتستقطع من رواتبهم الهزيلة، وتحاصرهم بالموت والقتل والمهانة، وتجعل الآخرين أصحاب السياسة والجهلة يعيشون بحبوحة العيش الرغيد في قصور الحرام، وحماية الجيوش الجرارة!  مسكين حال المثقف العراقي المذموم من السلطة السياسية لأن قدره أن يكون مثقفا وصاحب رأي، والمشكوك من السلطة الدينية التي تراه ملحدا في قياساتها وفتاويها، مما يجعله دائما يشعر بالاغتراب عن نفسه ومحيطه، حائراً مربكاً غير واثق، يواجه مجتمعاً مأزوماً مثقلاً بالخيبات، وسلطة منهزمة تسعى إما لتوظيفه أو تهميشه أو سجنه أو اغتياله جسديا ومعنويا. أشعر بالخجل حقا، لأن الكثير من علماء الوطن يعيشون اليوم في أتعس ايامهم فقراً ومرضاً واهمالا وغربة، بينما يعيش فرخ وُلد لتوّه لا يفقه بالحروف الابجدية والكتابة، وابجديات الحياة، في نعيم الاعلام والأضواء وبذخ الحياة ومسرات القصور واسرارها.

 لست ناقما ولاحاسدا على صبيان اليوم، بقدر ما احلم في اعادة التوازن لمجتمع خلق انماطاً مرضية وشيزوفرنية مدمرة، لا تساعد على رقي المجتمعات، انما تؤسس لعالم استهلاكي مريض تغيب فيه الامثلة الجيدة، او تغييبها اعلاميا، لأن أكبر الخسائر هي خسارة الطاقة البشرية، عندما تشوهها السخافة والجهل، فكم من نجم شهره جهله وابتذاله، وكم من  كاتب عظيم مغمور لا يعرفه أحد من الشباب بسبب الاعلام ورسالته التجارية، لان النجومية أصبحت في أوطاننا تجارة مدمرة، ونرجسية مريضة، وثقافة للغباء، والانهيارات القيمية التي تشجع على الانكفاء وقبول الهدم، وبناء نجوم فارغين اشبه بفقاعات لا تلبث أن تنفجر وتختفي. أي أوطان هذه التي تجعل من الصبيان اليوم، نجوم المجتمع في ليلة وضحاها لأنه دندن بحرفين بأغنية ليست اغنيته، وتسخو عليهم بالمال، وبهرجة الألوان والأضواء، وخدع التكنولوجيا، بما لا يمكن لعالم ومفكر واديب أن يكسبه من المال والشهرة لو قضي عمره في الكتابة والابداع والابتكار؟ فما عادت دواوين الشعر والقصص والروايات وبحوث العلماء تعني العرب وتشغلهم أكثر من هزة راقصة، وأغنية مبتذلة الكلمات والصور، ووجه فنانة قبيحة أعاد لها الجمال المزيف صناعة (البوتكس) و(الفلر). وأي وطن هذا الذي يصر على منهجية اغتيال المثقف جسديا، كما حدث للكثيرين، وآخرهم الروائي الشجاع علاء مشذوب، لأنه أصبح أداة فائضة عن الحاجة المجتمعية لا أهمية لوجوده، ذلك أن قوة المال والسلطة لم تعدان تحتاجان إلى مبررات أخلاقية وثقافية، ولا إلى مسوغات اجتماعية كي تحققان شرعيتهما، لأنهما استعاضت عن المثقف ودوره، بوسائل أخرى، مثل القتل والاستبداد والتهميش والقمع والترويع الفكري. وبهذه الصورة تكون الثقافة الممسوسة في الجحيم العراقي قد رسبت، والمثقف خارج تغطية الوطن. وثقافة الجاهلية قد نجحت، والجهلاء اسياد الوطن!  ونقول سخرية مع من قال: ان مؤخرة هيفاء وهبي أصبحت اليوم أهم من مقدمة ابن خلدون وشعر المتنبي؟

مشاركة