إعلام السلام وأحلام بناء السلام لليمن – لطفي نعمان

إعلام السلام وأحلام بناء السلام لليمن – لطفي نعمان

تستفحل النزاعات فتستحيل صراعات دامية وأدواء قاتلة يستعصي دواؤها إذا وُجدت أدوات وقنوات أو أنابيب إعلامية مُستخذية لأولي القوة والبأس الشديد.. وشرعت باسم كل من يتبرأ منهم (الله والشعب)، تُكرس التعادي والتنافر وسط المجتمعات المتضررة من تطور النزاعات.

انصرفت وسائل الإعلام اليمني، وغير اليمني، إلى إشباع رغبات أطراف النزاع في تشويه بعضهم بعضاً، وحالت دون تفادي النزاع خلال مراحله الأولى، فكانت “الحرب أولها كلامُ.. وإعلامُ” وهذه الوسائل لم تجد بموازاتها وسائل وقنوات أقوى صوتاً وتأثيراً تلتزم مبادئ وأخلاقيات المهنة، وتخالف الواقع الإعلامي السائد في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي:

إن يعلموا الخير يخفوهُ، وإن علموا  شراً أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا

أو حسبما وصفه الإعلامي اللبناني الراحل إدمون صعب بـ”العهر الإعلامي”!

وتجنب كثير من الإعلاميين تهدئة الأجواء، أو مواكبة مساعي صناعة السلام بين “الإخوة الأعداء”، وجسدوا “إعلام حرب” تسوده دعايات كاذبة تخلق قناعات كثير من الناس، يصعب تقبلها للحقائق وقد عاشت عليها دهراً.

ولما يظهر بعد إعلام سلام يمني يعد صدىً لصوت المتضررين، ويثبت أنه كما للقتلة أبواق وأشياع وأتباع باطل، فللقتلى أصوات وأولياء وأصحاب حق.

إعلام سلام يشجع خطوات بناء الثقة بين أطراف النزاع من المكونات اليمنية لكي يعد رافداً أساسياً لصانعي السلام، من الفاعلين المحليين والوطنيين داخلياً وخارجياً إن اتحدوا-وتلك معضلة أخرى.. أو الوسطاء من دول قريبة جغرافياً من محيط الصراع ودبلوماسياً من أطراف النزاع، أم هيئة دولية كالأمم المتحدة التي تعاقب مبعوثو أمينيها العامين، من سنة 2011 م حتى الآن، من بان كي مون إلى أنتونيو غوتيريس، ومبعوثوهم الأربعة (مغاربيان عربيان وغربيان أوروبيان): جمال بنعمر، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، مارتن غريفيث، وأخيراً لا آخراً هانز جروندبيرج.

إذ تنعم أطراف النزاع بتعدد ميليشياتها المسلحة، فأبسط حقوق أطراف السلام: المتضررون من الحرب والوسطاء، أن تساندهم “ميليشيا إعلامية” أو “فرقة سلام إعلامية” تتبنى “إعلام سلام” يعبر عنهم ويغطي مبادرات مختلف المصادر، وقصص النجاح الإنسانية رغم الفشل السياسي، وتباشر الالتزام بالمرجعيات المتوافق عليها وطنياً، وتمد جسور لقاء أطراف النزاع. بما تتسم به من قدرةٍ على الفصل بين المشاعر والمنطق والفرز بين المواقف والحاجات.

إعلام سلام.. ينير ولا يثير

وقبل المضي بمثالية تامة صوب إعلاء صوت إعلام السلام أو “ميلشيات السلام الإعلامية” يجدر التوقف قليلاً إزاء نظرة ميلشيات “المتنازعين” إلى السلام وقد تضاعفت أرباحهم من خسائر الناس.. ليس ثمة ريب في تأثير الخسائر والمعاناة الإنسانية على مسار الحرب وتعديل الاتجاه نحو مسار السلام، لكن الأقوى أثراً هو اكتفاء المتحاربين بأرباحهم وهذا غير مباح تفكيرهم فيه، أو تكبدهم خسائر مباشرة وهذا احتمال مباح وقوعهم فيه..

متغيرات خارجية

تتكئ إمكانية تحقق الاحتمال الأخير على المتغيرات الخارجية والداخلية والميدانية وما يشوبها من تطور لمصلحة طرف وتدهور قدرات طرف آخر، مع تدني شعبية وجماهيرية الأطراف كافة!

أما نظرة المتنازعين واعتبار “أنابيبهم” للسلام هزيمة وانهزاماً وترجيحاً لكفة غالبٍ على كفة مغلوب سيُضمر الانتقام، فلا يجانبها الصواب، إنما.. عند عدم مضي السلام على أساس “لا غالب ولا مغلوب” واعتباره نصراً شاملاً للجميع حالما ينتصرون لحق بني اليمن جميعاً في حياة كريمة وعادلة.. وإذ تعتبر “العدالة ضارة للأعداء نافعة للأصدقاء” حسب سقراط، فإن السلام نافع للأعداء والأصدقاء معاً حينما يدركون أن القبول بوجود طرف معين لا يعني الرضا بكل مراده، واستناد الاستمرارية على فهم وقبول الآخر والتعايش معه لا إقصاؤه وإنهاء وجوده، فيدرك الأتباع والأشياع بعدهم أن “السلام يتحقق بين الأعداء، ولذا يصنع السلام بينهما” حسب أحد المؤثرين في “صراع العروش” (وكذلك “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل). وهذه الصنعة التي يختص بها عارفون بوسائل وآليات وطرق صناعة السلام، مستعينين بإعلام يدعم هذا التوجه، ستنجز مهمة جمع أطراف النزاع على مائدة التفاوض، أو بمشاورات من جولات متعددة على غرار مشاورات جنيف وبيال والكويت واستوكهولم، ولقاءات مسقط وعمّان التي دشنت رحلة إطلاق 15 ألف أسير يمني بخطوة ألف أسير ثم عدد يسير مؤخراً، وصولاً إلى مرحلة التفاوض على اتفاق نهائي -يغاير اتفاقيات سابقة مؤودة ومجمدة ومهددة- تصديقاً للقول: “كل حرب آخرها سلامُ.. وأيضاً إعلامُ”، فينتقل بهم من صناعة إلى بناء السلام. وطبعاً ينفذ الوسطاء مهمتهم (لا وفق هوى طرف ما)، وفق منهجية خاصة ستفضي إلى وقف القتال كمعنى للسلام “السلبي”، باعتبارها خطوة أخيرة لصناعة السلام ولبنة أولى لبناء السلام، أو ضمن مرحلة “تحويل النزاع” حسب مصطلحات “صحافة السلام”، وتمهد سبيل ما بعد وقف الحرب ببدء إزالة مخلفات الحرب المادية والمعنوية النفسية، فيجري تحويل النزاع من سلام سلبي كالذي يشهده لبنان حتى الآن، إلى سلام إيجابي تشهده بعض دول أوروبا.

تحقيق أحلام بناء السلام الإيجابي المطلوب لليمن، يستلزم بجانب إعلام السلام، تقديم وجوه جديدة تنتظم في فريق عمل أشبه بكورس أو كورال (جوقة غنائية) أو فرقة موسيقية أوركسترالية يسودها التناغم والانسجام والتوافق والتفاهم والتوافق الوطني والإقليـــــــمي بما يعزز استقـــــــلالية البلد ويحفظ سيادته ويوطد روابطه الخارجية دون تبعية لأحد، بل مراعاة لمصلحة “يمنٍ” يشكل عمقاً لأمن الجميع لا مقلقاً للجميع، فلا يؤدي كورال “اليمنيين الجدد” نشازاً يؤذي السامعـــــــين من منتظري الحياة الجديدة “الخالية من الدسم” المملوء بسم النزاع ودم الصراع.

مشاركة