

بهاء زهير أحمد القيسي
أولًا: يُعرّف “المنجد” الصدفة في معجمه على النحو الآتي:
صَدَفة (اسم)
الجمع: صَدَفات، صَدَف، أَصداف
وصُدُفات، وصُدْفات، وصُدَف
ومنه: صُدفة، أو صِدفة، أي ما يحدث عرضًا دون اتفاق أو موعد.
فنقول: “رآه بطريق الصُّدفة” أي بلا توقع أو انتظار، و”وليد الصدفة” أي ارتجالي، فجائي، دون إعداد مسبق.
فالصدفة هي الحدث الذي يقع بشكل مفاجئ، كأن تلتقي صديقًا أو قريبًا في مكان لم يعلم أي منكما بوجود الآخر فيه.
وإن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة أو شهرة.
والمُعلِم ـ الإعلامي الحقيقي ـ هو الناقل الأمين لهذه الرسالة، وتقع عليه المسؤولية الكبرى في إيصالها إلى الجمهور من دون تزييف أو تشويه، لأن المعرفة حق لكل إنسان.
وعليه، يجب على الإعلامي أن يكون على دراية كافية بوسائط المعرفة كافة، وبأهمية ما يجري من حوله.
وهنا يُطرح سؤال جوهري:
هل تحوّل الإعلام العراقي إلى “خان جغان”.. أي مهنة من لا مهنة له؟
وهل يحق لكل من درس الإعلام أو غطّى نشاطًا ما، أن يضع أمام اسمه لقب “إعلامي” أو “صحفي”؟ وهل يُعدّ ذلك منطقيًا من وجهة نظر مهنية وأكاديمية؟
وإن صفة “الإعلامي” ليست مجرد لقب وظيفي، بل هي مسؤولية كبيرة، ومفهوم شامل يشمل جميع مجالات العمل الثقافي: بدءًا من الصحافة المكتوبة والمسموعة، مرورًا بالإعلام الرقمي، ووصولًا إلى الإعلام التلفزيوني.
والإعلامي الحقيقي هو من يتميّز بقدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، وتحليل الأحداث بعمق ووعي.
و”إعلاميو الصدفة” ـ وهو مصطلح شاع مؤخرًا ـ يُطلق على أولئك الذين دخلوا بلاط صاحبة الجلالة في غفلة من الزمن، فأصبحوا مشهورين أو مؤثرين ضمن نطاق الصحافة، مستفيدين من منصات التواصل الاجتماعي، التي لعبت دورًا مخيفًا في اقتحام هؤلاء لهذا المجال، دون دراسة أو ممارسة أو حتى تمرين بسيط أو رسمي.
ويرى كثيرون أن هذا المرض الذي أصاب الإعلام، إنما يعود إلى غياب المعايير المهنية المعتمدة في هذا الحقل.
فتظهر وجوه كالفطر، بلا جذور ولا مواسم، تروّج لمواد بصرية وسمعية مليئة، إن لم تكن في مجملها، بالسخف أو المبتذل، أو ما يثير الجدل مرضيًا ومفتعلًا.
وتنحسر ـ بشكل مخجل ـ المواد ذات القيمة الفكرية، أو التي تحث على الإيجابية وتفعيل الحلول، لصالح الطرح السلبي المتكرر، الذي يملأ ذهن المتلقي ضجيجًا، ويغيب فيه الإدراك والفهم الفردي والجمعي.
ويمكن القول إن التغيرات التي رافقت المشهد العراقي بعد عام 2003، من تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية، تزامنت مع القفزات التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل، قد أطلقت حرية التعبير للجميع، وفتحت الباب واسعًا أمام المشاركة في أدق الخصوصيات والملفات العامة.
وعلى الرغم من أهمية هذا الانفتاح، إلا أن نتيجته الجانبية كانت دخول عدد كبير من غير المؤهلين إلى ميدان الإعلام، حتى تحوّل الأمر إلى “إعلان عن الأشخاص”، لا عن المواد الإعلامية.
وثمة فرق واضح بين “الإعلام” و”الإعلان”، فالإعلان ـ وإن كان أحد أنشطة الإعلام ـ يهدف إلى ترويج المنتجات والخدمات، ويتبع قواعد الاتصال الإقناعي والتسويقي، وليس من شأنه بناء وعي جماهيري أو توجيه رأي عام.
وإن قوة الإعلام الحقيقي، لا المغيَّب أو المسيَّر، إنما تنبع من وعي المجتمع وصحّته الإدراكية، والإعلاميون جزء لا يُستهان به من تلك القوة، لأنهم مرآة الواقع، وأداة نقل المعرفة، ورافعة الذوق العام نحو كل ما فيه نهوض وتقدّم.



















