إعلاء شأن العدل رأس الفضائل – عادل سعد

المعتزلة بين جدلية المراجعة و فرصة العقل للقاضي الدكتور أحمد الحريثي

إعلاء شأن العدل رأس الفضائل – عادل سعد

أن يفوض باحث نفسه مسؤولية الاستقصاء و الاستبيان و ملاحقة الوقائع بالمزيد من الإصرار بهدف الحصول على استنتاج مقنع فإنه بذلك قد وضع قدرته أمام تحدٍ على درجة من الصعوبة، لكنها في كل الاحوال صعوبة تستحق المغامرة الذهنية المضمونة، و أرى أن الباحث القاضي الدكتور أحمد الحريثي قد خاض ذلك بمزيد من الثقة و التأني  و الاستبصار لموضوع تراثي تغلفه حساسية و شكوك و تضاد و يقين وقبول بين هذا الرأي أو ذاك، و السؤال هنا هل نجح الباحث الدكتور الحريثي في ذلك ضمن كتابه المعتزلة؟

مهمة تاريخية

إن من يقرأ هذا الكتاب يجد أن الباحث أحسن إلى حد بعيد أداء هذه المهمة التاريخية التحليلية الاستشرافيبة، إذ قدم عرضاً بانورامياً واسعاً عن هذه الفرقة الإسلامية مستقطعاً لها عنواناً فرعي (الأحكام العقلية و مبادئ القانون الطبيعي) وبذلك جاء الموضوع ملبياً استحقاقات هذا العنوان.على أساس ما يراه الباحث إن اشتكى من قلة المصادر فإن ذلك لا يلغي حقيقة أنه استطاع أن يوفر دفعة معلوماتية تحليلية تشبع ذهن المتلقي و هي عموماً ليست شحيحة.لقد انطلق الدكتور الحريثي في رصده لظاهرة المعتزلة من بابين، الأول تضمن الاحكام العقلية عندهم مسلطاً الضوء على قاعدتي التحسين والتقبيح (الخير و الشر) في إطارالجذور التاريخية لتلك القاعدة و ما ورد في الذكر الحكيم عنها، و توقف بالمزيد من مسؤولية الفحص عند مبدأ الذاتية و حاكمية العقل و ما للإرادة في ذلك من تأثير ثم درس الأحكام العقلية ضمن منافذ استحصلها من معايير ثلاثة العلم، والاختبار، و الذاتية، كما اقترب بمتلازمة بحثية ذكية من الأبعاد العملية للأحكام العقلية في شقين، نفي القدر مقابل القدرة، و المسؤولية و فكرة الضرورة والواجب الأخلاقي.اللافت للانتباه أيضاً أن القاضي الحريثي وجد أبعاداً سياسية في فكر المعتزلة ضمن (مدرسة بغداد) من عدة زوايا في مقدمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و كيفية سيادة هذا المبدأ وشروطه و آليات تنفيذه، ثم عرّج على السلطة و مشروعية الثورة، أما الباب الثاني فقد رصد الباحث من خلاله المقارنة بين القانون الطبيعي في الفكر الغربي و الأحكام العقلية عند المعتزلة متناولاً الجذور التاريخية للقانون الطبيعي و أحواله في العصور الوسطى و مسيرته من عصر النهضة إلى العصر الحديث و أجرى مقارنة بين نظرية الأحكام العقلية ومبادئ القانون الطبيعي و كانت من حصيلتي رحلة الباحث، الأولى، النتائج المستخلصة من البحث في الأحكام العقلية عند المعتزلة، والثانية، تخص النتائج المستخلصة من المقارنة، لكنه لم يكتفِ في ذلك وإنما قدم للمتلقي أربع توصيات دعا فيها إلى ضرورة استحداث قوانين إسلامية من قراءة الفكر الإسلامي بعد تحريره من ركام الوصاية و السلفية المغلقة و ضرورة تدريس مادتي تاريخ القانون و فلسفته في المعاهد والاكاديميات الحقوقية، و دعا إلى فتح الفرصة أمام العقل للإجتهاد، وهو التحول الذي لابد أن يتيح للحكمة المتأتية من هذا المنهج تصحيح أخطاء كثيرة لحقت بتاريخنا، و نصح أيضاً ان نضع أمام طاولات القضاة ما يعينهم تراثياً في الإفادة من القانون الطبيعي و قواعد العدالة بوصفها رأس الفضائل، وهكذا أيضاً إن ما يحسب للباحث الدكتور أحمد الحريثي في كتابه المعتزلة خلاصاته الواضحة عن معنى الاعتزال مشيراً إلى جذور التسمية التي لا تعني القطيعة الخالصة، أو الإنكفاء، و إنما تعني المعايشة من منظور قناعة بالمراجعة و الاستبصار و اتساع الإجتهاد انتصاراً للعقل، وفي هذا الشأن يكون المعتزلة قد قدموا عرضاً جدلياً مهماً في التعامل مع القانون و الفعل على قاعدة أصول التوحيد و العدل و الوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين .وتناول الباحث الدكتور أحمد الحريثي أبرز شخصيات المعتزلة مع دور النشأة و الإكتمال من خلال (مدرسة البصرة) انطلاقاً من المؤسس واصل بن عطاء الغزال، مروراً بعمرو بن عبيد ابن باب، وابي هذيل العلاف، وابراهيم بن سيار النظام، وصولاً الى مدرسة بغداد الإعتزالية التي قامت على يد بشر بن المعتمر الهلالي ثم تمام بن الاشرس وجعفر بن حرب الهمداني و ابو الحسين الخياط، أما أشهر دور للمعتزلة قبل ركودها فكان على يدي ابي علي الجبائي، وابي  هاشم الجبائي، والقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، و اذا كان يقال ان المعتزلة تمثل ثورة العقل فقد اعتمد الباحث في ذلك رؤيتها لقاعدة التحسين والتقبيح مقرّين بأن الله عادل وأن أعماله لغاية وسيلة العدل، ورتبوا على ذلك اقتدار الإنسان على أفعاله واختياره لها بشرطين، الأول، أن تكون للعقل الإنساني أحكام ناتجة عن تعلقه بفعله، و الثاني، أن تكون للفعل أحكام تعود على جنسه وبمعنى مضاف أن الإنسان في العلاقة مع الله مكلف بالتحلي بمكارم الأخلاق.(و الملاحظ أن الدكتور الحريثي أشار إلى الجذور التاريخية لقاعدة التحسين و التقبيح منوهاً في بحثها على يد الفلاسفة الإغريق ،ومؤكداً أن أفلاطون هو أول الذين لجأوا إلى القول بالخير و الشر مستنداً إلى ما طرحه سقراط و هذا يعني على حسب رأي الباحث الحريثي أن المعتزلة اطلعوا على فلسفة اليونان و أنهم تأثروا بأجزاء منها، و لكن ليس من الصحيح أن نقول أنهم استنسخوا أصولهم منها.

موقع المعتزلة

إن جوهر موقف المعتزلة لم يكن متأثراً باليونان و إنما بالعقيدة الاسلامية، و يعتقد الباحث ان العقل عند المعتزلة هو الذي يقرر الحسن والقبيح لأن الوجوب مصلحة و القبح مفسدة و بذلك فهم أولياء هذا الفكر القائل أن العقل هو ميزان من محتوى فكرة العدل الإلهي و إكمال معنى التكليف الإلهي للإنسان و هنا تبقى للإرادة الإنسانية ثقلها من منظور الوعي الإرادي و غائية العقل ( أي إذا كان ثمة مانع لتحقيق الفعل و انتفت الإرادة يكون الفعل لا إرادياً) و لذلك تأتي المصاحبة الأخلاقية للفعل بكل ما تتضمن من قيم دينية و عرف وضمير بوصفها أساساً محدداً للأخلاق و ضمن هذه المزاوجة يشير المعتزلة إلى أن الله أنّب الجاهلين ودعاهم إلى المعرفة والتبصر والمعاينة الذهنية بالمزيد من الإهتمام من أجل صلاح الإنسان و وجوده الدنيوي القائم على تراكمية أخلاقية انتصاراً لقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر والفؤاد كل اولئك عنه مسؤولاً )، وهكذا عمل المعتزلة على توضيح أن معيار العقل أساس لأحكام القيم والأخلاق.و الملاحظ أن الدكتور أحمد الحريثي أعطى اهتماماً واضحاً لموضوع القانون الطبيعي في الفكر الغربي ومقارنته بالأحكام العقلية عند المعتزلة مخصصاً أكثر من  97 صفحة من الكتاب لهذا الموضوع و أرى أنه لجأ إلى هذه الاطالة في استعراض الرؤية في هذين الشأنين، العقل والقانون للوصول إلى مقارنة دقيقة مع فكر المعتزلة إذ لولا ذلك لضاعت على القارئ الكريم الكثير من المفاهيم من محتوى أن المقارنة تقتضي المعادلة في المعلومات وهو ما توصل إليه بالإشارة إلى أن الإنسان كائن مسؤول، وأن الضرورات العقلية هي المنطق الأول والأساس لنيل مركز المسؤولية وأن نظرية الأحكام العقلية تقر بوجود مبادئ وقيم عامة خالدة خلود الوصف والقيمة الكامنتين في الفعل.إن إصرار المعتزلة على أهمية العقل، و ما يلفت في فكر المعتزلة أيضاً أنهم لا يرون الخير و الشر صفات ذاتية في الأشياء فجميع الصفات عندهم نتاج لأن الأشياء جواهر وأعراض و الأعراض وفق تفسيراتهم خصائص فيزيائية كالحركة و السكون، و هي في تحول مستمر و بينما يذهب الغرب للدلالة على العقل والقانون بأطر وضعية معينة، يرى المعتزلة أن ذلك لا ينفصل عن الدين و أن سلامة النظام القانوني يتمثل في انسجامه مع ثوابت الشريعة الإسلامية.إن كتاب الحريثي المعتزلة) جدير بالقراءة لأنه يسلط الضوء على حقبة مهمة من الفلسفة الإسلامية.

مشاركة