إعادة توزيع الأدوار في سياسة ايران الجديدة

إعادة توزيع الأدوار في سياسة ايران الجديدة

عصام فاهم العامري

تقوم معظم التحليلات التي تتعلق بايران ولاسيما فيما يرتبط بسلوكها الاقليمي والدولي على أساس وجود انقسام سياسي بين تيارين الاول اصلاحي يمثله الرئيس حسن روحاني وفريقه وتيار متشدد يمثله الحرس الثوري والتشكيلات العسكرية الاخرى التي ترتبط بالولي الفقيه المرشد الاعلى للثورة الاسلامية علي خامنئي . وظلت التقييمات الغربية تراهن  فيما يتعلق بمسار ايران في سياستها الخارجية وفيما يتعلق بالازمة النووية بأن روحاني من الاصلاحيين المصممين وعازم على مواجهة ضغوط المتشددين والذين هم في الإجمال قادة الحرس الثوري وآيات الله.فيما يعتقد عدد من المحللين من ان توزيع الادوار بين اصلاحي ومتشدد هو نوع من التكتيك الذي يعتمده المرشد الاعلى لاحتواء وضبط الاداء المتنوع لأوكسترا السياسة المنتمية في الاصل لايديولوجية ولاية الفقيه والمخلصة لتوجهاتها في كل مرحلة وفي كل توقيت .فالمعلوم انه إبان الانتخابات الرئاسية الايرانية تعدد المرشحون المحسوبون على التيار المتشدد بينما كان للتيار الاصلاحي مرشح واحد هو حسن روحاني ، وكان بامكان المرشد الاعلى علي خامنئي ان يطلب من التيار المتشدد ان يتفق على مرشح واحد او اثنين بغية عدم تشتت اصوات المقترعين له ، ولكنه لم يعمد الى ذلك .. بل انه كان يريد ان يضمن الفوز لروحاني ومن الجولة الاولى ، ولذلك فانه شجع على تزايد عدد المرشحين من التيار الاصلاحي حتى سمح لبعض المقربين منه ان يرشحوا انفسهم . وكان لخامنئي اهداف متعددة من وصول اصلاحي الى سدة الرئاسة . فمن جهة هو اراد ان يمكن النظام نفسه من اعادة استيعاب واحتواء  الشباب الايرانيين الذين خرجوا بمظاهرات صاخبة الى الشوارع بعد انتخابات الرئاسية عام 2009 والتي اعيد فيها انتخاب محمودي نجاد ، ومن جهة ثانية ان العقوبات الدولية والغربية التي انهكت البلاد كان لابد من عمل شي الى ايقافها ، وعمل مثل هذا الشيء يتطلب وجوه جديدة ، ومن جهة ثالثة ان التوترات الاقليمية بلغت اشدها وبلغت حالة الكراهية لايران وسياستها الاقليمية ولاسيما فيما يتعلق بدعمها اللامحدود لنظام بشار الاسد ، والتدخل الطائفي في اليمن والبحرين والعراق كان بحاجة الى نوع من عملية ” توزيع الادوار ” ، ونوع من التنفيس والاستدارة ان تطلب الامر على ايدي لاعبين ينتمون الى بنية النظام وتوجهاته وايديولوجيته لكن يستخدمون قفازات ناعمة متى ما كان ذلك ضروريا ( اي وقت الحاجة ) ، وبالطبع حتى يتحقق ذلك فلابد من اشاعة وجود انقسام  وخلافات جذرية في بنية النظام ما بين متشددين واصلاحيين يبلغ الانقسام و الخلاف والتناقض بينهما الى حدود كبيرة .وربما اراد المرشد الاعلى ان يقلم أظافر بعض المتشددين الذين أسسوا لمصالحهم الخاصة وافسدوا على حساب فعالية النظام . والحقيقة ان خامنئي نفسه شجع حسن روحاني لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2013 وهو متأكد من فوزه ؛ فالرجل كان من المستشارين الموثوقين لدى المرشد الأعلى لسنوات طويلة، وعمل كأمين لمجلس الأمن القومي الأعلى لفترة 16 عاماً (بين 1989 و2005) وقاد فريق المفاوضين النوويين بين العامين 2003 حتى العام 2005. ولم يكن دخيلاً في أي يوم من الأيام، كما لم ينتقد النظام أبداً. لقد دافع في المقابل بحماسة شديدة عن برنامج إصلاحات يهدف إلى تحرير الاقتصاد الايراني والسياسات الثقافية بهدف تعزيز قبضة النظام الحالي على السلطة. بعد استلام روحاني لمنصبه في الرئاسة أضحى هدفا لانتقادات عنيفة بسبب سياسته الثقافية والخارجية ولاسيما ما يتعلق بالمفاوضات النووية ، فماذا كان موقف المرشد الاعلى ؟ . .. لقد وجدنا المرشد في كثير من المواقف يدعمه ، فمرة يتطلب من الحرس الثوري ان لا يتدخل بالشأن السياسي ، ومرة اخرى دفع  أحد أقرب المقربين منه الى الوقوف الى جانب روحاني ، ومرة ثالثة كان خامنئي نفسه يمارس الضغوط على روحاني في سبيل ضبط ايقاعات حركته من جانب ، ومن جانب أخر ليمنح النغمات المتعددة لجوقة المؤدين السياسيين بغية ارباك الخصوم . وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فمقابل الهجمات التي شنها رجل الدين المتشدّد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي هجوماً على  إدارة روحاني .. وكذلك مقابل اتهامات مجموعة ال 42 نائباً في مجلس الشورى الايراني التي اتهمت ادارة روحاني وفريقه بـ ” تهديد ”  و ” إضعاف ”  الأمن القومي الإيراني بسبب سياساته حول البرنامج النووي، وعلاقاته مع الولايات المتحدة وسياساته الثقافية ،، ففي مقابل ذلك انبرى نائب قائد الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي ليعلن : إن الحرس الثوري يدعم حكومة روحاني لأن  ” هذه هي إدارة الجمهورية الاسلامية في إيران ” . وكذلك انبرى الجنرال حسن فيروزآبادي –  الذي يحظى بالثقة المطلقة للمرشد الأعلى والمعروفة من قبل الجميع بسبب العلاقة الشخصية التي تربط آبادي بخامنئي على مدى أكثر من 45 عاماً n باطلاق التصريحات الداعمة لروحاني وحتى انتقد خصومه . كما أعلن خطيب الجمعة حجة الاسلام كاظم صادقي ” نحن أيضاً نعلن بإذن الله موافقتنا ودعمنا للحكومة كما قال المرشد الأعلى إنه يوافق عليها ويدعمها ”  .ما اريد ان أقوله من هذه الامثلة ان خامنئي كان داعما مستمرا للرئيس روحاني ، فهو داعم لترشحه للرئاسة وداعما لتوليه مهامه ، وداعما لسياساته الخارجية سواءا ما يتعلق منها بالمفاوضات النووية والانفتاح على الغرب او السياسات الاقليمية ، وليس هناك خلافات ما بين المرشد الاعلى والرئيس روحاني بهذا الخصوص . وبالتالي هناك تناغم وتوزيع ادوار محسوب ومخطط له ما بين الأداء السياسي  لروحاني وفريقه والاداء الامني والعسكري والسياسي والاعلامي للحرس الثوري . وهذا التناغم والتوزيع للادوار متأتي لان المؤسسة الايرانية بكل عناصرها وتنوعاتها وتفرعاتها هي خاضعة للمرشد الاعلى الذي هو يدير الملفات وان تعددت ادواته . وعلى سبيل المثال ان المعني بصناعة القرار في السياسة الامنية والعسكرية والامنية هو المجلس الأعلى للأمن القومي ،  ويتألف المجلس من الرئيس، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس القضاء، قادة القوى العسكرية (بما فيها  ” الحرس الثوري ”  وقائد ” قوة القدس ”  سليماني) مدير التخطيط والميزانية، ووزراء الخارجية، الداخلية والاستخبارات، إضافة إلى ممثلين عن المرشد الأعلى للثورة. صحيح ان المرشد الأعلى شخصياً  لا يشارك عادة في اجتماعات المجلس الأعلى، لكنه يتلقى توصيات من المجلس ويصادق عليها إجمالاً. وفي حالات نادرة، وعندما لا يكون راضياً عن التوصيات، يستدعي في بعض الأحيان أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي لمناقشة المسائل معه شخصياً قبل اتخاذه القرارات. ويتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، وخاصة من خلال أمانته العامة، توزيع القرارات من خلال التسلسل الهرمي للدولة والقوات المسلحة من أجل تطبيقها.والاستنتاج الذي يمكن التعمق فيه بهذا الصدد هو ان الوقائع اعلاه وما تقدم من أمثلة تؤكد بشكل واضح ان ما يتردد في العديد من الاوساط الغربية والامريكية خصوصا هو أن  الرئيس روحاني يمثل عنوان التغيير المنتظر في الجمهورية الاسلامية وشخص يمكن للغرب وللولايات المتحدة أن تتعامل معه ، هو يمثل مدرك خاطئ .. والحقيقة المركزية الصحيحة في هذا الصدد هو ان الجمهورية الاسلامية والمرشد الاعلى علي خامنئي قد دأب باجراء تغييرات جوهرية في التعاطي السياسي والامني على المستويات الداخلية والاقليمية والدولية ويستهدف من وراءها   الاستمرار في قيادة البلاد في مواجهة العواصف المتعددة الاقتصادية والاجتماعية والتحديات الاقليمية والدولية التي صارت تهدد منهجية وسياسات ولاية الفقيه التي ظلت معتمدة طوال نحو أكثر من ثلاثة عقود ، واصبح من الواضح ان اساليبها القديمة لم تعد ملائمة للمتغيرات والتحديات الجديدة . وان احد عناصر التغييرات الجوهرية التي اعتمدها المرشد الاعلى هو دعم حسن روحاني في ترشحه للرئاسة ومن ثم في فوزه وتوليه لمهامه ولسياساته التي هي تعبير في حقيقتها عن سياسات المرشد الاعلى الذي تعلّم من خبرته السابقة في انتخابات العام 2009 بأن البلد بحاجة الى تغيير في الوجوه والسياسات وان السياسات التقليدية لم تعد مقبولة ، وما لم يجر تغيير للسياسات التقليدية فان البلد مقدم على احتجاجات غاضبة عاصفة قد تصبح قاتلة للنظام . العنصر الاخر في التغييرات الجوهرية هو تخفيف القيود الاجتماعية – الاقتصادية الصارمة.

 ولذلك عمد النظام كله بموافقة المرشد وبتنفيذ الرئيس روحاني ومن دون اعتراض واسع من المتشددين الى فتح قنوات الانترنت الايرانية وتفكيك جميع برامج المراقبة التي أدرجت على نظام التواصل العالمي خلال السنوات الماضية بما يسمح للشباب الايراني ان ينفس عن اطر احتجاجه بوسائل حضارية وليس النزول الى الشارع . العنصر الثالث الجوهري هو تقليص مهام الحرس الثوري بحيث تكون مهامه قتالية امنية استخباراتية وابعاده عن الشؤون الدبلوماسية والسياسية ولاسيما في الازمات الخارجية .. وقد برزت ملامح  هذا التغيير في العراق بشكل واضح وبشكل اقل في لبنان ، اذ تم اعادة تقييم للسياسة الايرانية في العراق وتم اعادة تغيير بوصلتها وشخوصها ، فقد ابعد الجنرال سليماني عن ملف العراق ، بل ان الحرس الثوري وقوة القدس انيط لها مهام اخرى في العراق ، وما يتعلق بالامور السياسية والدبلوماسية فقد انيطت لشخوص اخرى من بينها شمخاني ونظيف واخرين . بالطبع لايعني هذا ان ايران كفت عن التدخل في العراق وانما يعني ان طرق واساليب التدخل وفاعليته قد تغيرت سيما بعد ان اثبتت احداث الموصل وما بعدها فشل السياسة الايرانية في العراق . وفي كل الاحوال ستكون لنا وقفة تفصيلية للمتغيرات في السياسة الايرانية في العراق . أما العنصر الرابع في اطار التغييرات الجوهرية هو تصميم المرشد الأعلى على تقليص اعتماد إيران على الاقتصاد العالمي وبالتالي تحصين البلاد ضد العقوبات. وأعلن عن سياسته الاقتصادية الجديدة في 11 آذار 2014 تحت عنوان ” اقتصاد المقاومة ”  وعمل روحاني على تطبيق هذا المبدأ الذي ساهم في تطويره.والحقيقة أن هناك عناصر متناثرة كثيرة  أخرى يبدو ان الجمهورية الاسلامية مقدمة على احداث تغييرات جوهرية فيها ، الا انها لم تتضح ملامحها بعد ، ولكن الواضح ان العناصر الاربعة السالفة الذكر مثلت اهم المتغيرات التي جرى خلال الاشهر الماضية التعاطي معها ومحاولة تثبيتها في السياسة الايرانية ومن قبل المرشد الاعلى .