إطلالة شعرية ملتهبة .. مديات واسعة من المتاهات
قاسم المعمار
في تقديمه النقدي الثاقب لحضورية الاصدار الجديد الرابع عشر للشاعر محفوظ داود سلمان الموسوم بـ(خمارة بلقيس) يقر الاديب الشاعر حميد سعيد بالتوفيقية الرائعة المتميزة التي لاحت مجدداً في افق حياة محفوظ حينما يعود في مجموعته الوليدة هذه الى مجد الشعر كما ينبغي ان تكون العودة في بهائها … وبها يُعيدُ الى الشعر بعض بهاءٍ . ضاع في متاهات لا حدود لها . حتى صارت قراءة قصيدة تنسب الى جوهر الشعر وتتوفر على مقوماته . لا تتحقق الا في استثناءات نادرة ..
اذ يؤكد ان لغة هذه القصائد الـ (40) التي اطلالتها قصيدة (خمارة بلقيس) ومسكها قصيدة (ما تبقى من غرناطة) بقدر ماتمتلك شخصيتها فأنها تكرس شخصية القصيدة في ايقاعاتها الداخلية اكثر مما هي ايقاعات خارجية ومدى التزامه بالتفعيلات العروضية وتكامل الفكرة مع اللغة . فهو المتدفق في قصيدته الاولى حينما ينشد قائلا …
قد كنت في قطربل بالكرخ خمارا ابيع الخمر ليلاً .
بينما الشعراء ينسكبون فوق كؤوسهم او يغرقون بما تبقى في الجرار ولديَّ اشكال الدنان . منازل افتض فيها الخمر من تكريت تقطر , او ربى عانات تأتي من ديار…
وابو نؤاس كان يقرع في أنتصاف الليل اجراس النحاس فتجهش الاخشاب . او يستيقظ الموتى , وليس هناك ثمة من خمار ..
مازال يبحث عن عجوز بعد باكرة يسائل عن مراشقها مطينة وليس لها قرار ….
في قصائد هذا الكم من الاصدارات الشعرية التي فاقت (13) ديواناً للصديق الشاعر محفوظ داود سلمان البصري قد المس وضوحية الرومانسية والخيال الخصب وجرأة فصاحة العاشقين ومتاهات الزمن وتلاقح أدبه الجم ونتاجه الشعري بملاحم ومصاد تاريخية واسطورية عربية واجنبية اشخاصا واحداثاً هذا الى مديات واسعة من التضمينات الشعرية والأسماء الاجنبية .. حيث يأخذنا التشوق في قراءة قصيدته مكابدات ديك الجن …
رأيتك في صفحات التواصل عارية , ليس في الف ليلة
من شهرزاد وكان الكلام مباح…
*****
رأيتك في لغة الحب مصلوبة . كانت الريح تأتي من البحر .
كانت تحدق فيك الشجيرات من نزق بمحاجر واسعة
بيد أن عيونك من زرقة الموج ترسم افقاً بعيد المدى ليس من قهوة مرة . يرشف البحر من شفتيك الصباح
*****
الى قوله….
رأيتك ياورد كنت تخونين عهدي وكنت على صفحات التواصل لاتسمعين القصيدة…مخصوبة من دم الورد , ولا تقرئين
القوافي مكسورة او ترين الصحارى تسيل بأعناقهن التياق ..
ولا تبصرين المناسم تغرق في الرمل . تأتي من الحدو صحراء نجد ويزدهر الشيخ فيها وتأتي البطاح …
****
ديك الجن شاعر عاش في حمص قتل حبيبته ورد بسبب خيانتها . وفي القصيدة اعلاه صياغات من شعره وهو يرثها ومنها قوله:
اجريت سيفي في مجال وشاحها
ومدامعي تجري على خديهــــا
رويت من دمها الثرى ولطالما
روّى الهوى شفتي من شفتيهـــا
*****
هل شاعرنا الصديق محفوظ في اصداراته هذه يضعنا امام هذا الكم من مخيلته العبقرية المتأججة شعراً وثقافة متسعة متمثلة في…
{ استجلاءات روحية مكتنزة متواصلة.
{ تزاوج ادبي تاريخي لمسارات القصيدة الواحدة يحلو له في الممازحة في التطعيم ووحدة الهدف.
{ ارتقاء سلم البناء القصيدي المتصاعد كماً ونوعاً .
{ استثمار “الحوشي” من المفرادات بالشكل المخفف المقبول ومنها مايقال في القذف والزنا والمومس والخمرة .
{ تميزت شاعريته باسلوبية السهل الممتنع اذ لابد للقارئ والمتلقي اعادة القراءة مرات للاستيعاب وهذا سر قوته اللغوية الأدبية والحرفية والبلاغية في تنوعيات تشبيهاته ..
. فمن قصيدته (حلم من ذهب) ينشدنا قائلاً :
قالت في المنفى من انت ؟ وما معنى نفيك ..
قلت انا الشاعر في كوخ من قصب او في حلم من ذهب
اخفيت المعنى خلف صليب من خشب
*****
في الغابة من انت ؟ وماذا تقرأ في ورق الاشجار انا فيها
كنه الاتساع . هيولي الضوء ولي فيها اسرار
واسواق انا مركية الشمس . ايائل تزحف عبر الغيم وفي الشهب
*****
ومن قصيدته ( امرأة من هذا الزمان ) نقتطف ….
هي اول امرأة تملكت الازقة والدروب . هي التي ابترت سقوفاً من جريد النخل .واشتقت ظلالاً من شناشيل مهراة واخشاب محرقة بها وآستثمرت مزق الجرائد فوق اشجار الطريق …
*****
عبر جُلَّ قصائده يأخذنا المحفوظ في متاهاته الفكرية اللامتناهية تشريعاً وتغريباً يستوحي من بناة افكاره صور رائعة التداخل لها اكثر من دالة وموقف رائحته الاصلية تفوح في مدياتها الشعرية … فكل واحدة كم قصائده بل كل دواوينه تؤاخذنا في رحلة لوحات استغراقية تشكيلية متوهجة ومتجددة جزيلة الحرف والكلمة والجملة ….
إلا ان الشيء الذي جعلني كمتابع متواضع ان المس افتقاد هذا الاصدار الأخير لواحدة من استكمال التأليف والنشر الا وهي (المقدمة) و (الاهداء) بل اكتفيى وهذا مااعتقده والمسه واجده هنا احتراماً بما جاء في اهدائية وتقيم استاذنا الشاعر الكبير حميد سعيد تحت عنوان (انجاز ابداعي… يستدعي حضوراً مؤثراً).
لقد عرفتك حاضرا في سوداوية الزمن الغريب متألقاً شامخاً صارخاً من اوجاع الهموم رافعاً براحتيك الناعمتين ثقل الحياة وانت الصاغر الصابر المحتسب لله امرك وهو خير الكافلين الراحمين انشدة للمطر _ للارض _ للفقراء _ للغد الموعود _ انت الصديق المتطاول يوماً بعد يوم في سما علوك البازغ … كنت معك بالأمس القريب متوسدا سرير المرض والعلاج كانت مرابع ابتسامات _ فال خير _ ومبعث امل ..فلحت روعة وجمالية شعرك المتوازن نحو جمع الشتات والمتنافر في بوتقة محفوفة الصون وحقاً ادليت فأنجزت وقلت فأشعرت ..
ولنا مسك الختام في استحضارنا ومقاطع شعرية من خاتمة ديوانه هذا في قصيدة (عودة السندباد) بقوله..
وبحثت عن بغداد في الآفاق كنت ارى عيون الريم شاردة
ألم ملامحاً منها , اجمعها مدورة فتشرق مثل شمس
وهي تخترق الغمام ورأيتها امرأة مشردة الضفائر في دروب
الكرخ كان الكحل اجمل مايكون وكانت الاقراط ابعد مايكون
كان عن جنان . او يفيض به الجنون بلوائه الشيطان كان
يرف يسقط شعر او صانع الاخبار ويسقط تحت اعقاب البنادق تحت احذية الجنود وسألت عني في ازقتها ومزقت العباءة …
وارتهنت عمامتي . والجبة البيضاء لم ابصر
بها الحلاج ا واحداً يعرفني انا من دون اسم
او ملامح او حدود….
وسألت بعض الناس هذي بلدة الموتى تنام هناك راقدة
وليس لنا قبور
لا تجرحوا هذا الرقاد ببعض ايقاع الهطول وبعض اكداس الزهور
قد عدت اسأل عنك هل مازال فيك بقية من الف ليلة من ليالي شهرزاد بعض جمرٍ او غناء
هل تأرقين معي سنرقص في مدى من دون ابعاد ونسهر تحت ايقاع القذائف في المساء…

















