إشارية التنغيم العمودي – اضواء – سامان جليل إبراهيم

عصا الجنون لأحمد خلف

إشارية التنغيم العمودي – اضواء  – سامان جليل إبراهيم

عن دار ميزوبوتاميا في بغداد للعام 2015 صدرت المجموعة القصصية الجديدة للمبدع العراقي أحمد خلف تحت عنوان(عصا الجنون)، وهي مجموعة قصصية ضمت اثنتين وعشرين قصة قصيرة تلتها سبعُ قصص قصيرة جداً، اتخذت عتبة العنوان فيها سيميائية عالية متعددة المستويات الدلالية منها والفكرية؛ لما لرمزية(العصا) في كينونتها الوجودية من علة فاعلة تجعل العنوان مختزلاً للكثير من المعاني الكامنة في ذخيرة المتلقي المعرفية، وكانت لهذه الرمزية المتوهجة(عصا الجنون) كمٌّ من الإشعاعات الدلالية التي تستفز القارئ وتجعله مندمجاً بوعيه مع تجليات العنوان، ومتشوقاً لسبر أعماق المجموعة القصصية وفهم شفراتها ومضامينها وما تحمله من ثيمات ذات رسائل تعكس رؤية القاص ومواقفه الإنسانية تجاه القضايا الإيديولوجية التي سربها الكاتب في ثنايا مجتمعه.استناداً إلى ذلك تأتي فاتحة سردية(عصا الجنون) لتميطَ اللثام عن سرّ العنوان والنص معاً، وبهذا تستمدُّ المجموعة القصصية عنوانها هذا من عنوان إحدى القصص الداخلية، وهي القصة الحادية عشرة التي تتصدّر نصف المجموعة، ورغم تنوع وتعدد القصص داخل هذه المجموعة القصصية إلا أن الكاتب قد اختار عنوان هذه القصة ليثبّته عنواناً لكامل مجموعته، ربما لدلاتها الإيحائية؛ إذ إن هذه القصة على رمزيتها تحمل أوجاع واقع الإنسان العراقي الذي عاش تحت وطأة الحزن والموت والفقدان واليأس والزيف والوجود واللاوجود والأمل وفقدانه، ولذلك يشكل العنوان فاتحة دلالية مهمة، الأمر الذي دفع الدراسات السيميائية للتركيز على أهمية العنوان ووظيفته فرأت الدراسة أن العنوان يحيل على مرجعيتين: مرجعية خارجية تقع خارج النص ومرجعية داخلية تحيل على النص، والخارجية كانت متمثلة بـ (عصا الجنون) والداخلية متمثلة بإفرازات الواقع الماضوي، بما فيها من وجوه وصور مرت على الكاتب في حياته، وهذا الماضي الذي لا يقبل أن يستقرّ في الخلف بل يأتي دوماً قافزاً إلى حاضره وملوحاً له بعصاه شامتاً منه.

كما أن القصص التي تلت قصة (عصا الجنون) كلها تدور أحداثها في حيّز الأرض والواقع، وربما لذلك اختار الكاتب أن يجعل العنوان العام للمجموعة هو: “عصا الجنون” دون غيرها، إذ إن كل القصص التي تليها ستحمل كل واحدة منها على حدة عصا تسهم في اللوحة الكاملة لعصا الجنون، وبهذا تُشكّل الموجة الإشارية للعنوان (عصا الجنون) بؤرة أساسية تسهم في الدخول إلى عالم النص واستجلاء أعماقه ومضامينه، فيدخل العنوان والقصص في علاقة تكاملية وترابطية، الأول يعلن( العنوان/ عصا الجنون) والثاني يفسّر( المتن/ المجموعة القصصية)، وفي ضوء هذه العلاقة التكاملية رصد لنا الكاتب أحمد خلف الواقع المزري بكل تمفصلاته عبر سيميائية العنونة، لذا ترمز سيمائية العنوان بمعادلتيها(عصا = السلطة ، الجنون = هوس السلطة) إلى متاهة التجربة التي عاش قاصنا بعض أجزائها، فهو يتوغل في مرحلة عسيرة، متشابكة حادة كالسكين، من تأريخ الألم العراقي، لأن الذاكرة الفنية تُجهد نفسها في التأويل والتحليل، وتستغرق وقتاً لكي تتهجر الأحداث التي مرت، ثمّ تتبلور لديها الاحكام الفنية القادرة على تشخيص الظواهر ومدلولاتها حتى لا تهرب الأحداث غير المرئية، فاستطاع الكاتب أن يؤرخ جزءاً من مظاهر القهر المنوع للضمير والحلم والجسد العراقي تحت هيمنة العنوان بالدلالات السيميائية.

تشكيل بصري

وفي مقابل موجة العنوان يطالعنا اسم المؤلف باعتباره تشكيلاً بصرياً له وظيفة الإعلان عن النص والإشهار به، وكذا باعتبار اسم العلم الخاص بالمؤلف له هويته الحقيقية في النص المنتج، ولذلك يأتي التشكيل البصري لاسم المؤلف( أحمد خلف) في أعلى الصفحة الأولى لغلاف المجموعة القصصية، وقد كُتِب بالبنط الغليظ بشكل كبير ملفت، يحتل المساحة كلها ويكتب اسم العلم سابقاً للعنوان( عصا الجنون) ويأتي باللون الأسود الذي يثير انتباه المتلقي ويجذبه، وهذا دليل على أهمية المؤلف بوصفه يشكل كائناً موجوداً في النص، عبر الأبعاد المستنبطة من سيمياء اللون الأسود لاسم العلم ومنها:

1- البعد النفسي: استحضار اللون الأسود يحيل مباشرة على الأبيض الذي يدل على التتوق للحرية والبراءة والنقاء والحنين.

2- البعد الاجتماعي: يدل استحضار الأسود والتأكيد عليه وعلى الموقف الرافض الذي يستنبطه القاص تجاه الأوضاع المتردية.

3- البعد الوجودي: يدل على حالة الغربة والضياع والتيه والأحلام المجهضة والحرية الموؤدة.

4- البعد الجمالي:يسهم اللون الأسود في انسجام النص وأتساقه كونه يتعالق مع المعاني المستحضرة لكي يشكل الرمز الأكبر، كما يشكل اللون الأسود النسق الثقافي المشتق من بيئة المبدع.أما الغلاف بلوحاته ورسوماته يمثل سحر العمل المطبوع الذي يأخذك من أرض الواقع ويساعدك على دخول العالم الذي صنعه لك الكاتب، وهو نفسه الباب الذي سوف تخرج منه بعدما تنتهي من رحلة القراءة حاملاً معك أفكاراً وتساؤلات، إنَّه أبواب أساسية للعبور الى النص وحافز هام لقراءة دلالته السيميائية، فهو اللغويات الأولى بعدِّه جمَّاعاً للعناصر المناصية- المناصات المركزية- التي تجذب انتباه القارئ إلى مستوى الدلالة والبناء والتشكيل، وتدخلنا بإشاراتها إلى اكتشاف علاقات النص بغيره من النصوص المصاحبة له. لعلّ من الملاحظ على الغلاف الأمامي والخارجي للمجوعة القصصية(عصا الجنون) طغيان اليدين في حركتهما المفرجة، وهذا يحمل دلالة على محاولة النجاة وإن كانت المحاولات يائسة، ولاسيما حين طغى عليهما _أي اليدين _ اللون الأبيض وهو دائماً يرتبط بالحزن والموت، ولذلك اتخذ اللون وظيفة تكنولوجية عندما حل محل اللغة، ومحل الكتابة، وبهذا ربط الكاتب أحمد خلف اللون بنفسية المتحدث ونفسية المتلقي، ومن هنا نجد غلاف المجموعة يتفجر دماً، وهذا ما نشاهده من خلال أصابع حركة اليدين التي جاءت باللون الاحمر، وكما هو معروف فاللون الأحمر يحمل سمة القتل المطبوع بدم الشعب، والموت الجحيم، لذا فإن المجموعة في كامل قصصها تحمل كل واحدة منها على حده جرحاً بشرياً يساهم في رسم اللوحة الكاملة لجرح الواقع الاجتماعي منذ بدايتها، وهكذا نلاحظ تزاوجاً للون الأحمر مع الأبيض اللذان يعبّران عن لون الجرح من جهة، والظلمة التي تحيط بالأرض وتتخلل ثناياها من جهة أخرى، وهي ألوان تحمل دلالة في التفكير الجمعي، وتساعد بذلك القارئ على غير وعي منه على تخيل المحتوى الداخلي الذي سترسم أكثر معالمه تلك الألوان الطاغية، ويدعمها أكثر العنوان الرئيسي البارز.

وفضلاً عمَّا سلف ذكره فان لوحة الغلاف الامامي والخارجي جاءت بلونين هما:

الأول: الرمادي الفاتح: وهو لون يوحي بالحذر وله طاقة باهته ومظلمة، وفي دالة أخرى لهذا اللون إنه اللون في عالم اللا لون، هو الحياد بعينه فالرمادي لا حول له ولا قوة أي عدم القدرة على التعبير الصريح عن مجريات الأحداث، وإذا أردنا أن نكون أكثر واقعية فإننا نصفه باللا شكل، وهو مبهم الملامح غير محدد الهوية حين يحمل هوية الأسود والأبيض، وفضلاً عن دلالاته السابقة فثمت دالة أخرى جاءت متوافقة مع نصوص المجموعة القصصية وهي أن اللون الرمادي حقيقة يتضح من خلال طبيعة تكوينه فهو خلاصة الأشياء، وهذا يعني أن حقيقة الرمادي تعني العودة إلى الأصل(الوجود)، هذه الدالة للون الرمادي ناسبت الحكاية التي ارتبطت بالماضي وما يحمل من ذكريات أصبحت لا لون لها.

الثاني: الرصاصي الغامق: هو اللون الدال على وضوح الحقيقة بالنسبة للكاتب، ولكن عدم قدرته على البوح الصريح عنه لأمور يحتسب بها كإفرازات الواقع الذي فيه.

عنية الرموز

ومن هنا يستشف لنا أن استعمال هاتين الدلالتين أدى بالكاتب إلى أن يستعمل عينة الرموز للدلالة على الوضوح وعدم التصريح، فكانت حركة اليدين التي ظهرت في الصورة دون أن تظهر بشكل كامل، جاءت كدلالة صريحة للتعبير عن الانفعالات والمشاعر النفسية للقاص تجاه الواقع بكل جوانبه، وبهذا استطاع الكاتب أن يختار غلافاً بألوانٍ ورسوماتٍ تفكك جزءاً كبيراً في رموز النص.

وغير بعيد عن هذا العناوين الداخلية التي جاءت فيها عنونة النصوص القصصية لمجموعة (عصا الجنون)، فثمّت أشكال في هذه العنوانات منها جاءت بصيغ مفردة مثل:( رنين، بريق، الترجيعة، الكابوس، الطاووس، اللصوص، الفنانة)، ومنها مركبة مثل:(امرأة ذات شأن، اقتفاء الأثر، الحكاية الناقصة، خارج الطريق عصا الجنون، العجوز والغابة ، أبواب وممرات)، وهكذا سائر التجليات الأخرى التي طبعت عنوانات القصص الأخرى داخل عصا الجنون، وإن هذه العنوانات وإنْ جاءت بصيغ وأشكال مختلفة إلاَّ أنها بدلالاتها ورموزها خرجت من قيد الكلمة إلى فضاء النص، فالعنوان بصيغه المختلفة يفتح المجال لأكثر من قراءة وتأويل، وهو علامة سيميائية تحتمل أكثر من بُعدٍ دلالي، معتمداً في ذلك على استثمار طاقاته الإيحائية، إذ إنه يحشد أكثر الطاقات اللغوية إيحاءً واتساعاً وتجليات من أجل إثراء معناه وتخصيب دلالته.

لقد كنّا في قراءتنا النقدية أمام تجربة قصصية واعية وملتزمة تجاه قضايا واقعها المصيرية ومستوعبة لتأثير الماضي في تشكيل الحاضر لقاص مقتدر يمتلك وعياً عميقاً بجماليات السرد القصصي مع الدقة في اللغة التي استطاعت أن تحكم معاني وبنيان قصصه، فضلاً عن الوصف والخيال الذي يجعل القارئ يندمج مع كاتبها ويشكّل وجوداً ملموساً للوجود المقروء في القصص، مما أضاف للإبداع رافداً جديداً محتفظاً بنكهة القص الأصيل وناقشاً اسمه في تيارات السرد وأشـــكاله الجديدة.