إستهلاك مجالس المحافظات – واثق السعدون

323

إستهلاك مجالس المحافظات – واثق السعدون

تصاعدت في الآونة الأخيرة في الأروقة السياسية والإعلامية، وحتى في الشارع العراقي، مطالبات بإلغاء مجالس المحافظات.

ارتكزت تلك المطالب على الأداء السيء لتلك المجالس طوال السنوات الـ16 الماضية، كما ان تلك المطالب رأت بإنعدام أية فائدة من وجود تلك المجالس، وانما هنالك أضرار فادحة من استمرار وجودها.

وهنا يطرح سؤال مفاده: هل الخلل كان في أداء مجالس المحافظات أم في تجربة مجالس المحافظات برمتها؟ ومن الملام على هذا الخلل؟ من المعروف ان مجالس المحافظات أو “المجالس البلدية” كما يطلق عليها في أغلب البلدان، تتمحور أدوارها وواجباتها حول سبل الإرتقاء بمستوى أحوال المواطنين في مدنها، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين في تلك المدن، وذلك من خلال الانخراط الفعال في لجان تلك المجالس التي تراقب وتحاسب أداء أجهزة ومؤسسات الدولة في المدن، وبخاصة الخدمية منها، بالتنسيق والتعاون والتواصل مع المراجع في الحكومة المركزية.

ولكن الأمر في العراق سار بمنحنى مختلف منذ تأسيس مجالس المحافظات بعد العام 2003 حيث ابتعدت مجالس المحافظات العراقية كثيراً عن الأغراض الأساسية التي تشكلت من أجلها، وانشغلت، أو أشغلت، تلك المجالس بمهام وقضايا، لم يجن منها مواطني المحافظات العراقية أي فائدة، بل الكثير من تلك القضايا أو الأزمات التي انشغلت بها مجالس المحافظات، كانت لها انعكاسات سلبية على حياة المواطنين وأحوالهم. لقد كان هنالك توظيف خاطيء وفوضوي لتجربة مجالس المحافظات، فقد عمدت القوى التي هيمنت على العملية السياسية في العراق بعد 2003 إلى اتباع ممارسات في شؤون مجالس المحافظات بوصف تلك المجالس مجرد استثمارات مالية وانتخابية لأحزابها، وفي بعض الأحيان تستخدم تلك المجالس كأدوات في الصراعات السياسية بين تلك القوى، دون النظر إلى مصالح المواطنين في تلك المحافظات وشؤونهم. فتلك القوى السياسية لا تأتي بالأكفاء لعضوية تلك المجالس، بل تجلب أتباعها الموالين بغض النظر عن مؤهلاتهم وسيرهم المهنية والشخصية. كما ان القوى السياسية لا تحاسب أعضاء مجالس المحافظات التابعين لها على تقصيرهم أو على عمليات الفساد أو استغلال النفوذ والمناصب التي يقومون بها، بل كانت، وما تزال، تحاسبهم على تقصيرهم في تنفيذ أهداف ومخططات تلك القوى السياسية في المحافظات، ومن ضمنها بالطبع الأهداف والمخططات المالية لتلك القوى والأحزاب.

وقد كانت المهمة الرئيسة لتلك المجالس-بحسب رؤية القوى والأحزاب الرئيسة في العملية السياسية-هي ضبط الأداء في لعبة المساومة والتسويات على المناصب المهمة في المحافظة.

إذن الخلل الجوهري في قضية مجالس المحافظات هو في رؤية وتوجهات وممارسات القوى السياسية المهيمنة على العملية السياسية. وان فشل تجربة مجالس المحافظات ما هو إلا انعكاس طبيعي للفشل العام في مخرجات العملية السياسية وعجزها عن الإستجابة لمشاكل المواطنين واحتياجاتهم.

بمعنى آخر، ان اصلاح تجربة مجالس المحافظات يستوجب وجود إرادة حقيقية لدى القوى السياسية التي تدير وتشكل العملية السياسية في العراق منذ 2003  لتبني سياسات وتوجهات جديدة، تنسجم مع التدهور الحالي في جميع الأوضاع في العراق.  فيجب على القوى السياسية الرئيسة في العراق ان تعي حجم الكارثة التي نتجت عن ممارسات تقاسم المغانم والحصص، وان تغادر الآلية العنقودية لذلك التقاسم، التي تبدأ من الوزارات في بغداد لتنتهي عند مدراء الأقسام في أبسط دائرة حكومية في المحافظات، وما يرافق عمليات التقاسم تلك من ملء للمناصب بشخصيات غير كفوءة، وغير مؤهلة مهنياً، وفي بعض الأحيان غير مؤهلة اجتماعياً. وعندما يصلح التداول السياسي في بغداد تصلح مجالس المحافظات.

{ خبير في مركز دراسات الشرق الأوسط في أنقرة  ORSAM

مشاركة