إستطلاعات (الزمان) للسياحة الشتوية في تركيا (2)

559

إستطلاعات (الزمان) للسياحة الشتوية في تركيا (2)

البعد التاريخي للرجل المريض وزيارة ضريح عدنان مندريس

اسطنبول – حمدي العطار

وانا اتجول في اسطنبول واشاهد الانجازات التي تشمل مجالات النقل السريع (المترو والترام ) وباقي وسائل النقل الجماعية زهيدة الاسعار التي تجعل المواطن التركي وحتى السائح يستغني عن استأجر التكسي غالي الاجور والمعاناة من الازدحام، تبهرني معالجة ازمة السكن حتى اصبحت العمارات السكنية تعاني من العرض قياسا الى الطلب وهنا فتح المجال للاستثمار في هذا المجال عبر اعطاء اغراء الاقامة وحتى الجنسية في حالة حصول الاجنبي على شقة او فيلة سكنية، واستفاد  العراقيون من هذه الجزئية فكانت هناك عوائل عراقية قد حصلت على الاقامة بعد ان اشترت شقة قد لا يتجاوز سعر بعضها 20 الف دولار، وكلما تسوء الاوضاع في العراق يكثر الطلب على هذا النوع من الهجرة التي قد تكون مناسبة بشكل اكثر من الهجرة البعيدة الى امريكا ودول اوربا بسبب ايضا ان متطلبات المعيشة في تركيا بسيطة يرجع الى  أنخفاض الليرة التركية مقابل الدولار فأي شيء نشتريه بالليرة التركية يقسم على 5 لنحصل على سعره بالدينار العراقي!

وهذا الاعجاب قادني الى التساؤل متى اصبحت تركيا (العثمانية) تعبانه جدا حتى اطلق عليها لقب (الرجل المريض) وكثيرا ما يتحدث البعض عن مرحلة الحرب العالمية الاولى والضعف الذي اصاب الامبراطورية العثمانية لذلك اطلقت هذه التسمية عليها، لكنني لم اقتنع بهذا التفسير او الاستنتاج وقمت بالبحث فتأكدت ان اول من اطلق على الامبراطورية لقب (الرجل المريض) هو قيصر روسيا “نيقولا الاول” وكان ذلك سنة 1833  عندما كان القيصر في اجتماع مع اللورد ابردين رئيس وزراء بريطانيا في قصر وندسور اثناء حيث متبادل،قال “ليس في استطاعتي أن أبعث الحياة في الموتى، ان الدولة العثمانية دولة ميتة، ولا أظن أن هذا الجسم العجوز سيقوى على المحافظة على الحياة، إنه في حالة انحلال في جميع النواحي” ، فكيف بالرجل المريض ان يعيش – بعد هذا التوصيف – تقريبا مائة عام حتى يعلن موته بعد سنوات من الحرب العالمية الاولى! والكراهية القائمة بين الاتراك والروس في عهد القياصرة امتدت حتى قيام الاتحاد السوفيتي ، وهذا ما يفسر لنا احد اسباب الانقلاب العسكري في تركيا على رئيس الوزراء “عدنان مندريس” واعدامه عام 1960 لأنه كان ينوي عقد اتفاقية صداقة مع الاتحاد السوفيتي بالاضافة الى اسباب اخرى سنتطرق أليها في هذا الاستطلاع.

شهيد الاذان

في هذه التسمية التي يحاول الاسلاميون في تركيا ان يؤكدوا على ان “عدنان مندريس” كان اسلاميا لذلك هو من اعاد الاذان باللغة العربية واعاد الدروس الدينية الى المدارس العامة وفتح اول معهد ديني وغيرها من المظاهر التي منعها (اتاتورك) في اعلانه العلمانية واكد عليها بإجراءات صارمة خليفة اتاتورك بعد وفاته (عصمت اينونو) وان كانت مثل هذه الاجراءات  الدينية التي قام بها “عدنان مندرس “اثـــــناء فتـــــرة حـــــكمه من 1950 – 1960 توحـــي بإنه اسلامي !

الا انه كان دائما يقول عن نفسه بإنه (ليبرالي علماني) وما اتخذ من اجرءات كانت في صالح الاتجاه الاسلامي هي لتخفيف حدة التوتر بين الحكومة والسكان، الا ان اسباب معادة العسكر لمندريس هو (الاصلاح الزراعي) (وافتتاح المصانع) التي اثرت على ثروات العسكر الذين كانوا يسيطرون على المفاصل الاقتصادية الزراعية وادارة المصانع فأنخفضت ارباحهم، ولم تشفع لعدنان مندريس ما قدمه لتركيا من تنمية البنى التحتية وفي تشييد الطرقات والجسور وبناء لمدارس والجامعات وانضمام تركيا للحلف الناتو وارسال قوات تركية الى كوريا وهو الذي كان يعادي مشروع عبد الناصر القومي الا ان العسكر لا يحلو لهم ان يكون رجل مدني على راس الحكم في تركيا، وحينما اراد التقرب من الاتحاد السوفيتي (العدو التاريخي والحالي لتركيا) بالاضافة الى اتصاله بعائلة السلطان العثماني والسماح لهم بزيارة تركيا والاقامة باســـــــطنبول !

محكمة صورية

دبر العسكر بقيادة الجنرال (جمال جورسيل) انقلابا عام 1960 وسجن مندريس وكثير من رفاقه ، ونقل هو ووزيرخارجيته (فطين رشدي) ووزير ماليته (حسن بلاتقان) الى  سجن بجزيرة (يصي ادا) وفي محكمة صورية اصدر حكم الاعدام عليهم شنقا بتهمة (قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية) وتم دفنهم في نفس الجزيرة، ولم يتم اعادة الاعتبار لعدنان مندريس ورفاقه الا عام 1992 من قبل (تورغوت أوزال) لينقل الى اسطنبول ويكون ضريحهم في مقبرة مقابل الاسوار البيزنطية التاريخية، وقمنا بزيارة هذا الضريح وسط تساقط الامطار ومنظر المقبرة  الجميل يجعل الانسان لا يخاف من الموت!

(يتبع)

مشاركة