إستطلاعات (الزمان) للسياحة الشتوية في تركيا (4)  – حمدي العطار

936

إستطلاعات (الزمان) للسياحة الشتوية في تركيا (4)  – حمدي العطار

الأمطار تضفي أجواء إحتفالية على ميدان تقسيم وبرج غلطة سراي

اسطنبول

كلما أقتربنا من رأس السنة تزداد اسطنبول جمالا وتبدو مثل العروسة التي تحضر نفسها للزفاف، على الرغم من أشتداد البرد وكثرة زخات المطر، كان لا بد لنا من زيارة ميدان التقسيم وشارع الاستقلال والصعود الى برج غلطة سراي، هذه ثلاثة أشياء لا يمكن لأي سائح في اسطنبول ان لا يذهب اليها قائلا بأنه قد شاهدها من قبل، لأن هذه المناطق يتم زيارتها والتجول فيها يوميا ما يقارب 3 ملايين شخص.

ميدان التقسيم

كلما ذكر التقسيم يتم استذكار (السلطان محمود الاول) لا اعلم كيف يشعر من يحكم بلدا ولا يترك أثرا طيبا خلفه في مكان مقدس او قصر مهيب او ميدان وشوارع وجسور وانجازات في مجال التنمية والبنى التحتية والدفاع عن سيادة البلد؟ان الحكام الذين لا يفكرون الا بمصالحهم الخاصة وملذاتهم واشباع رغباتهم هؤلاء لم يخلقوا للحكم انما الصدفة خدمتهم ليكونوا في هذا المنصب! كان السلطان محمود الأول ضعيف الشخصية وهو من السلاطين الذين يخضعون للاجنبي على الرغم من انه رئيس دولة عظيمة مثل الامبراطورية العثمانية لكنه كان خاضعا لفرنسا التي كانت توجهه لخدمة مصالحها، ربما لأنه قد جاء للحكم من خلال ثورة انكشارية ضد السلطان الشرعي (السلطان احمد) والذي تم خلعه من الحكم ، فإستعان السلطان محمود   الاول  لكي يكون قويا بمستشار فرنسي ! وهكذا مهما كان الحاكم مخلصا للاجنبي فلا يفكر الاجنبي في مصلحة عميله بل يستغله ابشع الاستغلال! مع كل هذه المآخذ فيذكر للسلطان محمود الاول بإن في عهده تم تأسيس أربع مكتبات في اسطنبول، وحينما ضرب الزلزال اسطنبول ودمر عدد كبير من مساجد العاصمة بسبب الحريق الكبير بادر فورا لإعادة تجديدها ودفع اموالا طائلة لترميم المنازل المدمرة ، وهو الذي أنشاء منطقة التقسيم وهي نقطة تجمع خطوط المياه الرئيسية واعادة توزيعها على مناطق اسطنبول، هذه المنطقة التي اصبحت فيما بعد من اشهر المناطق السياحية في اسطنبول، ولا بد للسائح ان يقف بين الطيور وخلفه (نصب الجمهورية) الذي يعبر على النصب التذكاري لأعلان الجمهورية التركية في 29/ اكتوبر 1923 كما يقف  بزهو (الترام  فاي التاريخي)  القديم  غير بعيد عنه والذي يرجع تاريخه الى 1875 وتم اعاد تشغيله عام 1990 لينقل السياح من ميدان التقسيم مرورا بشارع الاستقلال حتى منطقة النفق القديم –  منطقة غلاطه وبرجها التاريخي ، وتعد هذه الاماكن السياحية من افضل الاماكن  للالتقاط الصور التذكارية .

شارع الاستقلال

في العهد العثماني كان يسمى بالشارع الكبير طوله 3.5 كم ولكن بعد انتصار تركيا في حرب الاستقلال او الحملة الوطنية من 1919- 1923 وكانت الحرب مع اليونان وارمينيا وفرنسا والملكيين والانفصاليين والمملكة المتحدة وإيطاليا ، قائد الحركة الوطنية “كمال اتاتورك  ” وبعد الانتصار والاستقلال وتحرير الاراضي التي احتلت من العاصمة اسطنبول اطلق علي الشارع الكبير اسم (شارع الاستقلال) وفي هذا الشارع تنتشر المحلات التجارية والمباني الاثرية والمصارف  والكنائس وقد حضرنا احتفالات المسيحيين في احدى الكنائس بشارع الاستقلال  بمناسبة اعياد راس السنة ، وتوجد والعديد من القنصليات (الأميركية – الفرنسية- اليونانية- البريطانية) كما تنتشر محلات بيع الحلويات والمطاعم والمقاهي التي يزدحم فيها السياح وليس من السهولة ان ترى مقعدا فارغا وعليك الانتظار، خاصة في اجواء البرد الشديد وغزارة الامطار التي قمنا بمواجهتها بفتح المظلات وعليك ان تتصور منظر الجموع البشرية المليونية وهي تسير في شارع الاستقلال وترفع فوق رؤوسها المظلات بألوان زاهية. كانت هذه الزيارة قبل يوم من رأس السنة، وفي احتفالات نهاية السنة 31\12 حينما كنا نسير في شارع الاستقلال بصعوبة كانت قريبتي تقول لي انا لا ارى الا ارجل الناس (بسبب قصر قامتها) وقبل الدخول الى الشارع الاستقلال كانت الاجرءات الامنية شديدة في منطقة “كراكوي” وهي المنطقة التي تضم برج غالتا وكذلك فيها كنيس يهودي (نيفي شالوم) ويعني –واحة السلام- عندما كنا هناك لصعود البرج في زيارتنا يوم امس 30/ كانون الاول كان يصادف اخر ايام عيد الانوار (عيد التكريس) لليهود الذي يبدأ الاحتفال به من يوم 22  كانون الاول لغاية 30 كانون الاول ، وسمعنا اليهود الذين ينصبون منصة غير بعيد من الكنيس  وقريبا من الطابور للصعود الى برج غلاطة سراي للتمتع بمشاهدة اسطنبول من اعلى البرج الذي يبلغ ارتفاعه 66.90 مترا ما يتيح رؤية بانورامية جميلة لمعالم ومباني مدينة اسطنبول، وانا واقف في الطابور مع عائلتي وامامي شابة وشابة يتبادلون القبل انتظارا للوصول الى البوابة كنت انظر لشمعدان الشموع المشتعلة والمطر يتساقط وتنطفئ لعدة مرات بسبب الهواء الشديد ويتم اعادة اشتعالها كنت اسمع كلمة يتبادلها اليهود الاتراك (حانوكا) سعيد وهي لغرض تهنئة بعضهم بعضاً في عيد الانوار الذي تاريخيا تم تدشين هيكل اليهود في مدينة القدس واستغرقت شعلة الشمعدان السباعي في الهيكل 9 ايام من 22 لغاية 30 كانون الاول حتى انتهى الزيت في الشمعدان ، وتشير الوثائق التاريخية ان هناك في هذا المكان كانت مبنى مدرسة يهودية ابتدائية عام 1949 هدمت وتم بناء الكـــــــنيس على اطلالها وانتهى التــــــشييد عام 1951. تركنا التقسيم وشارع الاستقلال والالعاب النارية تؤشر نهاية سنة 2019 وبداية عام 2020.  وكانت منطقة التقسيم وشارع الاستقلال ومحطات المترو والترام والباصات تنقل المحتفلين بكثافة ليزداد اعداد الناس في هذا المكان السياحي غير مبالين بالبرد والمطر.

يتبع

مشاركة