إستطلاعات  (الزمان) في مجال السياحة العراقية (1-2)

651

إستطلاعات  (الزمان) في مجال السياحة العراقية (1-2)

(نفر) عفك وقصر الملك غازي بالدغارة يمثلان النشاط السياحي في الديوانية

الديوانية –  حمدي العطار

كثيرا ما اتعرض الى النقد لأنني اصدرت ثلاثة  كتب عن أدب الرحلات ،تناولت فيها 13 بلد عربي واجنبي ولم اصدر لحد الان كتابا يغطي السياحة في بلدي العراق! على الرغم من انني نشرت العديد من الاستطلاعات التي تناولت مدينتي البصرة وكذلك مناطق الاهوار في الناصرية والعمار، وفي اكثر من مناسبة قمت بالكتابة عن اربيل والسليمانية، الان قد قررت ان اكمل هذا المشروع (كتاب عن السياحة في العراق) فكان لا بد من استغلال ايام العطل الجمعة والسبت لهذه المهمة في المحافظات اما اثار بغداد فيمكن تغطيتها ايام الخميس !، فوقع اختياري على مشروع سياحي يطلق عليه (بالعطلة) وهم ينضمون سفرات لمدة يوم واحد او يومين الى حيث الاثار والمتاحف والمراكز السياحية التاريخية والدينية والطبيعية ، والقائمين على هذا المشروع احسست بهم جادون ويحبون العمل في مجال السياحة ولا يفكرون بالاحتيال والربح بطرق ملتوية خاصة وان هذا المشروع يعمل ضمن مجموعة من المشاريع في فترة التأسيس بما يسمى مبنى مشترك للمشاريع يطلق عليه المحطة، يستأجر فيه اي شخص او مجموعة اشخاص (طاولة) و(كرسي) ويجلب معه حاسبته او اي منتج يريد تسويقه مقابل ايجار شهري لا يتجاوز 125 الف دينار وبذلك يتخلصون من الكلف العالية والسرقفلية والتأثيث والانترنيت واجور الكهرباء والايجار وهذا يجعل اسعارهم مناسبة!

مدينة نفر الاثرية

يبدو علينا التقصير او عدم الاهتمام بأثارنا الوطنية وخاصة التاريخية ،بينما نقطع الاف الكيلومترات للوصول الى متاحف واثار البلدان البعيدة،وقد نخجل كثيرا ونحن نسمع للمرة الاولى بمدينة اثرية يطلق عليها (نفر) او “نيبور” في محافظة الديوانية ، منطقة عفك، وقد يشترك معنا باللوم هيئة الاثار او هيئة السياحة ولنقل وزارة الثقافة التي لا تعرف كيف تسوق المنتوج السياحي، فمدينة يبلغ عمرها 4 الاف سنة ، كانت تعد العاصمة الدينية للعراقيين وتعلمت منها البشرية القراءة والكتابة لأول مرة واستخدام العجلات والاختام، كان المرشد السياحي متحمس وهو يتكلم عن التنوع التاريخي لهذه المدينة الاثرية التي كانت العاصمة للسومريين والبابليين وتقع 30 كم جنوب الديوانية و7 كم شرق مدينة عفك،نحن ننشغل بالاشياء الصغيرة الساخرة ونكررها بينما تغيب عن بالنا الاهتمام بمدينة مثل (نفر) فلا نعرف عن العفج الا المثل الشعبي (قيم الركاع من ديرة العفج) وهو الذي يرمي الى ان اهالي عفج كانوا على الاغلب لا يلبسون الاحذية او النعل، وعندما انتقل احد (الركاعين) الى عفج ولم يجد له رزق لعدم وجود احذية او نعل تحتاج الى التصليح (الركعة) جاء هذا المثل المخجل! اما اهمية مدينة نفر منذ الالف الثالث ق.م فهو يأتي كون وجود شرط اساسي ومهم يختص بالاعتراف بالملوكية لا يتم الا ان تكون بموافقة مدينة نفر كونها تمثل المدينة الدينية المقدسة.

آلة الهواء والحكمة

استعرض المرشد السياحي الحضارات المتعددة التي تعاقبت على مدينة نفر ، وتم بدأ التنقيب عن الاثار في هذه المدينة من عام 1889م ،واوضح بأنه تم اكتشاف اول مكتبة في العالم كانت في هذه المدينة كما كان هناك طبيب وصيدلية! وحينما شكك البعض في هذا الحديث اثبت المرشد السياحي ان الادلة -التي تم الحصول عليها من الواح طينية عليها الكتابة المسمارية(تم العثور على 500 الى 800 لوح طيني بالكتابة المسمارية -) تثبت هذه المعلومات، عمليا زرنا اول مبنى البعثة الاستكشافية بعد مرورنا بمدينة عفج والمناظر الطبيعية الجميلة الخضراء التي تحيط بمدينة (نفر) واطلعنا على الادوات التي كانت تستخدم في التنقيب،وجرى شرح مفصل الى جهود المنقب الامريكي (جبسون) الذي عاش في عفج للتنقيب لمدة 20 سنة تعلم فيها اللهجة المحلية ، وانسجم بالمجتمع وتعرف على التقاليد والعادات وكان يشارك العشائر في حل الخلافات مستخدما الحكمة التي استمدها من (آله الهواء والحكمة)- انليل- ومقره المعبد والزقورة التي قمنا بزيارتها والصعود بصعوبة الى قمة التل الترابي المتأكل بسبب الامطار،وعلمنا ان في احدى سفرات مدرسية قد سقط احد الطلاب من الاعلي ونكسر فخذه ! احد الحراس البسطاء وهو من يملك مفاتيح المبنى كان يقول هل تعلمون ان مدينة نفر كانت كلها اهوار ! وان ما تم اكتشافه من اثار لا يعادل 10% من الاثار الموجودة بالتلال المحيطة بالمدينة، كما ان المرشد السياحي المتواجد في هذا الموقع اكد ان عملية التنقيب كانت تفرض على المنقبين هدم كل طبقة تمثل حضارة معينة للوصول الى طبقة اسفلها ! وبعد اكتشاف هذا الاثار تم تغطيتها بالتراب للمحافظة عليها! كما ان مدينة (نفر) ادرجت في قائمة اولية على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو تمهيدا لضمها الى القائمة النهائية ،تم التقاط العديد من  الصور التي توثق عمل البعثات التنقيبية والادوات المستخدمة وقد كانت بدائية ويدوية وهي تشبه ما يستخدم عند  حفر الانفاق لأستخراج الفحم !  رسم المنقيبن الكثير من الصور على الحائط والتي تمثل اشارات ورموز على عملهم التنقيبي ،كما تم تصوير بعض الاحجار التي عليها اختام تويثق المراحل التاريخية واسماء الملود الذين حفظوا على تلك الاثار ، كما تم تصوير ومن جدران  والمعابد والاختام الاسطوانية والملوكية ،ودخلنا الغرفة في اعلى الزقورة التي من المفروض ان الاله انليل كان يهبط فيها وهو من يبارك المدينة ويوفر لها الحياة من خلال الهواء والحكمة.

يتبع

مشاركة