إستذكار المتبقي من ما لا يتبقى للنسيان – اضواء – يوسف عبود جويعد

رائحة الطين والقصب والبردي في قصص قصيرة

إستذكار المتبقي من ما لا يتبقى للنسيان – اضواء – يوسف عبود جويعد

( تفتح المدينة ذراعين ذابلتين, لتستقبلني بعد أكثر من ثلاثة عقود على الهجرة, لم انقطع خلالها, لكني بانغماسي في الحياة البغدادية ومن ثم الجيش الذي أكل من عمري عشر سنوات, وبعدها الحصار والاحتلال وتداعياته التي غيرت الكثير من معالمها الثقافية … نعم استقبلتني مثل ابن ضال, كانت عيناها تقولان الكثير, وعلي أن أصغي لصوتها, صوتها القادم من اعماق تلك السنين )ص 115 هذا المقطع من قصة (آثار اقدامي الصغيرة) وهي مقاطع مجتزأة من بانوراما الذاكرة وهي القصة الاخيرة من المجموعة القصصية (ما لايتبقى للنسيان) للقاص عبد الامير المجر والصادرة من دار الشؤون الثقافية العامة nوزارة الثقافة عام 2015 , انه تذكرة دخول نمر من خلاله الى نصوص القاص, لانها رحلة ثلاث عقود, وهي الازمنة والامكنة والاحداث التي مر بها وعاشها وخاض غمار تجاربها لينسج منها نصوص سردية, كونها تجارب ذاتية استطاع ان يوظفها لتدخل عالم السرد, وقد حافظ فيها على حس الرجل القروي, ليكون السمة الغالبة والقاسم المشترك لكل النصوص السردية تضفي عليها رائحة الطين واهوار القصب والبردي, ومجالس اهلنا في الارياف وهم يلتفون حول مواقد النار والحكايات الشعبية, وملابسهم, وعلاقاتهم الحميمية, والعشرة الطيبة, وتتوضح هذه الرؤية اكثر عبر المقدمة التي تسبق النصوص القصصية (كل الاماكن التي سرقت اغلب سني عمري, مجرد محطات عابرة, وتبقى قرية (الخر الصغير) المكان الوحيد الذي ينتقل بي بينها ويأبى المغادرة!) وهي الخطوة الاولى التي تأخذنا الى مناخ الريف في جنوب البلد ,ثم القصة الاولى من المجموعة (انين الضفدعة) حيث ندخل جوف بيت القصب الرابض عند الطرف الشرقي لنهر القرية,حيث الام التي تعد الطعام على الموقد,في هذا البيت الذي يقبع بين اهوار القصب,وحياة العائلة التي لها لون آخر, ومذاق آخر,أنها طبيعة الريف الخلابة التي تختلف عن حياة المدينة , وكأن القاص حلقة وصل بين المدينة والريف حيث ان شخصيته واضحة من خلال السارد العليم الذي يقوم بمهمة سرد لنصوص القصصية , ونكون مع حكاية الطير باهض الثمن في قصة (الثمن) التي احتدمت بالاحداث وملكت غرابة واقعيتها من فضاءها السردي كون بطل القصة يمر بسوق بيع الطيور , ويخرج الطير من القفص ويطلقه يطير ثم يدفع الثمن منطلقاً من كرهه للاقفاص , الا ان هذه المرة عندما اطلق الطير غريب الاطوار فوجأ بالبائع يطالبه بمبلغ الف دولار ثمن هذا الطير الذي اطلقه ,وبما انه لايملك الثمن فقد اودع السجن, وتداعيات هذا النص السردي هو السارد الوسط بين المدينة والريف , وحس الرجل القروي مهيمن على كل النصوص, يضفي عليها هالة جديدة تميز القاص عن سواه , في قصة (احلاف )نجد منحاً آخر فيه معالجة فنية واضحة بفضاءها الريفي وبطل هذا النص ضابط في احد مراكز الشرطة في قرية ريفية , الا انه يكره عبارة الحلف والاحلاف , لما سببت له من اذاً في صغره , وكذلك ما سببت الاحلاف السياسية من كوارث على خارطة العالم,وترتبط قصة (لعبة كبار) بذات الرمز, وقوة المعالجة الفنية, وفيها رسالة انسانية وثقافية وادبية وسياسية كبيرة , كون الاطفال في هذا النص يقومون باداء ادوار كبار القادة في العالم , هتلر, ستالين, موسوليني, تشرشل, ترومان, الذين كانوا سبب بكوارث خطيرة , وقتل الاف من الناس, وجلب الويلات والحروب في العالم, أن القاص وظف خبرته في مجال عمله الصحفي لتنعكس على الحس السردي للنصوص كأنساق مضمرة, مع شخصيته القروية التي اضفت على احداث النصوص هالة تذكرنا بحياة الارياف في الجنوب, وينتقل السارد القروي مستكشفا الحياة البغدادية كما فعل في نقل الاحداث ذات المنحى الريفي لنكون مع (علو مكناسة ) وهو نموذج من النماذج الوطنية الذي كان همه النظافة , ويحمل مكنسة التنظيف اين ماحل , وكيف ما رحل , ومات والمكنسة قرب سريره, في قصة (مشكلات) نعيش مع بطل القصة وهو يتابع مشاكل العالم عبر التلفاز , ومشكلة زوجته مع الطباخ الغازي وانفعالها, ومشكلتها مع ابنتها, وتنفرج اسارير هذه الاحداث السردية بل تلك المشاكل في النهاية, وفي قصة متروكين ينقلنا القاص الى الحياة في الحرب حيث تترك الوحدات العسكرية جندي او جنديين لحراسة الاثاث ويسمونهم (متروكين) وترتبط برمزيتها, باناس ظلوا متروكين,وفي قصة (السائق الطائر) المركبة التي امتزجت فيها الرمزية مع الحدث الواقع وقد استطاع القاص ان يعالج مضمونها بشكل ملفت للنظر, اذ نجد السائق الذي شاهد متناقضات الحياة وهو يقود سيارته في المدينة, ويمتزج الرمز بواقع الحدث في توظيف مبهر, كون السائق يترك السيارة تقود نفسها بنفسها ويطير كالنسر , ونعود لحياة الريف في قصة (رهاب النهايات), حيث الجنازة, الاهازيج, الدفن, البكاء,ولكن برائحة الطين, وفي قصة ( رقصة الشيوخ الاخيرة) نكون مع كبار السن الشيوخ وحياتهم وذكرياتهم والامهم,وبعد هذا الطواف نعود الى نهاية الرحلة مع القاص عبد الامير المجر وهو يقدم لنا سيرته الذاتية بمعالجة سردية وفنية رائعة , اذ نكتشف ان عصارة تجربته الادبية والصحفية والاعلامية تكمن في قصة (آثار اقدامي الصغيرة ) التي مر ذكرها سالفاً, انها رحلة موفقة لرجل قروي هاجر من الارياف الى المدينة, ونقل منها حكايات, الا انه ظل حنينه وحسه وهاجسه وتوقه الى الارياف والاهوار والقصب , ورائحة الارض الطيبة , وحلم الطفولة الذي ظل يطارده خلال عقوده الثلاث , ان المجموعة القصصية ( ما لا يتبقى للنسيان) للقاص عبد الامير المجر فضاء نحلق فيه عبر الازمنة والامكنة لنتذكر , الارياف, المدينة, حياة البلد السياسية والاجتماعية,عبر احداث محسوسة غير متخيلة , مع اضفاء لمسات القاص الفنية التي اضفت المسحة الريفية المحببة التي ادهشتنا ,