إستدامة النظر في‮ ‬سورة القصص

520

إستدامة النظر في‮ ‬سورة القصص

إن مجال تفكر وتدبر القرآن الكريم مجال خصب واسع‮ ‬غزير لا حد ولا ساحل له،‮ ‬فما‮ ‬يجب على المرء إلا‮ ‬يقوي‮ ‬معصمه،‮ ‬ويستعين بالله عز وجل على قضاء حاجته في‮ ‬تدبر كتابه فنحن أحوج إلى مثل هذا التدبر‮. ‬إن سورة القصص من السور التي‮ ‬تشحذ الألباب والعقول عند تدبرها فالسورة‮ ‬ينصب الحديث فيها كما‮ ‬يقول ابن عاشور في‮ ‬تفسيره التحرير والتنوير‮: ‬عن القرآن الكريم وشأنه‮ ‬،‮ ‬والتعريض بأن بلغاء المشركين عاجزون عن الإتيان بسورة مثله،‮ ‬وفي‮ ‬السورة تفصيل لما أجمل في‮ ‬سورة الشعراء والنمل بخصوص قصة موسى-عليه السلام‮- ‬مع فرعون للموعظة والعبرة‮ ‬،‮ ‬كما اشتملت السورة على الحديث عن تحدي‮ ‬المشركين بإعجاز القرآن وهديه مع هدي‮ ‬التوراة،‮ ‬وساق لهم القرآن الأدلة للدلالة على وحدانية الله،‮ ‬وشرعت السورة في‮ ‬ضرب المثل بقصة قارون وهو من قوم موسى-عليه السلام‮-‬،‮ ‬وختمت السورة بتسلية النبي‮ -‬صلى الله عليه وسلم‮- ‬وتثبيته ووعده بأنه‮ ‬يجعل بلده في‮ ‬قبضته ويمكنه من نواصي‮ ‬الضالين‮. ‬عند تأمل سورة القصص نرى أنها اشتملت على أدوات التوكيد،‮ ‬فإن لتوكيد الخبر أدوات كثيرة كما‮ ‬يقول الهاشمي‮ ‬في‮ ‬كتابه جواهر البلاغة في‮ ‬المعاني‮ ‬والبيان والبديع‮ ‬،‮ ‬وأشهرها إن،‮ ‬وأن،‮ ‬ولام الابتداء،‮ ‬وأحرف التنبيه،‮ ‬والقسم،‮ ‬ونونا التوكيد‮. ‬ومن الملاحظ كثرة ورود أداة التوكيد‮:( ‬إنَّ‮/ ‬أَنَّ‮) ‬في‮ ‬السورة سواء أكانت متصلة بكاف المخاطب أو بياء المتكلم أو بهاء الضمير نحو‮:‬

1‮- ‬إنّك‮” ‬في‮ ‬قوله تعالى‮: (‬في‮ ‬قوله تعالى:فَأَصْبَحَ‮ ‬فِي‮ ‬الْمَدِينَةِ‮ ‬خائِفاً‮ ‬يَتَرَقَّبُ‮ ‬فَإِذَا الَّذِي‮ ‬اسْتَنْصَرَهُ‮ ‬بِالْأَمْسِ‮ ‬يَسْتَصْرِخُهُ‮ ‬قالَ‮ ‬لَهُ‮ ‬مُوسى إِنَّكَ‮ ‬لَغَوِيٌّ‮ ‬مُبِينٌ‮) (‬آية‮:‬18‮).‬

2‮- ‬إنّي‮” ‬في‮ ‬قوله تعالى‮: (‬قالَ‮ ‬رَبِّ‮ ‬إِنِّي‮ ‬قَتَلْتُ‮ ‬مِنْهُمْ‮ ‬نَفْساً‮ ‬فَأَخافُ‮ ‬أَنْ‮ ‬يَقْتُلُون‮) (‬الآية‮:‬33‮). ‬

3‮- ‬أنّهم‮” ‬في‮ ‬قوله تعالى‮: (‬وَاسْتَكْبَرَ‮ ‬هُوَ‮ ‬وَجُنُودُهُ‮ ‬فِي‮ ‬الْأَرْضِ‮ ‬بِغَيْرِ‮ ‬الْحَقِّ‮ ‬وَظَنُّوا أَنَّهُمْ‮ ‬إِلَيْنا لَا‮ ‬يُرْجَعُون‮) (‬الآية‮:‬39‮).‬

4‮- ‬إنّه‮” ‬في‮ ‬قوله تعالى‮: (‬وَإِذا‮ ‬يُتْلى عَلَيْهِمْ‮ ‬قالُوا آمَنَّا بِهِ‮ ‬إِنَّهُ‮ ‬الْحَقُّ‮ ‬مِنْ‮ ‬رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ‮ ‬قَبْلِهِ‮ ‬مُسْلِمِينَ‮) (‬الآية‮:‬53‮).‬

5‮- ‬إنّي‮” ‬في‮ ‬قوله تعالى‮: (‬قالَ‮ ‬رَبِّ‮ ‬إِنِّي‮ ‬ظَلَمْتُ‮ ‬نَفْسِي‮ ‬فَاغْفِرْ‮ ‬لِي‮ ‬فَغَفَرَ‮ ‬لَهُ‮ ‬إِنَّهُ‮ ‬هُوَ‮ ‬الْغَفُورُ‮ ‬الرَّحِيم‮) (‬الآية‮:‬16‮).‬

أو منفصلة عنها نحو:إن قارون،‮ ‬إن مفاتحه،‮ ‬إن الله،‮ ‬أن وعد،فقد جاءت هذه الأداة”إن،‮ ‬وأن‮” ‬سواء أكانت متصلة بكاف المخاطب أو بياء المتكلم أو بهاء الضمير أو منفصلة عنها‮ ‬أكثر من‮ (‬20‮) ‬مرة‮. ‬فالغرض من توكيد المتكلم كلامه كما‮ ‬يقول الميداني‮:‬،‮ ‬إعلام المخاطب بأنه‮ ‬يقول كلامه جازما ومعنى معيناً‮ ‬يريد إيصاله للمخاطب ليرسخ في‮ ‬الذهن ما‮ ‬يريد‮. ‬

إذن إن لكثرة ورود أداة التوكيد‮:( ‬إنَّ‮ ‬و أَنَّ‮) ‬في‮ ‬السورة مؤشر واضح في‮ ‬إيصال أمراً‮ ‬معينا للمخاطبين،‮ ‬فإما أن‮ ‬يكون المخاطب منكرا أو شاكا متردداً‮ ‬،‮ ‬وهذا‮ ‬يتبين من السياق الذي‮ ‬جاءت فيه أداة التوكيد‮.‬

والله أعلم

مرام ابو عشيبة

مشاركة