المقطعية النابضة بتلاحقها في أرشيف الغوايات
إستخدام البنية التعبيرية المختزلة – اضواء – علوان السلمان
النص الشعري..مغامرة تجريبية تعتمد التشكيل الصوري واللغوي مع رؤيا تجمع ما بين الحلم الشفيف واليقظة الداهشة بوحدة معبرة عن الجمال في الصورة التي تشكل قوامه..بصفته بنية عميقة تحمل معطيات الاحساس الذي هو(مصدر مكثف عن الاشياء والعالم)على حد تعبير ديمو قريطس..كونه نتاج تآلف الذهني والتخييلي بتصوير اللحظة المستفزة لذاكرة المنتج ـ طائر الفينيق ـ الذي يحفظها باطار من الالفاظ التي تشكل وحدة بناء العمل الابداعي الفاعلة بانتظامها في سياقاتها المنبعثة عن التوتر الحسي والنفسي للمنتج الذي يعبر بنصه عن رؤيا تفتح باب التاويل من خلال استفزاز لذاكرة المستهلك المتفاعلة واللحظة الشعورية الخالقة لحقلها الدلالي والايحائي ومن ثم الكشف عن المعطيات الجمالية ومدركات انشغالات الشاعر الشعرية.. والنص الشعري كما هو معروف شهد على مدى المسارات التاريخية تحولات فنية وفكرية تساوقت والتحول الفكري والزمني حتى صار كيانا متفردا قائما على وحدة تؤلف بين عناصره وتقدم موضوعها بطريقة ايحائية متحققة من استخدام التكنيكات الفنية المستلة من اللغة والصورة والرمز والموسيقى الداخلية المنبعثة من بين ثنايا الالفاظ..اضافة الى المفارقة والتقانات الفنية كالحوار الداخلي (الذاتي) والتنقيط ..التقنية الزمنية التي تعني القفز على الزمن الشعري ودلالة الحذف والمسكوت عنه الذي يستدعي المتلقي كي يكون فاعلا ومتاملا من اجل استيعاب محتوى النص ودفقه الفكري والوجداني ومن ثم المشاركة في بنائه واملاء فراغاته التشكيلية.. اضافة الى الاستذكار..فكان لهذا التحول اثره الفاعل في انفتاح الشعرية وتعدد انماطها على المستوى الجمالي والاسلوبي وكان من نتائج ذلك قصيدة النثر المقطعية التي هي اللغة والشكل الاكثر حداثة فيما يتعلق ببنيتها القائمة على المقطعية المنتظمة بوعي مع وحدة عضوية وايجاز وتكثيف في اللغة وتجاوز الزمن مع استخدام لغة مجازية واستعارات ورموز واشارات ميثولوجية وحوار ذاتي.. فالقصيدة القصيرة والقصيرة جدا(الومضة)فالنص المفتوح..
و(ارشيف الغوايات) المجموعة الشعرية الكاشفة عن جنسها(نصوص نثرية) التي نسجت عوالمها انامل شاعرها حامد الراوي واسهمت دار الجواهري في نشرها وانتشارها/2015كونها نصوص يشكل نسقها البنائي شكل من اشكال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر بمتغيراته عبر لغة تتسم بالافتصاد والتركيز مع هندسة نصية من الداخل فكريا وفنيا بوحدة عضوية حركتها المقطعية التي تشكل فضاء النص المتحقق برؤى الشاعر الكونية عبر احساس عميق معبر عن تجربة شعرية مكتظة بالصدق الروحي..
كنا ثلاثة صبيان مرصوفين على الرف
وموصوفين بابناء الماء
ثلاثة صبيان بملامح من يتم
وكان الغبار ينفضنا عن النسيان
فنبدو لا معين كالمرايا
وضاحكين كالعطل المدرسية
ثلاثة صبيان لا يفترقون على الرف
وكنا نؤدي فروضنا قبل الثامنة دائما
وداهمنا الدرس
فاصبحنا ثلاثة اشباح
مختلفين على الرف /ص9
فالنص ينبثق من موقف انفعالي يتكئ على حقول دلالية(زمان/مكان/ثنائيات ضدية..مع تكثيف العبارة وعمق المعنى باعتماد تقنية الانزياح والايحاء واستنطاق الرمز مع تركيز تعبيري عن اللحظة المحققة لنص الرؤية والاقتراب من اليومي بكل تناقضاته وتوتراته لتحقيق شعرية النص التي تقوم على التقابل والتناقض بين الذاكرة والواقع ومنهما تتشكل حركية التجاذب والصراع بين الذات والاشياء..
عجيب امر اصابعي
فهي تدخن
وتثرثر اكثر مني /ص5
فالشاعر في بناء نصه يعتمد خطاب الصورة ـ لغة العصر ـ المؤثرة في النفس من اجل تجاوز حدود القوالب الجاهزة وخلق لغة شعرية تخاطب الوجدان العصري وفق معيار حداثوي له التزاماته الموضوعية مع تركيز على الخصائص الحسية لابراز جمالية النص المنبعثة من استنطاق كينونة اللفظ عبر علاقة الدال والمدلول لتفعيل الاثر الحسي والذهني بلغة ايحائية قابلة للتاويل..فضلا عن انسنة الجمادات واعتماد مقومات واساليب تعبيرية في بناء نصه كآلية السرد التي اضفت عليه دينامية حركية..اضافة الى التعبير بالصورة بوصفها مشهدا بصريا مرئيا لتحقيق المتعة الجمالية المنبثقة من ثنايا النص والمنفعة عبر استفزاز المفردات للذاكرة..
على الرصيف البعيد
كأنك آخر ما ساتعكز عليه
قبل ان اقول للكلمات التي تتثائب في راسي
نامي……..
نامي……. فقد اتعبك رنينك
كانك آخر حبة
في أخر عنقود
لم يخطر على بال التمني
غير انه تدلى
على حين غفلة من المواقيت
فاينع في غير موسمه
قريبا من يدي
دائما………..
دائما……….
دائما……….
هناك انت /ص70
فالشاعر يمنح االبنية النصية فضاء سرديا مع حبكة درامية وحوار ذاتي يفصح عن ثنائية الانا وهي ثنائية متوازية حركيا بتاثير تحولات المخيلة الشعرية بلغة مكثفة تطرح مضمونها في سياقها بالفاظ مكتظة بمدلولها الموحي وحركة ايقاعها الداخلي والخارجي..اضافة الى انه يحمل رؤيا فيها عمق الاحساس وصدق التجربة من خلال فكره الذي يرتب الاشياء وينسقها ويضعها في قنواتها الطبيعية لتشكل بناءها المعماري الذي تظهر قوته من خلال التوازي الناتج من تفاعل مكونات اللغة والدلالة والايقاع من جهة وخاصية التكثيف والتركيز من جهة اخرى..من خلال توظيفه تقنيات فنية كالتنقيط(النص الصامت)..والتكرار الكون الدلالي الذي يشير الى قصدية في البوح لابراز الحيز الوجداني..والظاهرة الاسلوبية التي تعكس جانبا من الموقف النفسي والانفعالي الذي تفرضه طبيعة السياق الشعري..كونه احد الادوات الجمالية التي تشكل السياق التوكيدي بتكرار لفظي يشي بتواصل انثيالات الوجد الصادر عن وعي بالوظيفة الايقاعية واضفاء تطور الشعور العاطفي على النص..اضافة الى انه يخلق التوازي في بناء الجمل….
رتبي الفوضى التي في راسي
لانام قليلا
فقد اجهدت العمر
في ترتيب قلبي
لتمكثي فيه طويلا /ص106
ساظل اعتذر اليك
لانك
وصلت الى روحي
متاخرة كل هذا الوقت صذ07
فالشاعر يمارس الارتقاء في جملته الشعرية المتصاعدة ضمن بناء متوازن في جمله وصوره بوصفها فعالية لغوية تسهم في انتشال اللقطة من انشائيتها صوب مجازيتها التصويرية ومن ثم خلق رؤية فكرية وعاطفية في لحظة من الزمن..من اجل تحقيق اللذة الجمالية المتكئة على دلالة الايحاء في جميع انثيالاته وبوحه الشعري المعتمد المقطعية التي تجمعها وحدة عضوية متداخلة الفعل الشعري والاستدلالي ومن ثم الانفعالي الشعوري كون المقطع عضو في كيان متعدد الاجزاء يرتبط والمقاطع الناسجة لعوالم النص بالفكرة والاطار الفني..وهذا البناء ينمو داخل النص فيشكل نسجا بنائيا تحتضنه وحدته الموضوعية الجامعة..كونه يهدف الى تحقيق الذات في تشكيل موضوعي قائم بذاته ومنطلق من فكرة يحتضنها النص الذي يعتمد على اتساق منظم لصور جزئية في مقاطع يفضي كل واحد منها الى الاخر بشفافية ذات كثافة نفسية وابعاد رامزة تشكلها فاعلية الصورة الشعرية التي تقوم على مدركات عقلية تكشف عن وعي شعري يقوم على وحدة موضوعية وعمق معنى يمنح النص قوة تاثيرية وقدرة على خلق الانزياحات والانعكاسات في ذهنية المستهلك(المتلقي)..
مثل جدار ينصت الى الموسيقى
انصت انا الى موسيقى غواياتك
وانش النشاز عن عزلتي
ومحنيا مثل وعد
انحني على الذكريات
لانفض ما تراكم عليها من غبار
وفي الغرفة التي لا يفتح بابها لي
ثمة هديل مسروق من سرو
ونقيق موروث عن مستنقع
ووتر مقطوع /ص79
فالشاعر يقدم نسقا شعريا يقوم على انتزاع الصور التي تميزت بحسيتها المتوالدة في الذهن وهي صور مقصودة لذاتها ومتميزة بعمق دلالتها.. واعتماد الاشارات الخالقة لمشاهد منسوجة بدقة تخييل عبر لغة تحمل دلالاتها وتكشف عن انفعالاتها الداخلية بوساطة فكر يحدد الصور التي هي(تأويل ذهني للموضوعات الحسية)على حد تعبير هيكل..
لذا فالشاعر يؤسس لقول شعري يناهض الوجود بالمغامرة من خلال الحضور المكثف والانزياحات الدلالية وهاجس متوتر يؤطر الحدث الشعري بتقنيات فنية ابتداء من العنوان النص الموازي والمفتاح الاجرائي التاويلي على حد تعبير امبرتو ايكو..المكتظ بشحناته الدلالية التي يزخر بها فونيميه المشكلين لجملة اسمية موحية مضافة حذف احد اركانها شكلت البنية الدلالية والفكرة المنغلقة في حد ذاتها والمتزاحمة بالمعاني الجمالية وتجليات الذات..بعد ان توسط واجهة الغلاف الذي توسم بلوحة شغلت مساحته الكلية والتي يمكن ان نعدها ضمن بنية الفن التشكيلي التجريدي الرامز للخروج عن الذات بتشابك ثنائية الوجود (الرجل والمراة) دلالة الاقتران الجدلي..واتخذ اسم المنتج(الشاعر) موقعا علويا منها واسم الجنس الادبي الكاشف عن نفسه موقعا تحتانيا منه..
مضى ربع قرن
ولم ازل اكرر في كل صباح
محاولتي التي لم تفشل يوما
في اقناع نفسي:
ان الوقت ما يزال مبكرا جدا
لكي اقول: احبك /ص135
فالشاعر يوظف التعبيرات المشحونة بطاقة التوتر من اجل المحافظة على العاطفة المتمردة على الواقع للافلات من وحشيته ببناء فني تركيبي يعتمد معمارية متميزة بتناسق الصور ووحدة موضوعية متزنة..فضلا عن اعتماده الرمز لتطوير الفكرة وخلق ايقاع متحرك موزع بلوحات مقطعية مترابطة..مختارة للغتها واسلوبها البنائي بعد اشتباك النص مع الواقع..اضافة الى اعتماد آلية السرد التوصيفي للمشهد المبني على الشخوص والزمان والمكان والحوار الذاتي الذي يعيد للذاكرة ما ذكره(لوتر يامون) عن قصيدة النثر(انها شكل شديد الحرية يقبل بالسرد والحوار..)..
وبذلك قدم الراوي نصوصا تكشف عن قدرة تعبيرية متجاوزة للمالوف باعتماد بنية مختزلة…مقتصدة في الفاظها.خالقة للحظتها المتوهجة..مستوعبة لمعطيات النص الحداثي الذي يدعو الى(كتابة موجزة لحياة موجزة)باعتماد التكثيف الشعوري والاختزال السابح في فضاء النص المتميز بقصره وتركيزه ورمزية الفاظه مع انسيابية متدفقة بمشاهدها الصورية الدائمة التخلق بحكم طاقتها المكتنزة بديناميتها والمتوالدة في ذاتها النصية كي تسهم في نبش الخزانة الفكرية لمتلقيها..مع دفق مستفز للحظة الشعرية من خلال امتلاك نصه قدرات تعبيرية وتقنيات فنية..فقدم نصا مشبعا بالحركية مع درامية تعتمد الاختزال الذي عمق الرؤيا واسهم في دخول النص القلب دون جواز سفر..وهي تحمل في تدفقها قدرة النفاذ من خلال موسيقاها المنبعثة من بين ثنايا الالفاظ والصور والرؤيا الى الوجدان الجمعي الاخر..

















