إستثمار أم بيع ؟ – لؤي الشقاقي

276

إستثمار أم بيع ؟ – لؤي الشقاقي

سمعت من احد اصدقائي ان الدولة قد باعت باحة احد المدارس في منطقتهم لغرض اقامة مول تجاري، ولما استفسرت عن الموضوع تبين ان هناك مدرسة وجمعية تعاونية مجاورة لها تعود لوزارة المالية قد بيعت وباحة المدرسة لمستثمر لاقامة مول تجاري. وتذكرت ندوة كنت حضرتها في احدى الوزارات خلال زيارتي للعراق العام الماضي تتمحور حول الأستثمار الأمثل لأموال الوزارات والشركات والهيئات الحكومية، وكان المتكلم الابرز فيها ومدير الندوة دكتور “ك” ومعه لفيف من المدراء العامين في وزارة المالية، شرق هذا الدكتور وغرب عن الاستثمار وعن العجز في الموازنات والرواتب التي تأكل الموازنة كل عام وعن رؤيته لحل تلك الازمة من خلال خبرته المتراكمة ودراسته خارج العراق ولقائه بعدد من المختصين في الشأن الاقتصادي على مستوى العالم، وكيف تربطه علاقة عائلية بوزير اقتصاد في احدى دول امريكا اللاتينية واخر في دولة اوربية واخر من افريقيا واسيا والخ، وطرح رؤيته تلك وضرب امثله تثبت صحة فكرته ونجاعتها ونجاحها اذا ماطبقت هنا. كانت فكرته تتمحور حول خصخصة الشركات واستثمارها وبيع عقارات وآليات القطاع العام للناس والخ ، والامثلة التي إتى بها كانت عن دول متخلفة واقتصادها منهار ويتحكم به تجار ورجال اعمال، المشكلة ان اغلب الحاضرين كانوا منبهرين بالاستعراض الذي قدمه ولم يكلف احدهم نفسه عناء البحث عن اسماء المختصين او عن اقتصاديات الدول التي ذكرهم. ذكر هذا الدكتور النحرير حالات عن تحويل دوائر احدى الوزارات الى نظام الشركات وتحدث عن مزايا التحول من مديرية الى شركة “وهذا صحيح لكن الوضع الحالي لايسمح بالتحول لان اغلب دوائر الدولة تعمل وفق نظام التمويل المركزي ولايمكن تحويلها لنظام التمويل الذاتي لعدم قدرتها على الانتاج ولان كادرها قد تضاعف عدة مرات عما كان عليه قبل احتلال العراق ولايوجد اقتصاد حقيقي او سوق استهلاكي للمنتج المحلي او خطة للتصدير حتى تتمكن الدوائر من تمويل نفسها” وذكر حالات عديدة لتعظيم موارد الشركات وكانت اولى الحالات بيع اراضي عائدة للدائرة وذكر كيف ان احدى الدوائر مدينه لوزارة المالية بمبالغ كبيرة “على شكل منح وقروض التي تقدمها وزارة المالية لشركات الدولة لتسديد رواتب موظفيها ولولا تلك المنح لأعلنت الشركات افلاسها وتسريح جميع العاملين فيها” وعند البحث والدراسة وجد ان تلك الدائرة لديها مخازن غير مستخدمة في احدى المحافظات وفي افضل منطقة فيها تصل قيمتها لمليار دولار تقريباً، واقترح عليهم بيعها وتسديد دين المالية واستغلال المتبقي “فهل الحل ان تبيع الوزارات ممتلكاتها حتى توفر رواتب لمنتسبيها وهل هذا هو حل” مع انه حل لمشكلة لكنه حل وقتي وليس جذرياً وحل خاطئ. واقترح خلال الندوة على تلك الوزارة حصر آلياتها ومكائنها واراضيها لغرض تقييمها وبيعها لتسديد ديون المالية وخصخصة الشركات وعرضها للاستثمار، وعندما سأله الحاضرون عن مصير الموظفين العاملين تهرب من الاجابة ولف ودار وذهب الى موضوع اخر ولما حاصره الحضور وكرروا نفس السؤال اجابهم”هذا مو شغلي اني عليه شغلة الخصخصة والاستثمار وبس” ورجع ليضرب امثلة بالدول التي ذكرها في بداية استعراضه كيف استطاعت ان تنتشل نفسها وتنهض باقتصادها من خلال تلك الاجراءات والافكار، ولو استعرضتم تلك الدول لوجدتم انها دول تعيش على بيع المخدرات ويعمها كل انواع الفساد ويتحكم بها رجال الاعمال وهم من يرسم سياسة الدولة ويقودون الدفة نحو مصالحهم فقط بحجة الخصخصة والاستثمار وهي بوابتهم التي دخلوا منها. كانت هذه سياسة الوزارة السابقة وتوجه العبادي وحكومته هو توفير المال وبيع مايمكن بيعه واستثمار وخصخصة اي قطاع او شركة او مجال، وعلى عبدالمهدي وحكومته ان يعيد النظر في ملف الخصخصة والاستثمار وبيع اموال وعقارات الدولة قبل ان يمضي السيف ويذهب العذل. فلا يمكن ان تحول حديقة مدرسة وان كانت خرائب الى مول تجاري ولا يمكن ان يمتلئ العراق بالمطاعم ومحلات الازياء والمولات ولايمكن بيع اي شيء يمكن بيعه بحجة الاستثمار الامثل لموارد الدولة، لأن هذا يعني رهن ارادة الشعب والحكومة بقرار المستثمر وتخريب السوق وقتله لجعله سوقاً استهلاكياً ريعياً غير منتج او مُصنع لاي شيء. نحن الان كمن يطير بطائرة لا رادار فيها ولا جهاز اتصال او تعقب ولاتعلم الى اين تتجه ولا احد يعلم ماهيتها، تطير لا تلوي على شيء ولا يُعرف عنها شيء، وكل من فيها يعمل لنفسه ويعمل ما يحلو له، فهذا يريد ان يخرق خرقاً وذاك يحاول فتح النافذة والاخر يهرع للمطبخ واخر يدخن في الحمام والربان هائم تارة ونائم تارة اخرى فرحان ومنتشي ببدلة الطيار ولكنه لا يعرف كيف طار ولا كيف واين ومتى سيهبط ؟

مشاركة