إزدهار فن الأرابيسك في عهود الإسلام المبكّرة – علي إبراهـيم الدليمي

تاريخ الزخارف عبر العصور

إزدهار فن الأرابيسك في عهود الإسلام المبكّرة – علي إبراهـيم الدليمي

عن مكتبة دار دجلة للنشر والتوزيع في بغداد، صدر مؤخراً مجلد (تاريخ الزخارف عبر العصور) للباحث والفنان د. رؤوف عماد عبد السلام العطار، بـ 307 صفحة ملونة وبدقة عالية، من قياس A4 الذي تناول فيه تاريخ فنون الزخارف والعمارة في أكثر من 27 حضارة والتطور العمراني والفني في استخدام كل النماذج الفنية في هذا المجال مع وجود كل نماذج الزخارف لهذه الحضارات من النباتية والهندسية واستخدامها في الأثاث والحلي والمباني والكتب وفن التجليد بكل الأمثلة.  وكان تسلسل الحضارات في الفن والزخارف، كما يلي: حضارة بلاد ما بين النهرين والحضارة الفرعونية والزخارف والفنون الافريقية والزخارف والفنون الهندية والزخارف والفنون الايطالية والزخارف والفنون اليابانية والزخارف والفنون الفرنسية والزخارف والفنون الاسبانية والزخارف والفنون الرومانية والزخارف والفنون الاغريقية والزخارف والفنون البيزنطية والزخارف والفنون القوطية والزخارف والفنون الاسلامية والزخارف والفنون الفارسية والزخارف والفنون الفينيقية والزخارف والفنون الرومانسيكية والزخارف والفنون الالمانية والزخارف والفنون الروسية والزخارف والفنون في العصر العباسي و الزخارف والفنون العثمانية والزخارف والفنون المغربية والزخارف والفنون السلتية والزخارف والفنون الانجليزية والزخارف والفنون في امريكا القديمة والزخارف والفنون الحديدية

كلمة الباحث

وجاء كلمة الباحث في مقدمة الكتاب: الزخرفة من المواضيع الشائكة المتشعبة، وجمالها الكامل يجعلنا نميل إليها دون النظر إلى وحداتها تفصيلاً، ومن أجل ان يلم عشاق هذا الفن بالجوانب التاريخية والفنية والعملية، كان هذا الكتاب الموسع، نقدمه إلى عشاقه من المهتمين به ففيه ما مست الحاجة إليه هواية وفناً وتصميماً ورسماً. وأنا أعلم يقيناً ان مثلي لا يعطي الموضوع حقه من البحث من سعة الموضوع، ولكني بذلت جهد المقل، واجتهدت أن أصل به إلى الصورة التي تليق به، فان اصبت فذاك ما أردت والفضل لله أولاً وأخيراً، وان كنت قد أخطأت، فحسبي اني بذلت طاقتي ووضعت لبنة في طريق من يريد إكمال البناء. في غمرة الاهتمام بالفنون البصرية نسي الكثيرون فن الزخرفة، رغم أن أية نظرة محايدة لانغماسنا المباشر اليومي في أشكال الحياة، تشي بالمكان الكبير الذي يحتله الزخرف، هذا العمل الفني المضاف إلى الشيء ليعطيه رونقاً خاصاً، سواء كان هذا الشيء بناءً أم إناءً للطعام أم ورقة نقدية، أو غير ذلك من آلاف الأشياء والأدوات التي تحاك منها معالم الحياة اليومية. لقد تنوعت الزخارف عند شعوب العالم، وتغيرت، وغذت بعضها البعض. فلم تنفرد حضارة دون غيرها بإنتاج الزخرف واستعماله. وفي بعض الحالات تبدلت هذه الزخارف وانفردت بمواصفاتها، وفي حالات أخرى تلاءمت وتشابهت.

كما كتب الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني أستاذ التاريخ والحضارة العربية الإسلامية، الزائر بمعهد الدراسات الإسلامية ولاية قانصو / الصين:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: أطلق مؤرخو الفن الأوربيون على الفن الزخرفي الإسلامي اسم «أرابيسك»? بالفرنسية”Arabesque” ? أي التوريق، خاصة على نوع الزخارف الإسلامية ذات الفروع النباتية والتوريقات الزهرية، والكتابات والتحويرات الحيوانية الهندسية، بعد تجريدها من شكلها الطبيعي، حتى لا تُعطى إحساساً بالذبول والفناء.

وتعود نشأة الزخرفة الإسلامية إلى بداية عهد الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، رضي الله عنهما، اللذين كانا منشغلين بالفتوحات الإسلامية، وكان التفكير متجهاً نحو بناء المساجد كمثل التي بُنيت في المشرق الإسلامي.

صخرة القدس

ويُعْتَبَرُ عبد الملك بن مروان أوَّل مَن أهتمَّ بالزخرفة الإسلامية من خلال إهتمامه بقبة الصخرة في القدس. ولفن الزخرفة الإسلامية خصائص تميزه عن غيره، حيث ينطلق فيه خيال الفنان المسلم إلى اللا نهاية والتكرار والتجدُّد في آنٍ، والتناوب والتشابك، فابتكر المضلَّعَات النجمية وأشكال التوريق، وأشكال التوشح العربي، ولا يزال هذا النسق العربي في الزخرفة منتشراً في بعض البلدان من بعد ظهوره لأول مرة في الزخرفة الفاطمية في الجامع الأزهر، حيث تعد العناصر النباتية والهندسية والتوريق مقومات أساسية في بناء هذا الفن. وقد انتشر التزويق أو الزخرفة العربية أو الرقش العربي وكلها تعني نفس الشيء، في أوروبا ولاقى رواجاً في القرنين الـ 15 و16? بعد أن وجدت الزخرفة، التي وصفت بأنها لغة الفن الإسلامي، إلى جانب العمارة، وأصبحت عنصراً رئيساً في زخرفة المساجد والقباب والقصور بأشكال هندسية أو نباتية، وقد هدف البناؤون والفنانون المسلمون في أعمالهم، إلى إبراز خصوصية التقاليد المتوارثة التي تنبع من الدين، والتي تعتمد على ما أسماه بعض مؤرخي الفن الإسلامي، السكينة والراحة الروحية والجسدية والتأمل والبساطة. وللزخرفة قواعد وأسس ترمز إلى الطبيعة والواقع من دون أن تنسخها أو تقلدها، وبذلك توضح مفهوم الجمالية الفنية في أنها تصور ذاتي للوجود، كما أن عنصر «الحركة» أحد مميزات الفن الإسلامي بشكل عام، هو خاصة من خواص المشهد القرآني، وقد علم الفنان المسلم ذلك، وكان هذا الفن ميداناً لتطبيق تلك المعلومات الدينية، واعتبرت الزخرفة وسيلة للتعرف إلى فكر الأمم السابقة وتعمقهم الديني ومدى تحضرهم، وكذلك الخاصة الثانية، وهي: «الاتساع» أو الإمتداد، وقد استطاع الفنان المسلم أن يحقق في إنتاجه الزخرفي هذه الخاصة، بعد أن تمثلها في فكره، وبدأ ينقلنا من المرئي إلى اللا مرئي ومن المشاهد إلى المتخيل.

وقد ازدهر فن الأرابيسك مع عهود الإسلام المبكرة خاصة في العصر العباسي، الذي يعتبر العصر الذهبي للفنون والعلوم الإسلامية بوجه عام، فكانت أعمال العلماء القدماء مثل أفلاطون وإقليدس تُقرأ على مستوى واسع بين المتعلمين، وتم تطوير هذه الأعمال لحل المسائل الرياضية التي نشأت نتيجة الحاجة لتحديد القبلة وأوقات الصلوات وشهر رمضان، فأوجد ذلك أفكاراً جديدة، عملت كإرهاصة أولى لفن الأرابيسك. وأبرز عناصر الزخرفة الإسلامية هو فن الخط العربي، فقد اعتمده الفنانون في أعمالهم الزخرفية أو التجميلية، وما من بناء إسلامي يغيب عنه فن الخط، فلا بدّ من آيات تكتب على المدخل وفي القاعات والغرف، إنْ على حجارة البناء أو الخشب المستعمل أو في الرسوم، وغالباً ما تضاف إلى الآيات أسماء أصحاب البناء وتاريخ الإنشاء والذين صمموا أو نفذوا العمل، وقد يُكتفى أحيانًا بذكر اسم الله، مكتوباً ومكرراً أو اسم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

موجر معبر

وجاء هذا الكتاب الذي خطه الدكتور رؤوف عماد عبد السلام رؤوف العطار، موجزا معبرا عن هذا التاريخ الأصيل وبأسلوب سهل واضح للباحث والمثقف العادي، أتمنى له، المزيد من الابداع والله ولي التوفيق.

وقد أهدى الباحث جهد كتابه هذا: “قال سبحانه وتعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) 152البقرة، أهدي هذا الكتاب إلى من علمتني معنى الحياة ومن صقلت داخلي جدتي رحمها الله، وإلى المرحوم المؤرخ العلامة الدكتور عماد عبد السلام رؤوف الذي طالما كان اسمه جبل شامخ أتمنى ان أصل اليه، وإلى زوجتي من جملت بجمال روحها أفكاري، وإلى أولادي الذين اتمنى أن أكون لهم ابا يفتخروا به.

مشاركة