

فارس السردار
في زمن يتغذّى فيه الإنسان على الشاشة أكثر من أورق الكتب معرفيا، وفي عالم تُضخّ فيه المعلومة كما يُضخّ الوقود في آلة لا تهدأ، تتبدّى مفارقة خطيرة: لم نكن يومًا بهذا القرب من المعرفة، ومع ذلك لم نكن يومًا بهذا البعد عن الحقيقة
فما يُعرَض علينا في الفضاء الرقمي، تحت لافتة “المعرفة”، ليس دومًا بريئًا، ولا حياديًا، بل غالبًا ما يكون معرفةً مؤدلجة، صيغت – بوعي أو بدونه – لخدمة غرض ثقافي، سياسي، أو اقتصادي. وهذه الأدلجة لا تأتينا بالضرورة عبر الخطاب المباشر، بل تتسرّب إلينا عبر خوارزميات دقيقة، وتمويلات موجهة، وخطابات مغلفة بعبارات علمية أو تنويرية أو تعليمية. على درجة إصرار لا يعرف الكلل، مولدة إرهاقاً رقمياً يظهر تأثيره على الحالة النفسية والجسدية لفرط استخدامنا للأجهزة الرقمية مثل الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة اللوحية عبر ما يعترينا من تعب في العينين، وصداع، وقلة تركيز، واضطراب في النوم إضافة الى الانزعاج النفسي متمثلاً بالقلق من كثرة الاشعارات والرسائل. اما على المستوى الموضوعي فالمنصات الرقمية لا تُقدِّم لك المعرفة من باب التنوير، بل من باب الربح والتفاعل. وكلما انسجمتَ مع ما يُعرَض عليك، كلما زاد احتمال بقائك أطول. ولهذا فإن الخوارزميات تُحاصر المستخدم بمحتوى يعزز ميوله، ويُقصي ما يخالفها. وهكذا تتحول المعرفة إلى ما يشبه المرآة الفكرية: لا ترى فيها إلا نفسك، وقناعاتك، وامتدادات خطابك
وهي بهذا المعنى لا تعدوا أن تكون سوى صناعة لفقاعات ذهنية تنتج ارهاقاً رقمياً بسبب نوعية وكثافة المحتوى الذي نستهلكه.
نحن نعيش عصر أصبح فيه العقل حقل رماية للمعلومات- إن لم ينظم- يفضي الى اجهاد داخلي لا يقل خطورة عن الاجهاد الجسدي.
ولأن العقل المتعب لا يعيد النظر فيما يحب، تصبح هذه “المرآة” أداة إعادة إنتاج صامتة للأيديولوجيا، حتى لدى أولئك الذين يظنون أنفسهم أحرارًا في تفكيرهم.
وللتخفيف من هذا التأثير لا بد من اخذ فترة راحة منتظمة تتمثل بالقاعدة ( 20، 20، 20 ) كل عشرين دقيقة ننظر الى شيء يبعد 20 قدم لمدة 20 ثانية، وكذلك استخدام الوضع الليلي للشاشة.
وبعد يحق لنا أن نسأل عن من يُموِّل هذه المعرفة؟ ومن يختار زاوية الرؤية؟ فالذي نحن بصدد الحصول عليه من معرفة ليست دائماً معرفة محايدة في كثير من الأحيان هي أداة للتطويع، للترويض، أو حتى التوجيه الايدلوجي الناعم. ففي كثير من المحتوى الرقمي، تكون الحيادية مجرد واجهة شكلية، بينما المضمون مُوجّه بعناية. المحتوى التاريخي، الديني، وحتى العلمي، قد يُستخدم لتثبيت رؤية ضيقة للعالم، تخدم جهة بعينها. وهكذا يُصبح السؤال المهم ليس فقط: “ما هي المعلومة؟” بل: “من اختارها؟ ولماذا قدّمها بهذه الصورة؟ وهكذا فالزخم العالي من تدفّق المعلومات لا يُنتج بالضرورة فكرًا ناقدًا، بل قد يؤدي إلى الإجهاد المعرفي، حيث يفقد العقل قدرته على التمييز بين الحقيقي والمزيف، بين السياق والدعاية، بين الفكرة والمعالجة. وفي هذا الإرهاق، تذوب مقاومة العقل أمام الأدلجة، فيتقبل ما يُعرض عليه دون مساءلة، ويتحول المتلقي إلى ناقل سلبي للأيديولوجيا، دون أن يشعر بذلك.
ربما لا يمكننا الهروب من الفضاء الرقمي، لكنه يجب ألّا يكون مصدرنا الوحيد للمعرفة. المقاومة لا تعني الانقطاع، بل تعني الانتباه، والشك، والمراجعة، والقراءة خارج ما تقترحه علينا الشاشة.
في عالم المعرفة الرقمية، لم يعد العدو الأكبر هو الجهل، بل الإيهام بالمعرفة.
ولم تعد الأيديولوجيا تُفرض بالقوة، بل تُزرع في اللاوعي، عبر تمرير ذكي لمحتوى يبدو معلّقًا في فضاء محايد، بينما هو مشبّع بالرؤية والميل والانحياز. وهذا ما يعزز الشعور بالانفصال عن الذات وعن الاخرين او عن الحياة والعمل، وهذا ما يعبر عن معنى الاغتراب، بمعنى الاغتراب الجغرافي بل اغتراب الذات، أو الاغتراب الاجتماعي، أو المهني وهذا الجذر الصامت من الإرهاق الرقمي.
فهل نجرؤ على إعادة السؤال؟
هل ما نعرفه… نعرفه حقًا؟



















