إرهاصات النهاية الصامتة للديمقراطية – حازم محمود حميد النعيمي

إرهاصات النهاية الصامتة للديمقراطية – حازم محمود حميد النعيمي

ليست المشكلة في العراق اليوم أنه اختار الديمقراطية وانما في الطريقة التي تُمارس بها فالتاريخ السياسي للبشرية يخبرنا أن أخطر لحظة على أي مجتمع ليست لحظة الاستبداد بل اللحظة التي تفشل فيها الديمقراطية في أداء وظيفتها فعندها يبدأ الناس أنفسهم بالحنين إلى الحاكم الصارم وهنا تحديدا يبدأ الخطر.

سقراط، قبل أكثر من ألفي عام، لم يكن يكره حكم الشعب بقدر ما كان يخاف من حكم الجهل فقد كان يسأل دائما كيف نختار قبطان السفينة؟ هل بالتصويت أم بالخبرة؟ فإذا كنا لا نسلم سفينة لملاح غير مؤهل، فلماذا نسلّم دولة كاملة لمن يجيد الخطابات والتحشيد الجماهيري؟ ولذلك دفع حياته ثمنا لهذه الفكرة إذ حكمت عليه محكمة ديمقراطية بالإعدام عبر تصويت شعبي. وذهب تلميذه أفلاطون أبعد من ذلك اذ رأى أن الديمقراطية حين تفقد ضوابطها تتحول إلى فوضى والفوضى تُتعب الناس وعندما يتعب الناس يبحثون عن «المنقذ». وهكذا يولد الطاغية من رحم الديمقراطية نفسها. لم يكن ذلك خيالا فلسفيا وانما قراءة متكررة للتاريخ.

وقد حذر الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل المهتم في السياسة من بعدها التاريخي من “استبداد الأغلبية” أي أن الأغلبية قد تُقصي الكفاءة والعقل والقانون باسم إرادة الشعب. أما المفكر الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت فاعتبر أن أخطر ما يواجه الدولة الحديثة هو صعود “إنسان الجمهور”، الذي يطالب بالحقوق لكنه لا يتحمل مسؤولية الاختيار فيصبح القرار العام خاضعًا للعاطفة والمصالح الشخصية لا للمصلحة العامة.ما يجري في الانتخابات العراقية لم يعد صراع برامج أو رؤى اقتصادية بل في كثير من الأحيان صراع شبكات نفوذ وان شراء الأصوات لم يعد حالات فردية معزولة بل أصبح منظومة شبه علنية من خلال دفع أموال نقدية وسلال غذائية وبطاقات هاتف ووعود بالتعيين وتسديد ديون او خدمات بلدية مثل تبليط الشوارع والمجاري ومحولات الكهرباء وغيرها مما حول صوت الناخب من قرار سياسي إلى معاملة مالية. وهنا تقع الكارثة الحقيقية لان الديمقراطية صُممت لتغيير الطبقة السياسية فإذا بها تصبح وسيلة لإعادة إنتاجها.عندما يصل المسؤول عبر المال أو النفوذ لا عبر الكفاءة فإن أولويته لن تكون خدمة الدولة بل استرجاع ما دفعه مضاعفا ومن هنا تتغذى مافيات الفساد فيتحول المنصب إلى استثمار والوزارة إلى مورد والمشروع إلى صفقة والوظيفة إلى مكافأة انتخابية.

و مع مرور الوقت يحدث ما هو أخطر حيث يفقد المواطن ثقته بالعملية السياسية نفسها فلا يعود ينتظر إصلاحا ولا تغييرا بل يتوقع الفشل مسبقا وعندها يبدأ التحول النفسي العميق داخل المجتمع فالناس لا تبحث عن الديمقراطية بل عن الاستقرار بأي ثمن.ان التاريخ يعيد نفسه وهناك امثلة كثيرة لما حصل مع شعوب ودول اخرى. في جمهورية فايمار في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى كانت هناك انتخابات وبرلمان وأحزاب لكن الأزمات الاقتصادية والبطالة والانقسام السياسي والفساد جعلت الناس تفقد ثقتها بالنظام فطالبوا بزعيم قوي يعيد النظام والهيبة، فظهر أدولف هتلر عبر الانتخابات نفسها، لا عبر انقلاب. وفي روما القديمة أدى صراع النخب وشراء الولاءات الشعبية إلى إنهاك الجمهورية فاستقبل الناس يوليوس قيصر كمنقذ رغم أنه أنهى النظام الجمهوري فعليا. وفي تجارب أقرب زمنيا، شهدت دول عديدة في أمريكا اللاتينية صعود قادة سلطويين بعد فشل الحكومات المنتخبة في تحقيق الأمن والخدمات، إذ فضّل الناس الحاكم القوي على الفوضى السياسية المستمرة. ان القاسم المشترك في كل هذه الحالات ليس كراهية الشعوب للحرية، بل تعبها من الفوضى.

ان الخطر في العراق لا يتمثل فقط في فساد أو ضعف خدمات بل في تراكم الإحباط فكل دورة انتخابية تُعيد تقريبا الوجوه نفسها وكل حكومة تبدأ بوعود كبيرة وتنتهي بأزمات مشابهة.

ومع انتشار البطالة وتراجع الخدمات وغياب المحاسبة تتشكل قناعة شعبية خطيرة أن الديمقراطية لا تغير شيئا. وهنا تبدأ أخطر لحظة في حياة الدول فالمواطن الذي كان يطالب بالحرية قد يصبح مستعدا للتنازل عنها مقابل الأمن والوظيفة والخدمة.

 وعند هذه النقطة تحديدا يظهر «الرجل القوي» الذي يعد بإنهاء الفوضى ومحاربة الفاسدين فيحصل على تأييد شعبي واسع ثم تبدأ الحريات بالتقلص تدريجيا باسم الاستقرار. ان الدكتاتورية عادة لا تفرض نفسها بالقوة في البداية بل تأتي بترحيب الناس.

ان تحذيرات سقراط وأفلاطون وتوكفيل تمثل وصفا متكررا لمسار سياسي معروف تبدأ بديمقراطية ضعيفة وثم فساد وفوضى وبعدها غضب شعبي ومطالبة بالحسم وتنتهي بسلطة صارمة ديكتاتورية. ان لم يصحح العراق مساره الحالي قد يواجه هذا المصير لا سمح الله لان الديمقراطية لا تسقط عندما يُلغى الدستور بل عندما يفقد المواطن إيمانه بجدواها.