إرحل .. لا ترحل – طالب سعدون

671

نبض القلم

إرحل .. لا ترحل – طالب سعدون

 يبدو من خلال تجارب كثيرة أن الشعوب على النقيض من حكامها دائما .. كانت كريمة معهم ، رغم بخلهم معها ، وإستئثارهم بكل شيء ، وتسخير( السلطة )  لمصالحهم الذاتية ، وكأنها ملك صرف ، ينتقل بالوراثة الى الابناء ، و ينعمون بمغانمها ، وهم أحياء ..

 التجارب تشير أيضا الى أن الشعوب تصبر ، وتتحمل على أمل أن يراعي الحكام  حقوقها في يوم ما ، بعد أن يشبعوا حد التخمة من المال والجاه والسلطان ، ويمارسون واجبهم  الدستوري تجاهها ، ويلتفتون اليها ويحققون الحياة  الحرة الكريمة التي كفلتها لها الدساتير والقوانين ..

عندما ينسى الحاكم واجبه  الدستوري والاخلاقي ويتصرف وكأنه المالك  الشرعي للبلاد  وثرواتها و( السيد  ) على الرعية ، وليس موظفا عندها ، أو خادما لها يحصل الاستبداد والفساد ..

 الشعوب تعطي فرصا قد تمتد  سنوات طويلة ، فيتوهم  الحكام وكأنها راضية ، مستسلمة ، قانعة بهم ، وبما ساقته الاقدار لها ، وهي ليس كذلك أبدا، بل تحبس غضبها ، وقد تنفجر بشرارة بسيطة تأتي من مواطن بسيط ، وليس من ( جنرال ) في الجيش ، كما حصل في تونس على سبيل المثال ، وبعدها في أقطارعربية أخرى شهدت ما يسمى بالربيع العربي ، فقد أشعل شرارة الانتفاضة  الشعبية في كانون الاول  2010 مواطن بسيط تونسي (أبو عزيزي) يبيع خضارا في عربة وأحرق نفسه احتجاجا على الوضع الاقتصادي  ومنه إنطلق ذلك الربيع الذي أزاح عددا لا يستهان به من الحكام  ..

 هكذا تبدأ الانتفاضات بمطالب تبدو بسيطة ، لكنها أساسية  للحياة لا تتعدى  الحصول على رغيف الخبز بسعر مناسب لمستوى المواطن المادي  في البداية ، وتنتهي بازالة الحاكم أو النظام برمته ..

هناك قول ينسب للامام علي إبن أبي طالب ، وهناك من   ينسبه الى أبي ذر الغفاري ( عجبت لمن لم يجد قوت يومه ، ولم يخرج شاهرا سيفه ) .. كلام قيل في زمانه ، وبغض النظر عن نسبه ، فهو يصلح أن يكون ( قاعدة ثورية )  في كل زمان ومكان ضد الظلم ومصادرة حق الحياة للانسان ..  ويترك دون رعاية مناسبة .. ينهكه الفقروالجوع  والمرض ، ويضطر لممارسة أشياء تخالف آدميته وإنسانيته ..

فماذا يتوقع الحاكم من شعب يرى أطفاله هائمين في الشوارع بلا مآوى ، أو يبحثون بين قمامة الاثرياء و( الزعماء ) و ( الفاسدين ) عما يسد رمقهم  وعوائلهم ، بدل أن يكونوا في الروضة والمدرسة ، ويحظون برعاية مناسبة لعمرهم واعدادهم بما يناسب حاجة الوطن لهم في المستقبل ..؟ .. وشبابه لا يجدون فرصة عمل ..؟.. وشيوخه عاجزين عن توفير الدواء ..؟..

تلك عوامل كافية تدفع الشعب الى الثورة ، وتجبر الحاكم على أن يعيد النظر في سياسته ، والدولة في برامجها لتحقيق العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة ، ويعترف للشعب  بتقصيره ، ويعتذر ، ويرحل إن لم يحقق ذلك ، وليس أن يتهم من يثور على الظلم والجوع والقهر وسلب الحرية بالتآمر ، أو التبعية لهذا الطرف أو ذاك أو بتجاهل مطالبه وكأن الأمر لا يعنيه ..

الخبز- الجوع  من العوامل الاساسية في الثورات على مر التاريخ ..

كيف  يمكن للانسان  أن يكون حرا ، ويُستعبد من الجوع والفقر والظلم .. ؟..

كان الجوع  وراء أول ثورة في التاريخ – سميث ثورة الجياع ، قام بها المصريون عام  2280 قبل الميلاد  ضد الملك  الفرعوني بيبي الثاني الذي حكم  94 عاما .. ثاروا فيها ضد  سبب الجوع  المتمثل في الظلم والفساد  والاستعباد وسوء توزيع الثروة والاستئثار بها من قبل الحاشية ، ونظموا إضرابا عاما لشل حركة البلاد واجبار الملك على الاستجابة للمطالب ..

الخبز لعب  دوره أيضا في الثورة الفرنسية .. فقد كان الجوع والفقروالقهر السياسي والاستبداد والتفاوت الطبقي والظلم  وسوء الدولة والادارة والفساد وسيطرة النبلاء ورجال الدين والكنيسة ،  وغياب العدالة عن  نظام الضرائب حيث انحصرت بعامة الناس دون النبلاء ورجال الدين عوامل أساسية في الثورة الفرنسية  التي تعتبر من أهم الاحداث  في القرن الثامن عشر ، ساهم بها المفكرون والفلاسفة ، ليس في تاريخ أوربا فقط بل في العالم أجمع  .. عوامل حركت الشعب الفرنسي للثورة على الدكتاتورية والملك الطاغي  لويس السادس عشر  والمطالبة بحقوقه المشروعة ..

عندما ينزل  المواطن الى الشارع ليقول للرئيس إرحل يعني ببساطة أن العلاقة بن الاثنين قد تغيرت ، ونفد الصبر ، وساد شعور باليأس من إصلاح الحال إن لم يتغير الرئيس أو النظام ..

يمكن أن تختزل حال القطيعة ودرجتها بين الرئيس والشعب بكلمة واحدة .. إرحل  .. ومتى ما  سمعت هذه الكلمة إعرف إن الحاكم  أو النظام انتهى ، ودرجة  الغليان وصلت الى درجة الاتقاد كما يقال في علم الفيزياء ، ولم يكن أمامه غير الرحيل  وإن أخذ التغيير بعض الوقت .

هناك فرق كبير بين رئيس ينزل الشعب الى الشارع ليقول له (إرحل ) ، ورئيس أخر يخرج الشعب عن بكرة أبيه رافضا تنحيه عن الحكم بإرادته ، ويصر على إكمال الرحلة معه الى النهاية التي يتوقعها ، وهي النصر، كما حصل مع الرئيس جمال عبد الناصر في 9 حزيران عام  1967 بعد النكسة مباشرة ليعلن تنحيه عن الرئاسة ، لكن الجماهير خرجت في تظاهرات تلقائية ترفض ذلك ،  ويستجيب عبد الناصر لارادة الشعب ، ويعد للمعركة التي توجت بنصر اكتوبر المجيد .

نزل الشعب الى الشوارع  فاطاح برؤساء  قال لهم إرحلوا فرحلوا بدءا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي في انتفاضة شعبية في كانون الاول  2010 انتقلت شرارتها الى دول عربية اخرى لتطيح بحكامها ،  ولا تزال مستمرة ، ويتجدد الربيع مرة أخرى  في ثورات لم يطالب الشعب فيها  بأكثر من حقه في الحياة  الحرة الكريمة ، ولوطنه بالنهوض والتقدم .

خرج الشباب العراقي ونزل الى الشارع ، يريد حقه في الحياة ، ونصيبه العادل من ثروته الوطنية ، ويسترجع وطنه وينقذه من الفساد والفاسدين ..

القرار بيد الشعب .. إرحل .. أو لا ترحل ..  ولا سلطة أعلى من سلطة الشعب ..  وعندما يتخذ القرار ،  يكون قطعيا ، وملزما ، ولا يتحمل التمييز ..

{  {  {

كلام مفيد :

  سئل الفيلسوف ارسطو من يصنع الطغاة ؟  فأجاب .. ضعف المظلومين ..

مشاركة