إرادتان تصارعان صوت الرأس
مزهر جبر الساعدي
ألوان الغروب، تسقط على مياه الخليج العربي.تضبب مرأى السفن، بعضها راسية وأخرى تمخر فوق المياه بأتجاهات متعاكسة على مسافة أكثر من كيلو متر عن الساحل. سفن تجارية ضخمة، ناقلات نفط عملاقة، سفن أخرى وزوارق كبيرة مختلفة الأنواع والأشكال والأغراض. الرجل القاعد على الصخرة، أمام فيه دوائر من دخان، تستمر وهي تدوم ثم تختفي دون أن تنقطع. شارد عن ما هو فيه، عيناه زاغتان. سيماؤه تنبئ الناظر إليه، أنه يتفكر، يتفكر في أعماق المياه، هناك،يتفكر بصوت يكاد يكون مسموع:-” أسماك القرش والحيتان والتماسيح، من تكوينات هذه الحيوانات أمتلاكها حواس غير موجودة عند البشر، منها،على وجه التحديد، حاسة الشم. تشم الغذاء على مسافة، ربما أكثر من كيلو متر. مثل صاروخ داخل الأعماق، تندفع إليه، تتلقفه بأشداقها قبل وصوله الى القاع، قاع البحر. فهي حيوانات، بالتحديد الحيتان تقطع ألاف الكيلو مترات من أجل الطعام. تبحث أثناء إبحارها عن مساحة بحرية ملائمة لحياتها، يتوفر فيها طعام كافي لها، يعاونها على البقاء بكامل قوتها. لذلك هي هناك الآن في الأعماق، على مسافة من الصخرة الجالس أنا عليها، أكثر قليلاً من كيلو متر، من أجل الطعام. بقايا طعام البحارة النازل من سطح السفن التجارية والحربية وناقلات النفط.” الرجل مع تدفق الكلام من فيه، لا ينفك يواصل مج دخان سيكارته. يشدّ عليها بقوة، مخافة سقوطها من بين السبابة والوسطى. هي السيكارة الأولى، لفها قبل دقائق. لم يبق منها إلا القليل.توقف لسانه عن الحركة في حلقه، في الحقيقة توقف قبل برهة عندما حاول أن يتذكر إسم نادل المقهى أومكان المقهى ، يعرف إسم النادل ومكان المقهى، تعامل معهما، النادل والمقهى لسنوات، الآن نسيّهما، لم يستطع تذكرمكان وأسم المقهى وأسم النادل.دوي شديد الوطأة عليه. تساءل:- “من أين؟.. من المياه أم من السماء”. الدوي يختفي بسرعة مثلما إبتدأ بسرعة. بعد دقائق، الدوي يدوي بقوة أكبر، أكبر بكثير، لأقل من نصف دقيقة.إضطرب الرجل لأن الأثنين في الثواني التالية تحولا الى رعد. أقل من جزء الجزء من الثانية، عقب الرعد، أنطلقت من أعماق المياه، أذناب من نار بإتجاه الشمال. أيقظته جمرة السيكارة، لسعت أصبعيه. لم يصح أذ لا شيء فيه مما سبق وكان فيه. حلّ صوت قوي النبر، محلها فيه:- “لم تدرك فداحة الوضع.إترك التدخين، وإصلح الخراب. إصح،
لتبصر الطريق قبل فوات الآوان.إدرك ما فات ولو بعد ما أنقظى الجزء الكبير من زمن التيّه الذي أنت فيه. من المهم أن تعرف حجم الخطأ الذي أدخلت نفسك فيه.أن تقف الآن وليس قبل الآن على ما يؤل إليه وضعك. شغل دماغك بأقصى ما فيه من طاقة. أجعله يبصر نتائج الخطأ”. بغتة عصفت به الريح، كادت تطيح به من على الصخرة. عاد منه إليه، الى ذات نفسه، تخلص من صوت رأسه. عقب السيكارة تحت قدميه. وسط هذه الرياح التى أشتدت فجأة، عليه المغادرة. الليل حط على المكان. قبل نصف ساعة لا أكثر. سيكارة واحدة لا تكفيه. الآن تذكرهما النادل والمقهى، نادل المقهى وهو يعطيه آخر كمية لديه قال:-” من الممكن أن ترجع بعد ساعة أو أقل، أكون خلال ذلك قد وفرت ما تحتاجه”. في كل مرة بعد أن يصحو يلوم نفسه على ما يفعله من خراب لجسده بتدخينه لهذه السكاير اللعينة.لم يستطع الفكاك منها. في البداية بإرادته سلك طريق الهاوية.أما الآن،أصبح التدخين جزءاً من مكوناته البايلوجية وحاجات جسده الفسلجية. غادر وهو في حيرة وضياع. أمام باب المقهى، ظل واقف، لم يدخل.أثنان من جنود المارينز الأمريكيين يتكلمون مع النادل. أخرون ملتحون على مقربة منهم. لم يطل به الأنتظار. دخل، النادل وحده. أخذ ما يحتاج وخرج هو الآخر. إرادتان تتنازعان في داخله، الكف عن تدخين هذه السكائر اللعينة أو الأستمرار والذي يقود الى الخراب النهائي لجسده. على بعد خطوتين من باب بيته، لم يصبر، لف ورق اللف بالحشيشة الى آخر ما فيه من مجال. أخذ يمج الدخان. لم يخرج المفتاح من جيبه. لم يشأ الدخول. أراد التدخين في الفضاء المفتوح. في هذه الأثناء عبرت من فوقه سرب من طائرات الأمريكان وهي تطلق أصواتها، أصوات مثل الرعد. عائدة من الشمال، من العراق، متجهة الى الخليج العربي. قال دون أن يفتح فاهه” الأثنان، الأمريكان والحشيشة، يسببان الدوخان ومن ثم التيّه..إستمر في التدخين، وهو يدخن، ثمة صوت في داخله، صوت رأسه، يأمره بالأقلاع عن ما هو فيه للمحافظة على ما تبقى من جسده..


















