إدموند هوسرل منهجه المعرفي

2316

إدموند هوسرل منهجه المعرفي

ونقد العقل الأداتي

عـلاء لازم العيـسى

    ليس هناك اتّفاق بين المدارس الفلسفيّة الحديثة والمعاصرة على تعريف خاصّ للفلسفة ، فلكلّ مدرسة أو قل لكلّ فيلسوف منهجه وأسلوبه في تعريفها وفي الطريق الموصل إلى الحقيقة ، ومن هنا كان للفيلسوف وعالم الرّياضيات الألماني إدموند هوسرل ( 1859 ـــ 1938 ) منهجه الخاص في فهمه للفلسفة ، وفي ممكنات المعرفة ونقدها ، ونقد العقل الأداتي .

    ولد هوسرل من أبوين يهوديين لكنه تنصّر وأصبح لوثريًّا سنة 1887  وحصل على الدكتوراه في الرياضيّات في شتاء 1882 ? ثمّ تفرّغ لدراسة الفلسفة دراسة معمّقة على يدي ( فرانس برنتانو ) الأب الروحي للفينومينولوجيا في فينّا ، ثمّ قام بالتدريس بصفته أستاذًا جامعيًّا من سنة 1887 إلى غاية 1901 . نشر في سنة 1891 كتابه  ( فلسفة الحساب ) وفيها حلّل مسائل الاختراع واستخدام الرموز العدديّة ، بيد أنّ نتاجه الفلسفي الأصيل ومؤلفه الرئيس الأول الذي أعاد بواسطته تأسيس فلسفة الفينومينولوجيا هو ( مباحث  منطقيّة ) ، وبفضل هذا المؤلف تم تعيينه سنة 1901 كأستاذ غير عادي في غوتينغن ، ولم يتسنّ له التمتّع برتبة أستاذ عادي إلّا عندما بلغ سبعًا وأربعين سنة ، أي سنة 1906  ، وعلى الرغم من أنّ صيغة فينومينولوجيا ، أو الظّاهريّة ، أو الظواهراتيّة ، قد استخدمت للمرّة الأولى منذ سنة 1764 من قبل ( جون آنيرش لامبير ) وذلك للدلالة على علم الظواهر ، فإنّها لم تصبح جزءًا أساسيًّا للفلسفة ، وعلمًا على أسس صلبة على فلسفة بأكملها إلّا مع هوسرل .    اهتمّت الفينومينولوجيا بوصف الخبرة الإنسانيّة الأساسيّة ، ومن هنا فهي معنية بالظواهر والصور الدالة على الظهور ، ومراد هذه الفلسفة أن تستكشف الظواهر التي تسلّم بها العلوم الطبيعيّة وغيرها من فروع المعرفة ، والتي تجعل من دعاوى المعرفة هذه أمورًا ممكنة لهذا السبب . وتحاول الفينومينولوجيا أن تصف كيف يتعيّن أن يبدو العالم بالنسبة للراصد البسيط ، بشرط أن يكون وصف هذا الراصد مجرّدًا من كافة المسلّمات المسبقة ، ومن كافة التوقّعات التي تمليها الاعتبارات الثقافيّة ، وبذلك فهو ـــ على رأي بعض الباحثين ـــ يضع مبدأين : أحدهما سلبي والآخر ايجابي ، فالمبدأ السلبي أنّه يجب التحرّر من كلّ رأي سابق ، لكي يتيح للعقل أن يتناول الموضوع بريئًا من كلّ واسطة مشوّهة فينظر فيه نظرًا صافيًا ، والمبدأ الايجابي يدلّ على ماهيّة هذا الموضوع إذ يقول إنّه يجب الذهاب إلى الأشياء أنفسها أي إلى الأشياء الظاهرة في الشعور ظهورًا بيّنًا .

   لقد بيّن هوسرل بفلسفته أن منهج نقد المعرفة لا يقودنا إلى الأهداف المطلوبة إلّا بعد المرور بأطوار ومراحل ، منها : إنّ معرفة الحقيقة الإنسانيّة وتعريفها بكلّ أبعادها لا يتمّ عن طريق الحقيقة العلميّة الفيزيائيّة  بل حقيقة النفس البشريّة ، أي أن نضع أمامنا أنّنا في بحثنا نقصد ما هو نفسي ، والمعيار الخاص للنفسي أو بالأصح السمة العامة الدائمة له هو أنّه قصدي ، فليس هناك من نفسي دون القصدي ؛ وهذا المفهوم أخذه هوسرل من أستاذه برنتانو ، هذا أولًا.

ممكنات المعرفة

   وثانيًا : أن نمتلك حول ممكنات المعرفة ، وحول إمكان المعرفة الخاص بها ، معارف لا يبلغها الشكّ من حيث هي كذلك ، ومعارف بالمعنى الأتمّ ذات صدق ولا يكون في صدقها مدخل للشكّ على الاطلاق ، وهو ما أطلق عليه هوسرل ( المحايثة الواقعيّة ) ، أو الفعليّة ، أي ما يعني في هذا المقام الشيء نفسه وذاته .    أما الثالث : فيجب أن يبدأ البحث الفلسفي باستبعاد أيّ فرض مهما كان مقنعًا ، وأيّ تحيّز مهما كان راسخًا ، وأيّ حكم سابق مهما بدا صحيحًا ، فذلك سبيل إقامة قضايا يقينيّة يقبلها كلّ إنسان ولا يشكّ فيها أحد ، وهذه القاعدة تذكّرنا بقاعدة البداهة في المنهج الديكارتي . ومراد هوسرل من ذلك أنّ تفسير الخبرة لا يمكن أن يتمّ وفقًا للعلاقة السببيّة التي تجعل هذه الخبرة ناجمة عن وجود الشيء أو الموضوع المادي ، بل أنّ وعينا كلّه ذو طبيعة قصديّة ، وهذا معناه أن نكون دائمًا واعين بوجود شيء ما ، ولسنا مجرّد واعين فحسب ، فأنا أرى أمامي واحة ، وأنا أتوق إلى زيادة في أجري ، ماذا أفعل وكيف أخطّط لاستثمار وجود هذه الواحة . وهذا يعني أنّ هذه الموضوعات التي نعيها ليس من الضروري أن تكون موجودة في الواقع.    وقد ضرب هوسرل مثلًا عن فلسفته بـ ( نبرة الموسيقى ) ، هذه النبرة يمكن أن تؤخذ كمثل من المحسوسات على نحو ما هي عليه مستقلّة عن المكان ، وهي تحتفظ بهويّة معيّنة ( أي تظلّ هي هي ) سواء اقتربت منها أو ابتعدت عنها ، أو أغلقت الباب بيني وبين الجهاز الذي تصدر عنه ، أو تركت الباب مفتوحًا حتى يبلغني صوتها . فكلّ هذه العوارض لا تؤثّر في حقيقة أنّ النبرة الموسيقيّة قائمة بالفعل على الرغم من كلّ اعتبارات المكانيّة ، وتشير النبرة من ناحية إلى كلّ الظروف الحركيّة التي نمت فيها  أي أنّ مظهر النبرة الموسيقيّة هو الذي يوحي بأجوائها .

    لقد اعتقد هوسرل أن النظرة النقديّة الفاحصة ، ونظرة العلوم الطبيعيّة إلى الأشياء المحسوسة تأتي في مرحلة متأخّرة عن مرحلة النظرة الظاهريّة إلى هذه الأشياء المحسوسة ، وهذا يعني أنّ كلّ تفكير ينبغي أن يبدأ بالعودة إلى وصف العالم الذي نعيشه ، والواقع أنّنا لا نستطيع أن نتبيّن وحدة أجسادنا التي نعيش بها دون أن نتبيّن وحدة الأشياء ، وتتّضح لنا حقيقة حواسنا في اللمس والنظر ابتداءً من الأشياء ، ويتقدّم العالم الخارجي بكلّ الأشياء التي يتضمّنها إلى الحواس كوجه مألوف يحمل تعبيرًا نفهمه في التو ، ولكنّ الوجه لا يعبّر عن شيء إلّا بتنظيم الألوان والأضواء التي يتكوّن منها ولا يوجد معنى نظرات الوجه وراء العينين بل يوجد فوقهما ، وتكفي لمسة لونيّة أقلّ ممّا ينبغي أو أكثر ممّا ينبغي في أيّة صورة من أجل تبديل نظراتها .       لقد كانت فينومينولوجيا هوسرل من التيارات الفلسفية الهامة في القرن العشرين ، فقد حضيت بمنزلة كبرى في الفلسفة الألمانية في العقود الأولى من القرن العشرين ، كما أنّ الهرمينوطيقا التي نظّر لها غادامير جاءت منها ، كما أثّرت في الفكر الفرنسي أيضًا إذ إن الوجوديّين الأساسيّين هيدجر وسارتر ظلّا أمينين لهذه المنهجية في وجوديّتهما.     أخيرًا فقد عاش إدموند هوسرل سنواته الأخيرة حتى وفاته وهو يحاضر عن الأزمة العقلانيّة الغربيّة عمومًا وعن الفلسفة بصورة خاصّة ، تلك الأزمة الخانقة التي عصفت في كلّ الغرب وهدّدته ببربريّة مميتة بعد وصول النازيّون إلى الحكم في ألمانيّا ، وقد جُمعت محاضراته ومقالاته حول هذا الموضوع في كتاب عُرف باسم ( كريزس ) أي الأزمة ، أزمة العلوم الأوروبيّة والإنسانيّة الأوروبيّة ، وهو يُعدّ بمثابة وصيّة مؤلّفة ، كما أنّه شهّر وفضح صناعة العقول الأداتيّة والثقافة الأداتيّة ، التي صيّرت العقل فيها مجرّد أداة لإنتاج التبعيّة والاغتراب ، وأصبح الإنسان الحامل لهذا العقل مجرّد أداة للإنتاج الاقتصادي ، وتحقيق الرّبح في مجتمع لا يتمتّع فيه الإنسان بقيمة ذاتيّة ، بل بقدرته الإنتاجيّة فقط . وبهذا انتهى بهوسرل الأمر إلى تشخيص الأزمة التي وقعت في ورطتها مختلف العلوم الإنسانيّة وعانت منها الثقافة الأوروبيّة ، والتي أدّت إلى تصدّع الذّات وتصحّر الوجود الإنساني .

مشاركة