إختصار تاريخ وموروث وعادات

قراءة  في رواية أعشـقني للأديبة الأردنية سـناء الشعـلان

إختصار تاريخ وموروث وعادات

احمـد طه حاجـو

اعشقني . يتبادر الى الذهن منذ الوهلة الاولى للقارئ انها رواية رومانسية  وتتكلم عن قصة حب فقط ..او انها خيالية وتتحدث خارج الزمن .. لكن الحقيقة انها لم تتناول قصة عاشقين فقط بل اختصرت تاريخ البشرية وموروثاتها وعاداتها ومعتقداتها وطبائعها وزيفها وآلامها وحزنها..

استطاعت الكاتبة من خلال خيالها ان تنير فكر القارئ وتأخذه لفضاء رحب من خلال ثراء روايتها بالدلالات والمعاني والصور الكثيفة فقد كانت تثير اسئلة نائمة وتحفزها على النهوض وتضع اجوبة ونراها تقفز من زمن المستقبل الى الماضي ومن الحاضر الى المجهول .

رواية اعشقني هي عبارة عن مزيج متجانس من السريالية والرمزية والواقعية والرومانسية المفرطة وايضا احتوائية اي جمعت الوضوح مع الحلم مع الافتراضية مع رسوخها بالواقع . ونرى من خلال رسائل خالد لحبيبته شمس وخزات وتنبيهات مستترة توخز بها رجولتنا وضمائرنا علنا نستفيق وننتفض للمنطق الالهي الذي يتعمد البعض تجاهله .

رشاقة الكلمة وعمقها والاسلوب البليغ لدى الكاتبة يأخذنا بين الحين والاخر لأجواء وردية رومانسية وهي بمثابة ومضات ترويحية كي تزيل الشجن والالم المثني بين طيات حياة شمس .كما ان الكاتبة اعتمدت في بناء روايتها على الخيال العلمي والافتراضية المبالغ بها والتلاعب بالزمن وهذه الفنتازية المزدوجة اضافت عنصر الدهشة والاثارة والتشويق للرواية. . وبطريقة الساحرة العارفة كانت توزع الكاتبة زهورها كما تشاء مما ادى الى شد فكر القارئ وكتمت انفاسه منذ البداية كي يبقى يقض وفارض رغبته للمواصلة في القراءة . هذه الرواية ذكرتني بمسرحية ( حياتنا السعيدة ) لبيكيت . حيث الرمزية والعمق.

اختصرت الكاتبة الشعلان النساء بشخصية شمس واظهرت كيف للمرأة ان تكون  فكانت شمس اسطورة زمانها حيث لا اتوقع من اي قارئ للرواية ان لا يقع في غرام شمس كيف لا وهي الناكرة لذاتها والمضحية والصابرة والمنتظرة لحبيبها والمخلصة له والناقمة لعادات القبيلة البالية والانظمة الغير عادلة في شتى بقاع المعمورة فقد واجهت الظلم وعبرت عن رأيها ودافعت عن حقها ولم تستسلم رغم تعرضها للتعذيب من قبل السلطة الكونية .

ثم نجد انفسنا نقف احتراما واجلالا لخالد محبوب شمس . الاسمر الذي استطاع بعفوية وعقلانية ومنطقية ان يجعل شمس تعشقه حتى النخاع وان لا ترى الدنيا الا من خلال عينيه . كانت هذه دعوة لان نعيد النظر بعلاقاتنا الانسانية وكيف يجب ان تكون . لم تكن رواية اعشقني رومانسية فقط كما اسلفت بل كانت رسالة احتوت الانسانية كلها .

الرسائل التي كان يرسلها خالد لشمس والقصص المكتوبة لابنتهم ورد التي لم تولد بعد كانت عبارة عن صورة ومعاني سخرتها الكاتبة بنسق هادف سلس كي تمرر من خلالها رسالتها الانسانية وهدفها المرجو . فقد استبعدت الكاتبة الرتابة والنمطية التي كانت من الممكن قد تولد .

وفي الفصل السابع نجد تمرد شمس على قانون حكومة المجرة عندما منعوها اطلاق شعرها التي كانت تعتبره رمز انوثتها وجمالها وتعرضت بسبب معارضتها لمجتمعها للتعذيب والسجن . كانت تلك الصورة دلالة واضحة وترجمة لاضطهاد المرآة وفق معايرمجتمعاتنا التي تصرح علنا بأحترام الحقوق وبالخفاء تفعل نقيضه .

فالرواية تعيد لنا رغبتنا النائمة نحو الاحساس بالرومانسية واللحظات الحالمة التي ينبغي ان نعيشها وايضا تحارب ما يهين انسانيتنا والمفروض علينا والذي استسلم له الاغلبية من مجتمعنا .

رواية اعشقني احتوت زمنا نعيشه بكل تفاصيله الدقيقة وتعطي لنا الحل الامثل لما يتبغي ان يكون . اذن لم تكن رواية ادبية فقط بقدر ما كانت اصلاحية ارشادية تحمل بين طياتها رسالة السمو بالانسانية المفقودة في زمننا العربي ..

كما نرى ان هناك دعوة للرجل للأحساس اكثربالمرأة واحاسيسها وآلامها ومشاعرها حيث جعلت الرجل بذهنه يحتوي جسد شمس وجعلت جسد شمس يحتوي ذهن الرجل وبهذا الانصهار بالأخر نرى ان الكاتبة اكدت بصورة سحرية على ضرورة الأحتواء والاحتياج المستمر بين الرجل والمرأة لا ماديا فقط كما متعارف عليه حاليا بل قصدت الاحتواء الفكري والروحي من قبل الطرفين كي تزهر وتنمو حياتهم وكي ينيروا طريق الابناء والمجتمع معا .

ونرى من خلال الحوارات للرجل صاحب الذهن الذي احتواه جسد شمس والتساؤلات التي اثارها والاجوبة المنطقية التي توصل اليها . ابرزت كينونة المرأة جسديا وعاطفيا ما جعلت الرجل يغير نظرته العدائية الاولى لها وحولتها الى عشق حتى النخاع وذلك لتضحيتها وسمو نفسها وبعد نظرها . كانت هناك دعوة للنساء للبحث عن الحب الخالد السامي والنقي . وظفت الكاتبة فكرتها كي تبحث بكل تفاصيل المرأة ابتداءا من الجسد واسراره حتى العلاقة الزوجية الروحية التي اعـتبرتها اســــاس الســـعادة والآمان .

الحب هو البعد الخامس للأشياء والحياة والوجود وبدونه لاحياة ولاامان ولا منطق . وتطرقت الكاتبة للغربة والعزلة الحارقة التي تعاني منها المرأة بطبيعتها وكيف تكون اسيرة لمواقفها عندما ترتبط حياتها بأنسان . واكدت الكاتبة ان سر رخاء البشرية يكمن في الايمان ورضى الخالق وعدم الخروج على طاعته وتعاليمه.

لقد كانت هناك دعوة مباشرة للرجل للغور والبحث بشؤون المرأة عندما سألته في الصلاة رقم سبعة . كيف لا تعرف كيف تسعدني ؟

والنقد اللاذع للحرب تجلى من نبض شمس لحبيبها الغائب منذ بداية الرواية والمخلوط بصورة الحرب ولوعة الانتظار المقيت والقاسية التي تعاني منها جميع نساء الارض والتي مثلتهم شمس .

كانت رواية اعشقني عبارة عن دستور منمق للعيش بحب وأمان وسلام واحساس بالآخر . لقد وفقت الكاتبة بأخذنا معها برحلتها الفضائية الافتراضية لكنها لم تعد بنا للواقع بل تركتنا نستمتع بالنجوم والجمال والسحر …

مشاركة