إتجاهات الصراع و عدم الإستقرار     1-2

363

إتجاهات الصراع و عدم الإستقرار     1-2

رؤية تحليلية في  أهم  تحديات الأمن الوطني العراقي

عماد علوّ

[email protected]

ملخص تنفيذي

يشهد العراق منذ الاحتلال الامريكي في 2003 وحتى اليوم ، أحداثاً متسارعة أحدثت تحولات جذرية وعميقة في نظامه الاقتصادي والسياسي وحتى الاجتماعي، أسفرت عن نتائج وتطورات هامة ، ووضعت أمنه الوطني أمام متطلبات وتحديات جديدة ، فرضت عليه البحث عن سبل مختلفة تمكنه من مواجهة تلك التحديات التي باتت تهدد أمنه الوطني  .ومن هنا فقد حاولنا في هذه الدراسة تسليط الضوء على أهم تحديات الامن الوطني العراقي والتي تشكل محركات (ديناميكيات) لاتجاهات الصراع وعدم الاستقرار في العراق ، مما قد يهدد وحدته الوطنية . وبالرغم من تنوع وتعدد هذه التحديات والتي تمثلت بـ (الصراع الاجتماعي ، والصراع السياسي ، الاحتجاجات وعدم الاستقرار. معاضل الجيوش الرديفة. قضية المناطق المتنازع عليها. النزوح وعدم الاستقرار الأمني، تداعيات التدخل الدولي والاقليمي ، سلبية التأثيرات المناخية ،  ) الا أنه لايزال بإمكان مؤسسات وأجهزة الأمن الوطني العراقي تلمس سبل مغادرة حالات الصراع وعدم الاستقرار التي تهدد وحدة العراق وأمنه الوطني.

   ديناميكيات الصراع الاجتماعي

دخل العراق في مرحلة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار السياسي بعد تحقيق قواته المسلحة النصر على تنظيم داعش الارهابي في تشرين الثاني / نوفمبر 2017 .  حيث شهد  ولا يزال غياب اهم مؤشرات الاستقرار السياسي الا وهي الوحدة الوطنية . فقد ظهرت لدى العديد من مكونات المجتمع العراقي  النزعات الاستقلالية و الانفصالية والصراعات الطائفية و العرقية والاثنية ، في بيئة من عدم التجانس المذهبي والقومي . ولم تتمكن القوى السياسية المهيمنة على السلطة والعملية السياسية من الاتفاق او التوافق على رؤية واستراتيجية واضحة للتعامل مع التنوع المذهبي والعرقي والثقافي من شأنها تحقيق التكامل الوطني في الدولة، وحل النزاعات والقضاء على النزعات الانفصالية . وهذا كله شكل ولا يزال تهديدا” خطيرا” للأمن الوطني العراقي ، لاسيما وأن  البيئة العراقية الغير مستقرة لا يمكن فصلها أو عزلها عن تأثيرات  البيئة الاستراتيجية الاقليمية والدولية، غير المستقرة نتيجة عوامل وديناميكيات خارجية وداخلية تهدد انظمة الحكم واستقرار وأمن مجتمعات دول الشرق الاوسط .

 إن أبرز التحديات التي تواجه الامن المجتمعي في العراق هي تحدي عدم الاندماج المجتمعي التي تفاقمت بشكل ملفت للنظر بعد الاحتلال الامريكي للعراق في 2003 ? وأدت في مراحل لاحقة الى حالة من عدم الاستقرار والصراع زادت من حدة الانقسام والتشرذم الامر الذي انعكس سلباً ليس فقط على الامن المجتمعي وحده بل على الاداء المؤسسي للوزارات الحكومية ولتصبح تلك الحالة حالة مرضية مزمنة ممكن ان تهدد مستقبل وجود الدولة ككل وكذلك وحدة العراق وأمنه الوطني.

إن عدم الاهتمام بإعادة الإعمار والمصالحة في مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم داعش الارهابي ، خلق حالة من عدم الاستقرار قد يؤدي أيضا إلى تفاقم التوترات الطائفية ، خصوصا” مع عدم تشكيل نظام عدالة جديد للتعامل مع مخلفات وتركة تأثيرات  داعش المجتمعية ، تقوم مجموعة من الجهات الفاعلة بتنفيذ العدالة الخاصة بها ضد أعضاء مشتبه بهم من داعش ، مما يخلق توترات مجتمعية ويخلق حالة عدم استقرار دائم ، نتيجة استمرار التداعيات السلبية لحالات الهجرة والتهجير التي قد تنطوي على احتمال نشوب صراع بين المجتمعات المضيفة والنازحة حول الموارد المتجددة ، وفرص العمل النادرة والخدمات العامة. وقد لوحظ في سهول نينوى ، انحياز الممثلون الدوليون بشكل مفرط بتقديم المساعدات والدعم الى الايزيديين والمسيحيين ، دون غيرهم  مما يخلق عدم مساواة بين المجتمعات وهذا يخلق توترات بين المجتمعات التي قد تعزز الانقسامات وتؤدي إلى الصراع ، في ظروف قلة الدخل ، وانعدام الأمن الغذائي والمائي ، والضغط على الموارد النادرة الشحيحة ، والمخاطرة بتزايد التوترات داخل المجتمعات وفيما بينها ، مما قد يدفع قوى سياسية مناطقية الى المطالبة بإنشاء فيدراليات جديدة ، حيث تسمح المادة 119 من الدستور العراقي بتشكيل مناطق فيدرالية جديدة من خلال استفتاء في المحافظة / المقاطعات إذا طلبها ثلث أعضاء المجلس في كل محافظة معنيًا بتشكيل منطقة أو عُشر الناخبين. في كل محافظة من المحافظات التي تعتزم تشكيل منطقة او اقليم فدرالي، في حين أن القانون 21 ? الذي صدر في عام 2008 ومراجع في عام 2013 ? يسمح بتفويض القوى المهمة للمحافظات . ومن الجدير بالذكر أن العديد من المحافظات – بما في ذلك الأنبار والبصرة وديالى وكركوك ونينوى وصلاح الدين – تحدثت أو حاولت الحصول على مزيد من الاستقلالية ، باعتباره حق دستوري . من المهم أن نلاحظ أن الدعوات إلى تطبيق الفيدرالية في بعض المحافظات ، ليست من أجل الانقسام الطائفي للعراق ، ولكن من الأقاليم التي تشعر أنها قد تم تجاهلها ، ولا سيما من منظور تنموي ، أو تشعر أن الحكومة المركزية فشلت في تحقيق إنجاز اقتصادي رئيسي. والأهداف التنموية. تعتبر البصرة مثالاً جيدًا لمحافظة تسعى إلى الحكم الذاتي بناءً على هذه المبادئ. لقد تحولت الاحتجاجات في البصرة إلى عنف وتهديدات من السياسيين في البصرة بأنهم سيسيطرون على حقول النفط ويتجاوزون سيطرة بغداد ، يعني أن الصراع ، كما يشهد مع الأكراد في كركوك ، هو سيناريو غير مستبعد في ضوء عجز الحكومة الاتحادية والقوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية باحتواء تلك التوترات. يضاف الى ذلك لمسنا جملة من ديناميكيات الصراع الاجتماعي  كان من ابرزها ما يلي :

النزعات الطائفية والمذهبية والعرقية وتمظهرها بعمليات التغيير الديمغرافي والتطهير العرقي وصولا” الى الاستفتاء الكردي الفاشل ، الذي دفع الحكومة الاتحادية لاستعادة السيطرة على المناطق المتنازع عليها .

 التطرف المذهبي العنيف والإرهاب في المجتمع العراقي نتيجة ضعف نظام الحكم بعد عام 2003.

 عسكرة المجتمع وتصاعد تأثير الفصائل المسلحة خارج سيطرة الدولة .

حركة الاحتجاج في جنوب ووسط العراق.

تعاظم تأثيرات الفساد الاداري والمالي وتحوله الى ثقافة في العديد من مفاصل الجهاز الاداري.

عودة التوترات المجتمعية والعشائرية الى التمظهر بشكل عنف مسلح في بعض مناطق العراق.

التدهور البيئي والزراعي وانخفاض الموارد المائية والنقص التاريخي للاستثمار في البنية التحتية.

استمرار التداعيات السلبية للتهجير والهجرة في خلق توترات بين المجتمعات .

زيادة معدلات البطالة .

كل تلك الديناميكيات وربما غيرها وفرت فرصة كبيرة  لانعدام الأمن والاستقرار بل ودوافع للصراع وتهديد السلم الاهلي في العراق . لذلك فإن التصدي لديناميكيات الصراع الاجتماعي ، وما افرزته من تطرف عنيف وارهاب في أوساط المجتمع العراقي ، يتطلب التغلب على فشل الدولة العراقية في كسب ثقة ودعم قطاعات واسعة من الشعب العراقي..

ديناميكيات الصراع السياسي

لقد بات واضحا” لكل المراقبين للمشهد السياسي العراقي أن كل التحالفات السياسية فشلت في الوفاء بمطالب الناخبين. كما أن التوترات بين رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي والقوى السياسية المدعومة من قبل قطاعات كبيرة من قوات الحشد الشعبي (PMF) ? تطرح قضية في المعارضة أو في السلطة، وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى نشوب صراع وعدم الاستقرار ، لاسيما بعد اتخاذ واشنطن وطهران من العراق ساحة لتصفية حساباتهما باستخدام أدوات محلية ذات صلة بالعملية السياسية في العراق ليصل الحال الى المواجهة المسلحة في بعض الاحيان ..

وفي إحاطتها الى مجلس الأمن الدولي بتاريخ 26 آب 2020? ذكرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق السيدة جينين هينيس-بلاسخارت ، ” لقد تمت صياغة الدستور العراقي تحت ضغط كبير من الوقت في عام 2005? وكُرّسَت المبادئ العامة في النص مع ترك تنفيذها ليتم تحديده من خلال التشريعات الداعمة اللاحقة.ولكن بعد خمسة عشر عامًا، لا يزال هذا النقص في التحديد يُشّكّل الجدال بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. خمسة عشر عاماً دون اتفاق على التعزيز التدريجي للنظام الاتحادي؛ خمسة عشر عاماً من دون اتفاق بشأن توزيع الموارد الطبيعية أو حول المناطق المتنازع عليها؛ وخمسة عشر عاماً لم تُسَن القوانين التي تحدد بوضوح حقوق والتزامات كل من بغداد وأربيل.” ان عدم حل القضايا العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان يمكن أن تؤدي إلى صراع إذا زاد عدم الاستقرار في العراق.

إن فشل الحكومات منذ عام 2017 في احتواء حركة الاحتجاج الشعبية التي نشأت في الوسط والجنوب ، وعدم الاستقرار الناجم عن ذلك ، مصدر قلق للعراق ، حيث تمثل حقول النفط في البصرة ومحطة تصدير البحر ما يقدر بنحو 95? من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ، علما” أن العديد ممن تطوع للقتال ضد تنظيم داعش وساهم بالنصر عليه كانوا من الوسط والجنوب  وعادوا إلى منازلهم مسلحين وبتدريب وخبرة عسكرية ، الا أن انعدام فرص العمل ووسائل كسب العيش وغياب الخدمات ، خلق مساحة في النمو للسلاح المنفلت والشبكات الإجرامية. بالإضافة الى القيود التي فرضها وباء كوفيد -19? فقد أدت هذه العوامل بالفعل إلى العنف ويمكن أن تتدهور أكثر مع استمرار حركة الاحتجاج. إن انعدام الامن وعدم الاستقرار من شأنه أن يزود “داعش” بفضاء متزايد للعمل في المناطق التي ما زالت يحتفظ بوجود فيها. كما أن استمرار الاحزاب والقوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية العراقية تنتهج سياسات قصيرة النظر وسياسات المحصلة الصفرية في محاولة لاختطاف المطالب المشروعة للشعب العراقي وهو ما يشكل عقبات رئيسة أمام التقدم.

وفي هذه الظروف المعقدة ، كرر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في زيارته الأخيرة لمدينة البصرة تعهداته بإجراء انتخابات مبكرة ونزيهة، إيفاء” لجزء من وعود برنامج الحكومة عند تكليفه برئاستها، إلا أن الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة التي رافقتها سطوة فيروس كوفيد -19? على الواقع الصحي في البلد، تضع العديد من علامات الاستفهام أمام  إمكانية إجراء انتخابات مبكرة . ومن الجدير بالذكر أن قطاعات واسعة من المجتمع العراقي كانت قد فقدت الثقة ، وتراجعت مشاركتها بالعملية الانتخابية ، في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيار/مايو 2018 ? حيث كان التراجع منخفضاً جداً عند 44.5? ? وفي العاصمة بغداد ، كان منخفضاً إلى حد 33?. كما لم يكن هناك فائز واضح في الانتخابات ، أو مسار واضح نحو تشكيل ائتلاف كبير ، بسبب الانشقاق في حزب الدعوة ، بالإضافة الى التقاطعات بين المجموعات السياسية المتنافسة التي عجزت عن ??تشكيل ائتلاف كبير أو ما يسمى بـ(الكتلة الاكبر). علاوة على ذلك ، كانت هناك اتهامات بالاحتيال والتزوير في الانتخابات مع العديد من النتائج المتنازع عليها .  ان انخفاض نسبة المشاركة سيكون متوقعا” في الانتخابات المبكرة المقرر اجرائها في حزيران 2021 ? وذلك بسبب فقدان السكان إيمانهم  وثقتهم ، بأن أي من هذه الأحزاب يمكن أن يعالج المشاكل والتحديات التي يعاني منها العراق ، وبالتالي ، فإن هذا لا يجعل تشكيل حكومة على ضوء نتائج الانتخابات مهمة صعبة فحسب ، ولكن يمكن أن يجهد أي ائتلاف قد يجري تشكيله ، ويؤدي إلى مزيد من الاحتجاجات وبالتالي عدم الاستقرار والعنف.

الاحتجاجات وعدم الاستقرار

شهد العراق ومنذ مطلع شهر شباط/فبراير عام 2011 ? موجة من الاحتجاجات الشعبية بدأت متأثرة بالاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 بعد سبعة عشر عامًا من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق ، تراكم العوامل – بما في ذلك آثار الانهيار الاقتصادي والفساد المستشري والتدهور البيئي الشديد والعنف القبلي والإجرامي ونقص الاستثمار في البنية التحتية ونقص فرص العمل وسوء الإدارة وتوفير الخدمات – أدى إلى فقدان ثقة الناس في النظام السياسي التقليدي وقادته. إن عدم الرضا عن النظام السياسي واضح في البصرة ، حيث صوت 14.4? فقط من الناخبين المؤهلين في الانتخابات البرلمانية لعام 2018.  في وقت كانت فيه الاوضاع في العراق تشهد تفاقمًا في الأزمة الاجتماعية، ويشهد الوضع السياسي ازديادًا في التعقيد، دفعت الى تفاقم الحركات الاجتماعية و الاحتجاجية التي عمت عدد من محافظات العراق ومن ضمنها العاصمة بغداد . هذه التحولات في الحراك المجتمعي وارتباطها بالتحولات في المشهد السياسي، اكتسبت أهمية استثنائية، كونها تعكس جوهر الصراع المحتدم، بتجلياته السياسية والاجتماعية، واحتمالاته المفتوحة على أكثر من مآل، أدت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 الى اندلاع تظاهرات شعبية واسعة النطاق شهدتها المحافظات العراقية الوسطى والجنوبية ، احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد الإداري والبطالة ، واحتكار فرص العمل للأحزاب والقوى السياسية المتنفذة وتردي الخدمات الصحية والتعليمية والتباطؤ في اصلاح او اعادة اعمار البنى التحتية مثل شبكات الطاقة الكهربائية والماء والصرف الصحي . حكومة عادل عبد المهدي حاولت قمع تلك التظاهرات باستخدام العنف المفرط ، مما أدى الى استقالتها في النهاية ، وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة مصطفى الكاظمي الذي كان يشغل منصب مدير جهاز المخابرات العراقي ، والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة.. الا ان اللافت في سياق هذه التظاهرات واسعة النطاق دخول المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف بقوة في تأييدها لمطالب المتظاهرين  و تأكيد المرجع الديني الشيعي الأعلى في “العراق”? آية الله السيد “علي السيستاني”? على رفضه تدخلات القوى الخارجية لفرض رأيها على المتظاهرين في بلاده، في إشارة إلى “الولايات المتحدة” و ”إيران” ?كما شددت المرجعية الدينية العليا على ضرورة احترام ارادة الشعب في اختياره لشكل نظام الحكم و” إن التغيير “موكول إلى اختيار الشعب العراقي، وليس لأي شخص أو مجموعة أو جهة بتوجه معين، أو أي طرف إقليمي أو دولي أن يصادر إرادة العراقيين في ذلك، ويفرض رأيه عليهم”. استنادا” الى ما سبق فان حركة الاحتجاجات التي اندلعت في تشرين الاول 2019 ? كانت حركة مطلبية ، ولم تكن ذات طبيعة إثنوسكتيكية(Ethno sectarian Non) بمعنى ليست ذات طبيعة عرقية طائفية. . ان الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية الكبيرة ، التي يشهدها العراق اليوم ، كانت تعبيرا” واضحا” عن حالة الصراع، الذي هو أساس التطور في وعي المجتمع العراقي باتجاه ضرورة التغيير واصلاح النظام السياسي القائم على اساس المحاصصة الطائفية ، وهو على الدوام، شيء غير ثابت، ومرتبط بتطور الأزمات الاجتماعية والسياسية وسواها، ومن الطبيعي القول إن الأزمة الاجتماعية والسياسية التي شهدها العراق في اعقاب الغزو الامريكي عام 2003? ارتبطت بمعاناة الناس المريرة في سائر ميادين الحياة، وهي التي أدت إلى عواقب اشتداد الصراع (الذي تمثل بتفاقم واستمرار الحركات الاجتماعية والاحتجاج)  الذي لا يمكن حله إلا بالتغيير.   والتغيير المطلوب في العراق يعني، جوهريًا، ولادة جديد، وهي «عملية عسيرة ومعقدة تتم، عادة، في سياق الصراع بين القوى والاحزاب والتيارات السياسية التي تسلمت الحكم بعد الغزو الامريكي للعراق في 2003? التي تحاول الحفاظ على امتيازاتها بالاستناد الى ثقافة المحاصصة الطائفية ، وقوى تتطلع إلى المستقبل، ساعية إلى التغيير ، وبناء الجديد المتقدم، المنفتح على الاغتناء والتطور .وعلى الرغم من أن الاحتجاجات كانت ظاهرة شائعة في العراق ، إلا أن الاحتجاجات الحالية في الوسط والجنوب تصاعدت أكثر من الاحتجاجات السابقة ويخشى عدم الاستقرار الخطير.

إن وجود عراق مستقر دون نزاع بين السكان والدولة ، فضلاً عن ثقافة انعدام القانون ، مهم في منع عودة ظهور تنظيم داعش الارهابي الذي قد يجد في جائحة وباء كوفيد-19 و حالة  انتشار الاحتجاجات وانتقال القوات إلى الجنوب ، المقترن بالعنف فضاء متزايد للأعمال الارهابية وتهديد الامن والاستقرار في العراق.

معاضل قطاع الامن الوطني العراقي

شخصت استراتيجية الامن الوطني العراقي ، والتي صادق عليها مجلس الامن الوطني العراقي بجلسته رقم (21) في تشرين الاول 2015 ?  ومجلس الوزراء في جلسته الاعتيادية رقم(66) بتاريخ 1/3/2016 ?معاضل قطاع الامن الوطني العراقي وضرورة اجراء اصلاح شامل لهذا القطاع المهم وصولا الى انفاذ القانون وتحقيق العدالة لجميع العراقيين . وعند مراجعة ملف الأمن في العراق، نجد أن الأمن لا يسير بخط متوازٍ واحد، بل هناك مستويات متباينة جدا. ففي الوقت الذي حقق قطاع الامن الوطني العراقي بأجهزته العسكرية والامنية انتصارا” حاسما” على تنظيم داعش الارهابي ، فان الأمن والاستقرار داخل المدن العراقية لايزال يتعرض إلى الخروقات وإلى التراجع. ومن ابرز معاضل وتحديات قطاع الامن الوطني العراقي ما يلي :

عدم اكتمال وتشريع القوانين التي تنظم عمل المؤسسات العسكرية والأمنية .

تعدد وكثرة مؤسسات الأمن في العراق ، وهناك تقاطع في المهام والواجبات، وتداخل في ساحات العمل، وهذا يعني مشكلة بنيوية في هيكلية قطاع الامن الوطن العراقي تمظهرت بانعدام المركزية والتنسيق والتعاون بين تلك المؤسسات.

عدم وضوح الاستراتيجيات والسياسات وسياقات العمل لبعض المؤسسات الامنية والعسكرية .

الفساد الاداري والمالي وضعف الرقابة ، والتدخلات السياسية في عمل الاجهزة والمؤسسات الامنية.

نقص واضح في مهارات الموارد البشرية في بعض التخصصات العلمية والتكنولوجية .

ضعف الثقة وانحسار التعاون بين المؤسسات الامنية والعسكرية والمواطنين .

التداخل وضعف التنسيق والتعاون والتكامل بين المؤسسات والاجهزة الاستخبارية .

غياب منظومة قيادة وسيطرة مركزية تتمتع بصلاحيات تمكنها من حشد موارد البلاد البشرية والمادية والعسكرية لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية .

زيادة حدة التوترات بين الاجهزة الامنية والعسكرية الاتحادية وقوات البيشمركة الكردية وبعض قوات الحشد الشعبي .

معاضل الجيوش الرديفة

لم يغب عن انظار ووعي الشعب العراقي والمراقبين المهتمين بالشأن العراقي التوترات التي طالما حصلت ولا تزال بين الجيش الاتحادي العراقي والاجهزة الامنية الاتحادية من جهة وبين قوات البيشمركة و قوات الحشد الشعبي من جهة أخرى ، لأسباب وخلفيات سياسية . في وقت تصاعد فيه حجم التأييد الجماهيري لكل من قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة بشكل كبير في أعقاب هزيمة داعش الارهابي ، الأمر الذي جعل من طروحات تسريح أو دمج قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة بالمؤسسة العسكرية العراقية الاتحادية ، مهمة صعبة المنال على الأقل في الوقت الراهن. من جهة اخرى تحتاج الحكومة الاتحادية إلى الأحزاب التي ترتبط بها قوات البيشمركة و الحشد الشعبي للحفاظ على استمرارية الحكومة ، ونجاحها في تطبيق برامجها ، مما يمنح تلك الاحزاب والتشكيلات المسلحة المرتبطة بها الكثير من القوة لدفع أجندتهم الخاصة.  الا أن الطبيعة المنقسمة والفردية لقوات البيشمركة و تشكيلات الحشد الشعبي والتي برزت بوضوح بالنسبة للبيشمركة اثر دخول القوات الاتحادية مدينة كركوك واستعادة المناطق المتنازع عليها في تشرين الاول 2017? وكذلك بالنسبة لتشكيلات الحشد الشعبي  اثر استشهاد الحاج ابو مهدي المهندس في 3/1/2020 ? كل تلك العوامل قد تضع في الحسبان ترجيح انخراطها في نزاع عنيف . كما أن الطبيعة الاثنية لقوات البيشمركة وكذلك لبعض الفصائل ضمن قوات الحشد الشعبي (التركمان، الشبك ، المسيحيين، الايزيديين)، قد يعني أيضا أن هناك فرصة أكبر للدخول في صراعات عرقية واثنية بوجود السلاح بيد قوى سياسية تدعي تمثيل تلك المكونات في مناطق مثل كركوك ، وسنجار وسهل نينوى.

قضية المناطق المتنازع عليها

إن المناطق المتنازع عليها في العراق هي تلك المناطق التي تغيرت حدودها من قبل النظام السابق وهي تشمل مناطق في محافظة كركوك وديالى ونينوى وصلاح الدين ومقاطعات في إقليم كردستان العراق حيث يختلف حول ملكية هذه المناطق. ولم تنجح اي حكومة في التوصل الى تنفيذ آليات لحل مشكلة المناطق المتنازع عليها ووضع حل رضائي ينهي التنافس بين القوميات الإثنية الطائفية المتنافسة حول ملكية الأراضي داخل المناطق المتنازع عليها ، مما أدى في بعض الاحيان الى نشوب صراعات عنيفة ، في وقت تظل قضية السيطرة على تلك المناطق دون حل. وقد أدى التنافس بين حكومة اقليم كردستان والحكومة الاتحادية للسيطرة على منطقة كركوك الغنية بالنفط إلى نزاع مسلح بين البيشمركة من جهة وبين الجيش العراقي، أدى الى سيطرة القوات المسلحة الاتحادية على المنطقة في تشرين الاول /اكتوبر 2017? الا إن القضايا المتعلقة بالملكية لأراضي منطقة كركوك ومناطق متنازع عليها أخرى بين سكان تلك المناطق ، لا تزال قائمة ولم يتم حل النزاع حولها مما يجعل من احتمالات تحول النزاع الى عنف مسلح واردة جدا” الأمر الذي يهدد التعايش السلمي والسلم الاهلي .. ومما يزيد من حدة التوتر في المناطق المتنازع عليها ، حالات التمييز الذي تقوم به المنظمات الدولية في تقديم الدعم والمساعدة داخل بعض المناطق المتنازع عليها خاصة في سهول نينوى ، حيث  تميل المساعدة إلى التركيز على المسيحيين واليزيديين ، بينما تتجاهل بشكل كبير الشبك والعرب في نفس المنطقة ، و هذا يخلق توترات بين المجتمعات و تعزز فرص الانقسام واحتمالات الصراع المجتمعي .

النزوح وعدم الاستقرار الأمني

تنتشر العشرات من مخيمات النزوح في العراق منذ عام 2014? ويتركز وجود هذه المخيمات في الوسط والشمال، والتي أنشئت عقب أحداث 2014? وما تبع ذلك من معارك ضارية بين القوات الحكومية وعناصر تنظيم داعش الارهابي، معارك أجبرت أكثر من خمسة ملايين شخص على النزوح من ديارهم والإقامة في مخيمات لا تتوفر فيها مستلزمات العيش والاقامة اللائقة . وفي إحاطتها الى مجلس الأمن الدولي بتاريخ 26 آب 2020? ذكرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق السيدة جينين هينيس-بلاسخارت ” النازحين العراقيين المتبقين البالغ عددهم 1.4 مليون، والذي وصل الآن إلى أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات. من المفهوم أن يرغب كل عراقي في العيش في بلد بلا مخيمات نزوح ولكن هذه المخيمات لن تختفي حتى يتم إيجاد حلول دائمة.” أن عودة النازحين بشكل كامل مرهونة بتوفير الخدمات وإعمار المنازل المدمرة، لكن قلة الموارد المالية وبطء عمليات تأهيل البنى التحتية للمدن المدمرة تعد العائق الرئيسي أمام عودة النازحين، وهذا عامل يمكن أن يخلق الصراع وعدم الاستقرار، علاوة على ذلك ، فإن عدم وجود عمليات لتحقيق المصالحة في المناطق المتعددة الأعراق والطوائف ستكون مبعثا” للعنف الدوري في العراق بين أطراف متعددة تخلق حالة من عدم الاستقرار ، وفي نفس الوقت تتجاهل احتياجات السكان المحليين . ولذلك فان ملف النازحين والمخيمات سيظل مشكلة قائمة في العراق لسنوات قادمة، في وقت باتت فيه المخيمات أرضا خصبة للتزوير في الانتخابات ، فضلا عن أنها تشكل ثغرة للفساد وتبييض الأموال من قبل الحكومات المحلية والمنظمات على حد سواء. وما لم تقوم الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية بمعالجة واقع مخيمات النزوح تلك وتعمل على إعادة النازحين إلى ديارهم، فإن السنوات القادمة ستشهد نشأة جيل جديد عاطل عن العمل، فضلا عن افتقاره لأبسط حقوق المواطنة وأبسط مستلزمات الحياة الكريمة أولها التعليم والسكن والخدمات.

إن بعض معاضل النازحين في العراق تتمثل في صعوبات العودة إلى مساكنهم بسبب الأضرار الكبيرة و / أو عدم وجود وثائق قانونية للمنازل ، وفي بعض الحالات تشغل منازلهم. إن المنافسة المعززة على الموارد وملكية الأراضي ومحدودية سُبل المعيشة في المناطق ذات الأمن الضعيف من المحتمل أن تؤدي إلى صراع بين الطوائف مع عودة المزيد من الناس دون استثمار كبير في العملية .

مشاركة