

مروان ياسين الدليمي
( 1 ) غرفة تتنفس ببطء
أنا
مجردُ ظلٍّ تأخّر عن موعده
فأغلقَ النهارُ البابَ في وجهي،
ومُنذُها،
والعالمُ يجهل أنني لم أمت بعد،
بل عُلّقتُ
بين حافةِ كرسي مكسور
وصورةٍ
تنزفُ خبزًا
على الجدار.

كل صباحٍ،
أكشطُ الصمت عن وجه الساعة،
علّها تعود لتدقَّ…
لكن عقاربها تلعق أحلامي
ككلبٍ شريدٍ أضاع أسماء الأرصفة.
ليس لدي عمل.
لكنّ الجوعَ يوظفني كل يوم
في حفر الهواء،
وزرعِ الخيبة
في تربةٍ بلا سماء.
الليل
عدوّي الذي لا يكبر،
يدخل غرفتي
ويستلقي على ضلوعي،
يبثُّ الكوابيس عبر ثقوب الوسادة
ويراقبني
وأنا أحسد النائمين
كما تحسد الذئابُ الغزلانَ المطمئنة.
زوجتي…
تمشي في البيت مثل ورقة خريف
تحاول أن لا تُسمِعَ وجعَها للحيطان،
لكن الجدران تصرخ بصوت صدرها،
تسعلُ الحياةَ…
قطرةً قطرة.

ابني
عاطل عن العمل أيضًا،
لكنه ما زال يرتدي ابتسامةً
كي لا تذبل أمّه،
يقف كل صباحٍ أمام المرآة يصلّي
لصورة
لم يولد فيها فقيرًا.
نحن ثلاثة
نعيش غرباء في مدينةٍ بلا ذاكرة،
كل شارع فيها يمشي عاريًا
ولا يسأل عنّا أحد.
وكل ما أملك
هو أن لا أملك.
كل ما أحلم به
أن أنسى ما أحلم به
كي لا يخذلني الحلمُ حين يُفيق.
( 2 ) أصوات لا تُرى
هذا البيت…
كان صغيرًا كفاية
ليحمل أحلامنا على كتفيه،
والآن،
صار يتنفّس بثقل عجوز
ينسى الأسماء،
ويكحُّ كلما مرّ الشتاء من تحته.

المطبخ
صحنٌ وحيد على الطاولة
يعرفني بالاسم،
يسألني كل مساء
لماذا لا أضع فيه شيئًا يؤكل؟
أجيبه: لأن الرغيف صار غريبًا،
يأتي بلهجةٍ لا أفهمها
ويرحل قبل أن أمدّ إليه جوعي.
الجدار الذي بجوار النافذة يرتجف،
حين يسمع صوت زوجتي تبتهلُ
بصوتٍ منخفض،
كأنها لا تريد أن توقظ الله.
الغبار على رفوف الكتب
أخذَ هيئة معلّقٍ منسي،
كان يكتب قصائد عن المطر،
ثم نسي كيف يُمسك القلم.
أنا
أحادث الضوء حين يتسلّل وأقول له:
خذني معك،
خذني إلى الخارج،
إلى هناك،
حيث يمشي الناسُ على أرصفة
لا تنهار تحت أقدامهم.
لكن الضوء جبان،
يهرب حين يرى في عينيّ
انعكاس الهاوية.
الكرسي يتنهّد،
كلّما جلستُ عليه
ليكتبني الفراغ على شكلِ رجل
يبحث عن عمل في جيبِ قميصٍ قديم.
والمرايا؟
لا تعكسني كما أنا،
بل كما كنت:
شابًا يصدّق أن القصيدة أقوى من الجوع،
وأطول عمرًا من القلق.

( 3 ) الأمل يمشي حافياً
الوقت…
ليس ساعة،
بل سكين باردة تحزّ يومي على مهل،
تقطّعه إلى أجزاء أقل من أن تُطبخ،
وأكثر من أن تُنسى.
عندما أخرج من البيت،
أشمّ طعم الانتظار في الهواء،
له رائحة الرطوبة في ملابس خزانة منسيّة،
وله ملمس يدٍ لا تصافح،
بل تبحث عن شيءٍ لتسنده.
المدينة التي نسكنها
مدينة بلا أيدٍ،
لا تلوّح،
لا تستقبل،
تضعف شمسها عند الفجر
وتدّعي الضياء كاذبة.
أقف في الطابور
كمن ينتظر اعتذارًا من القدر،
لكن الموظف خلف الزجاج
ينظر إليّ
كما لو أنني خطأ مطبعي في طلب وظيفة.
الأمل يأتي أحيانًا،
يمشي حافيًا
ويطرق الباب كطفل خجول،
فأفتحه له،
لكنّه يدخل فقط ليتفقد الغرفة
ثم يعتذر…
ويخرج.

زوجتي نائمة،
لكن النوم خائفٌ منها،
يقف على حافة جفنها،
يتفقد جروحها
كمن يقرأ تاريخًا مكتوبًا بقطراتٍ باردة.
ابني
يشرب القهوة مرّتين كل صباح،
واحدة ليصحو،
وأخرى ليحزن .
أما أنا،
فأكتب على الحائط أسماءَ الوظائف
كأنني أرسم تمائمَ ضدّ العدم،
لكن الجدار لا يستجيب،
والمحبرة في قلبي جفّت
من كثرةِ محاولاتي لرسم شجرة
على صحراء.
( 4 ) الهاتف الذي نسي كيف يرن
لم يعد هاتفي يرن.
كأن العالم
استعاد صوته من عندي،
وسحب المدى من بين أصابعي.
كان بالأمس
ينبح كجروٍ جائع،
يركض على الطاولة،
يوقظني من نومٍ لم أكن أحصل عليه،
يرتجف من زحمة الأسماء
والتهاني
والدعوات المعلّقة كحلوى في عيد ميلاد غير مكتمل.
الآن…
هو مجرد قطعة بلا لسان،
ساكنٌ كقبرٍ بلا شاهد،
أمسح شاشته،
علّني أجد وجهًا
أو خيبة قديمة
تتوسل أن أصدّقها من جديد.
كل من كانوا “معي”
مرّوا كحروفٍ مؤقتة على شاشة صغيرة،
سحبهم الضوء،
وتركوني للظلّ.
لا أحد يسأل إن كنت ما زلت أتنفّس،
أو إن كان الجوع قد تراجع عن عناده،
أو إن كانت القصيدة قد وُلِدت في المساء
ثم ماتت فجراً دون عزاء.
أدركت متأخرًا
أن الذكريات لا تطبخ العشاء،
ولا تغسل الصحن،
ولا تواسي أبا
قلقًا من الغد.
الذكريات خدعة مهذّبة.
كأنْ تجلس مع ضيف لا يحمل شيئًا،
لكنه يتكلم كثيرًا،
دون أن يمدّ لك كسرة وعدٍ صالحة للهضم.
لا أريدها.
أريد شيئًا حاضرًا،
يمشي على قدمين
ويضع في جيبي قطعة خبزٍ صغيرة،
أو على الأقل،
يناديني باسمي
كما كان يفعل الهاتفُ
قبل أن تُغلَق كل الأرقام بابها عليّ.
( 5 ) أكتب كي لا أموت صامتًا
أحلُمُ،
ولا أعرف إن كنتُ أرتكب خطيئة جديدة.
هل يجوز لي أن أحلُمَ
وأنا لا أملك ثمن غدٍ واحد؟
هل يجوز أن أكتب قصيدة
بينما الثلاجة تعوي مِثلَ كلبٍ جائع؟
بينما زوجتي
تنام تحت غطاء خفيف
يشبه صلاةً منسية؟
القصيدة
ليست كلمات.
إنها أنفاسي حين تضيق،
ارتجافة يدي
حين أمدّها ولا أُمسك شيئًا
سوى الورق.

في داخلي
رغبةٌ بأن أكتب قصيدة دون أن أوجِع أحدا،
أن أكتب كما تُغنّي طيورالسنونو على سلكِ كهرباء،
لا تخشى أن تُصعق،
ولا تفكر إن كان الغناء نافعًا.
أحلم أن يعود ابني
من العمل كل مساء،
بصوتٍ مبحوحٍ من التعب،
لكن بعينين تضحكان،
فيقول: “أبي،
اليوم كانت الحياة عادلةً قليلاً.”
أحلم أن ترى زوجتي حفيدًا،
فتبتسم
كما تبتسم الحقول بعد المطر،
تنسى مرض السرطان
تنسى أورامها للحظة،
وتسقي الأرض بحكاية جديدة.
وأنا ؟
لا أريد أكثر من أن أجلس
على المائدة معهم،
ثلاثتنا فقط،
نتقاسم طعامًا بسيطًا،
ونضحك،
ثم ننام،
ونحلم دون أن نحسب
ثمن الحلم.
أحلم
أن من يقرأ قصيدتي
لا يبكي،
بل يغنّي،
أو يوقظ حلمًا قديمًا نسيه في الدُّرج،
أو يُمسك بيد من يحب
ويقول: “ما زال هناك معنى.”
وإن مُتّ،
فقط دعوني أموت
وفي عينيّ تلك الابتسامة…
التي كنتُ أبحث عنها
كل هذه السنوات.
( 6 ) في النهاية، لا أحد ينتظرني
لم يعد هناك من يطرق الباب.
حتى الريح…
تمرُّ أمام النافذة،
وتشيحُ بوجهها عني .
أنا وحدي.
لكنّ الوحدة صارت أكثرَ من شعور.
إنها الآن كرسيٌّ خامسٌ لا أحد يجلس عليه،
ورابعُ طبقٍ على المائدة يبقى نظيفًا.
في البداية،
كنت أكتب كي أبني جسرًا نحو المعنى.
الآن، أكتب لأدفن نفسي
بكلماتٍ ناعمة،
كأكفانٍ مصنوعة من الحروف.
ما عدت أؤمن
أن الشعر يولد من الجوع،
الجوع لا يكتب،
بل يلتهم.
والقصيدة، حين تكتبها المعدة،
تفوح برائحة الرماد.
أحتاج سلامًا،
ولو بحجم لحظةٍ
أضع فيها رأسي على الوسادة
دون أن أُفكّر
إن كنت سأستطيع شراء دواء زوجتي غدًا.
الأمنية ؟
أمنيةٌ واحدة،… لا أكثر،
ضوءٌ صغيرٌ
لا يفضح فقري
ولا يكشف وجعي ،
بل فقط…
يمنحني القدرة على أن أبتسم
قبل أن أغفو.
في المدينة،
كل شيء يمشي بسرعة،
إلا قلبي،
يمشي على عكاز
ويخشى أن يسقط.
القصيدة هذه،
ليست قصيدة.
إنها وصيتي،
إنها رغبة في أن أُترك قليلًا
بين سطورٍ لا تنتمي لأحد،
ولا تُسأل عن وظيفة.
حين أرحل،
لا تحزنوا،
ارفعوا هذه الكلمات إلى ضوءٍ
يستطيع أن يُدَفِّئَ أحدًا.
واهمسوا للعالم:
مرّ من هنا رجل
لم يكن شاعرًا،
ولا بائع أحلام،
بل فقط… أبٌ
كان يجرّ الحياة من طرفها المهترئ،
ويكتب
كي لا يسقط أحد من عائلته
في الهاوية
قبله.



















