أُشكر الله على صغير رَحماته – عبد الهادي كاظم الحميري

226

زمان جديد

داهم‭ ‬الصيف‭ ‬العراقيون‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬والخدمات‭ ‬على‭ ‬وضعها،‭ ‬والبطالة‭ ‬على‭ ‬وضعها،‭ ‬والفساد‭ ‬على‭ ‬وضعه،‭ ‬والساسة‭ ‬الماكرون‭ ‬على‭ ‬وضعهم،‭ ‬يتصيدون‭ ‬المكاسب‭ ‬والمغانم‭ ‬ويدقون‭ ‬الأسافين‭ ‬في‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬العراقية‭.‬

وجاء‭ ‬«فوق‭ ‬الهضايم‭ ‬شيخ‭ ‬جاسم‭ ‬«،‭ ‬حيث‭ ‬خرجت‭ ‬علينا‭ ‬حليفتنا‭ ‬أمريكا‭ ‬بمشروع‭ ‬طي‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬والصاروخية‭ ‬وتسليح‭ ‬وتمويل‭ ‬الأتباع‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬وقابلتها‭ ‬جارتنا‭ ‬إيران‭ ‬بالإصرار‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬حلمها‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬وعن‭  ‬إستثماراتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭. ‬وحيث‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬يتواجد‭ ‬البشر‭ ‬اللازم‭ ‬والمال‭ ‬اللازم‭ ‬لخوض‭ ‬الصراع‭ ‬بأقل‭ ‬كلفة‭ ‬فإن‭ ‬صراع‭ ‬تلك‭ ‬الدولتين‭ ‬يهدد‭ ‬أحلام‭ ‬العراقيين‭ ‬بإعادة‭ ‬البناء‭ ‬والاستراحة‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬إضافة‭ ‬الى‭ ‬نسف‭ ‬جهود‭ ‬العراقيين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ترسيخ‭ ‬الوحدة‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬العراقية‭.‬

تحت‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬النفسية‭ ‬العصيبة‭ ‬برز‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬والرجال‭ ‬ورتَّبوا‭ ‬سفرات‭ ‬سياحية‭ ‬(كروبات)‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬(خصوصاً‭ ‬الى‭ ‬إقليم‭ ‬كوردستان)‭ ‬بكلف‭ ‬زهيدة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭.‬

كما‭ ‬رتب‭ ‬آخرون،‭ ‬سفرات‭ ‬سياحية‭ ‬أخرى‭ ‬الى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تقبل‭ ‬العراقيين‭ ‬بأسعار‭ ‬مناسبة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬موظفي‭ ‬الدولة‭ ‬والمتقاعدين،‭ ‬مما‭ ‬يسر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشرائح‭ ‬الواسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬السفر‭ ‬والترويح‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬وطرد‭ ‬كابوس‭ ‬الإحباط‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬النفوس‭.‬

كنت‭ ‬أيام‭ ‬أسفاري‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬الوظيفة‭ ‬عند‭ ‬زيارة‭ ‬بعض‭ ‬المعالم،‭ ‬أُشفق‭ ‬على‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬من‭ ‬الأوربيين‭ ‬وهم‭ ‬يهرولون‭ ‬وراء‭ ‬المرشد‭ ‬السياحي‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬علم‭ ‬المجموعة‭ ‬ويجري‭ ‬من‭ ‬مَعلَم‭ ‬الى‭ ‬مَعلَم‭ ‬وأستغرب‭ ‬كبر‭ ‬المجموعات‭ ‬الأسيوية‭ ‬وهم‭ ‬يهرولون‭ ‬وراء‭ ‬المرشد‭ ‬السياحي‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الى‭ ‬آخر‭. ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬فكرة‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬المجموعات‭ ‬السياحية‭ ‬كانت‭ ‬تخيفني‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد‭ ‬خصوصاً‭ ‬وقد‭ ‬وهن‭ ‬الحيل‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬و»‭ ‬سافت‭ ‬بعض‭ ‬البراغي‭ ‬«‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬للضرورة‭ ‬أحكام‭ ‬فغامرت‭ ‬وقبلت‭ ‬التحدي‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬السفرات،‭ ‬أثلج‭ ‬صدري‭ ‬أن‭ ‬تمخر‭ ‬الباصات‭ ‬عباب‭ ‬جبال‭ ‬أذربيجان‭ ‬وأرمينيا‭ ‬وتركيا‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬العراقيين‭ ‬بكامل‭ ‬نسيجهم‭ ‬الإثني‭ ‬والديني‭ ‬والطائفي‭ ‬شيباً‭ ‬وشباباً،‭ ‬ذكوراً‭ ‬وإناثاً‭ ‬وهم‭ ‬يتمايلون‭ ‬طرباً‭ ‬ويطلقون‭ ‬الحناجر‭ ‬مع‭ ‬الأغاني‭ ‬العربية‭ ‬الجنوبية‭ ‬والغربية‭ ‬والموصلية‭ ‬ومع‭ ‬الأغاني‭ ‬الكوردية‭ ‬الشجية‭.‬

كان‭ ‬لنا‭ ‬موعد‭ ‬في‭ ‬السفرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬الى‭ ‬تركيا‭ ‬مع‭ ‬عشاء‭ ‬متواضع‭ ‬وحفلة‭ ‬زاخرة‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬العبارة‭ ‬البحرية‭ ‬«ليالي‭ ‬الشام‭ ‬«‭ ‬للمجموعات‭ ‬السياحية‭ ‬العربية‭  . ‬إستُهل‭ ‬الحفل‭ ‬بالعراضة‭ ‬الشاميّة‭ ‬التي‭ ‬حيّا‭ ‬فيها‭ ‬المنشدون‭ ‬العراق‭ ‬مرارا‭ ‬وتكراراً‭ ‬وحيوّا‭ ‬مدن‭ ‬العراق‭ ‬واحدة‭ ‬واحدة‭ ‬وسط‭ ‬تجاوب‭ ‬عارم‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأعراق‭ ‬والأديان‭ ‬والمذاهب‭ …. ‬كم‭ ‬أنت‭ ‬عزيز‭ ‬وموحد‭ ‬يا‭ ‬عراق‭ ‬خارج‭ ‬دكاكين‭ ‬ساستك‭ ‬وبعض‭ ‬رجال‭ ‬دينك!

وثمة‭ ‬موعد‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬سفرة‭ ‬بحرية‭ ‬خاصة‭ ‬بالمجموعة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬مرمرة‭. ‬حيث

صدحت‭ ‬الأغاني‭ ‬العراقية‭ ‬الجميلة‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬العبارة‭ ‬وما‭ ‬أن‭ ‬هدرت‭ ‬الموسيقى‭ ‬بأناشيد‭ ‬المعركة‭ ‬ضد‭ ‬داعش،‭ ‬حتى‭ ‬نزل‭ ‬الى‭ ‬الساحة‭ ‬جميع‭ ‬الحضور‭ ‬تقريباً‭ ‬ورفرفت‭ ‬المناديل‭ ‬ودارت‭ ‬السبح‭ ‬عالياً‭ ‬فوق‭ ‬الأيادي‭ ‬ومالت‭ ‬القدود‭ ‬وكأني‭ ‬بهم‭ ‬نخلات‭ ‬عراقية‭ ‬شامخة‭ ‬تتمايل‭ ‬جذلى‭ ‬مع‭ ‬أنسام‭ ‬الصباح‭.‬

لم‭ ‬أكن‭ ‬أستطيع‭ ‬المشاركة‭ ‬وإن‭ ‬رغبت‭ ‬حيث‭ ‬إنني‭ ‬عند‭ ‬الحماسة‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬مقاومة‭ ‬نزول‭ ‬الدمع‭ ‬مدراراً‭ ‬فأدرت‭ ‬وجهي‭ ‬شطر‭ ‬البحر‭ ‬لأستتر‭ ‬وأكتم‭ ‬في‭ ‬جوفي‭ ‬مرارة‭ ‬تفريط‭ ‬غالب‭ ‬سياسيينا‭ ‬بأسباب‭ ‬قوتنا‭ ‬وأكتفي‭ ‬بما‭ ‬جسده‭ ‬الحضور‭ ‬من‭ ‬وحدة‭ ‬الهوية‭ ‬العراقية‭ ‬شاكراً‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬صغير‭ ‬رَحماته‭.‬

(رَحمات‭ ‬جمع‭ ‬رحمة‭ ‬والمقولة‭ ‬إنكليزية‭ ‬Thank‭ ‬God‭ ‬for‭ ‬little‭ ‬mercies‭ ‬)‭.‬

مشاركة