أيّام لا تنسى في.. )بي.بي. سي العربية مشاهير مرّوا ومواقف حفرت صداها في الأثير

493

أيّام لا تنسى في.. )بي.بي. سي العربية مشاهير مرّوا ومواقف حفرت صداها في الأثير
وداع مكان لم يعد وزمان لن يتواصل
سلوى جراح
دعيت مؤخراً لزيارة القسم العربي في هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي بمناسبة الاحتفال بمرور سبعين عاماً على تأسيسه. لم تكن الدعوة في مبنى بوش هاوس العتيد الذي أمضيت فيه ثلاثة وعشرين عاماً، هي سنين عمري المهني الحقيقية. ففي ذاك المبنى الجميل الرحب تعلمت فن الاذاعة واعداد البرامج ومخاطبة ضيوف مايكروفون الراديو. الدعوة هذه المرة كانت في مقر القسم العربي الجديد في مبنى ملاصق لمبنى الاذاعات المحلية للبي بي سي قرب أوكسفورد سيركيس. أعترف بأني سعدت بالدعوة والبحث في الماضي، خاصة أن القسم العربي يعد برنامجاً خاصاً في عيده السبعين يستعرض من خلاله برامجه القديمة والأصوات التي شدت المستمعين اليه عبر السنين.
الشناوي وعبدالحليم
وجدت نفسي أستعيد الكثير من الذكريات لبعض ما قدمت من برامج وأعددت من مقابلات. برنامج الواحة الذي قدمته على مدى سنين طويلة، كان يعتمد على تسجيل حوار مع مشاهير الادباء والفنانين والمسرحيين العرب يضعهم في عزلة الواحة ويتركهم يتحدثون عن اعمالهم وحياتهم، أحلامهم ومخاوفهم، يتركهم يتحدثون يعطيهم فرصة الحديث والانطلاق لا كما يفعل إعلاميو وإعلاميات هذا الزمان يقاطعون المتحدث ويجيبون عن الأسئلة نيابة عنه ويتعبون الضيف الذي بالكاد يعرفون عنه شيئاً يستوجب السؤال. كثيرون كانوا ضيوف الواحة نزار قباني الذي قلت له لن أصفك بالشاعر الكبير يكفيك أنك نزار قباني ، ابتسم واسترخى واعترف بحبه الجارف لوالدته أجمل امرأة في حياته ، عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ ، يحيى حقي، الذي فاجأني بحيويته ونشاطه وهو في السادسة والسبعين، نجيب محفوظ في لقاء بعد زيارة لندن للعلاج حيث تحدثنا عن الحارة اللندنية، عبد الرحمن الأبنودي، صباح الصبوحة ، محمد رشدي، مظفر النواب، سميح القاسم، يوسف شاهين، الطاهر وطار، أحمد مظهر، نضال أشقر، جمال الغيطاني، أسماء كثيرة شهيرة ومبدعة لكني لم أنس أبداً لقائي مع الشاعر الغنائي مأمون الشناوي، هذا اللقاء بالذات علق في ذاكرتي فقد كان فيه خصوصية شديدة. كان ذلك في أوائل التسعينيات وأنا في القاهرة لحضور أيام معرض الكتاب، قيل لي إن مأمون الشناوي طريح الفراش ويشعر بوحدة شديدة. استطعت ان أحصل على موعد معه. كان يرقد في فراش وضع في صالون بيته، جلست على الكرسي قرب السرير وتأملت الرجل الذي أثار خيالنا عبر السنين بكلماته التي تغنت بها أجمل الاصوات انساك ، كل ليلة وكل يوم ، بعيد عنك ، ودارت الأيام لأم كلثوم، كل ده كان ليه ، آه منك يا جارحني لمحمد عبد الوهاب وأغنيتان أحبهما جداً لعبد الحليم حافظ ضمن مجموعة أغان من كلمات مأمون الشناوي عشانك يا قمر و كفاية نورك علية . ابتسمت وأنا أحييه وأتمنى له الشفاء. وجدتني أردد كلماته كفاية نورك عليه» نورلي روحي وقلبي» خلاني شفت بعنيه» اللي انكتبلي بحبي» قريت على ضيك» كلام جميل زيك» كفاية نورك عليه . سالته كيف أدخلت قراءة الكلام الجميل في الغزل؟ تضاحك وهو يحكي لي قصة حبه الجارف لابنة الجيران. قلت في لهفة وماذا حدث بعد ذلك؟ ابتسم وصمت لحظة وتمتم مراتي وأم ولادي . كانت أجمل واحة حكى لي كيف رفضت أم كلثوم أن تغني اغنية الربيع ، أرادت تعديل الكلمات، فأعطاها لفريد الأطرش، الذي غنى عشرات الأغاني من كلمات مأمون الشناوي، وضربت الأغنية أعلى درجات النجاح. كان مريضاً متعباً لكنه كان راغباً في الكلام. بعد شهور توفي كامل الشناوي عام 1994 عن ثمانين عاماً وظلت كلماته نرددها وظل وجهه المتعب الباسم في ذاكرتي.
ألف رسالة
حملت بضعة شرائط كاسيت لبعض تلك المقابلات وذهبت إلى المقر الجديد لهيئة الاذاعة البريطانية. حين دخلت المبنى، سألني موظف الأمن الشاب عما أريد، كدت أقول له أنني عملت في القسم العربي حين كان هو طالباً في المدرسة الابتدائية وأنني أعددت عشرات البرامج، بل كنت أول إذاعية عربية، ولا احب لقب إعلامية، تقدم برنامجاً عن الثقافة الجنسية هو برنامج عن الجنس بصراحة الذي قدم عام1994 وجلب للقسم العربي من مستمعيه حول العالم ستة عشر ألف رسالة، عندما كان نجاح البرامج أيامها يقاس بعدد الرسائل، رسائل يكتبها المستمعون على الورق ويتكلفون ثمن طوابع البريد لإرسالها. لكني الآن متقاعدة، وفي مكان غريب لا أعرفه ليس لي فيه ذكريات ولم يكن يوماً شاهداً على أي من أحلامي. لم أمارس العمل الاذاعي منذ تقاعدي سوى لمدة ثلاثة أشهر بعد دخول القوات الأمريكية لبغداد لأقدم برنامجاً حمل اسم من أجل التواصل كان ينقل مكالمات العراقيين الهاتفية لمن غاب عن بلده سنين وكنت أنهي البرنامج بتحية عراقية صرفة لقيت استحساناً مني سلوى جراح في أمان الله . العاملون في المكان الجديد، كلهم شباب، يجلسون أمام شاشات الكومبيوتر الجديدة، كل في عالمه. في بوش هاوس لم يكن هناك كومبيوتر يمدنا بالمعلومة بلمسة أصبع، لم يدخل الكومبيوتر مكاتبنا إلا بعد حرب الخليج الأولى عام 1990 ، قبل ذلك كان علينا أن نذهب إلى المكتبة لنبحث في المراجع وقصاصات الصحف. ومع ذلك استطاعت أجيال من الاذاعيين منذ إنشاء القسم العربي عام 1938 أن تجذب انتباه المستمع ببرامج لم يكن لها مثيل. قول على قول برنامج حسن الكرمي الشهير والسؤال الصعب من القائل وما المناسبة أبيات من الشعر العربي نسبها لشعرائها وحدثنا عن المناسبة التي قيلت فيها من دون مساعدة الكومبيوتر. أولجا جويدة البصراوية التي تعلمت منها الكثير حتى لأشعر أحياناً أني صرت أشبهها. كانت تقضي ساعات في غرفة صغيرة بلا نافذة اسمها غرفة الاستماع تستمع لعشرات المقطوعات الموسيقية لتنتقي لحظات موسيقية تزين بها برامجها. كانت تقول بعراقيتها المحببة مو جيب والزق، الموسيقى في الاذاعة مثل الصورة بالمجلة لازم تكمل المعنى وتغذي خيال المستمع . وقد وافقتها وتعلمت منها أن أقضي وقتاً طويلاً في البحث عن الموسيقى المناسبة. كان كل ذلك أيام الاسطوانة السوداء المدورة، هل تذكرونها؟ ليس هناك مؤقت ديجيتال. لكن أجيالاً وقتت موسيقاها وقدمت برامج مصنوعة بشكل متقن.
بين مكانين
في بوش هاوس كان هناك غرف يفصلها عن بعضها جدران من الخشب والزجاج المشجر، كنا نحدث بعضنا نسأل ونشكو ونتعلم. ثم نجتمع على لقمة الغداء وفنجان الشاي في الكانتين نسمع الحكايات ونناقش القضايا ونتهامس بالاشاعات. تربط بعضنا علاقات أسرية تقرب بين مصر والعراق وسوريا وفلسطين. المكان الجديد ليس فيه حتى نفحة من روح المكان القديم ليس فيه حتى كافتيريا أو كانتين ، ليس فيه شخصيات فذة مثل ماجد سرحان رحمه الله. هذا ماجد سرحان يحييكم من لندن كان يستطيع ترجمة أي مادة إخبارية على الهواء من دون إعداد مسبق، يقرأ النص الانكليزي بعينيه وينطقه بعربية سليمة.
خرجت إلى الشارع ركبت قطار الأنفاق وعدت إلى البيت أعددت كوباً من الشاي وأعدت شرائطي التي حملت معي إلى صندوقي القديم المعتق.
/4/2012 Issue 4175 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4175 التاريخ 16»4»2012
AZP09