أيُّ مستقبل لمسيحيي العراق؟

127

مار لويس روفائيل ساكو

كانت فرحتي كبيرةً صباح يوم السبت، 26 تشرين الأول، بترأس قداس افتتاح العام الاكاديمي 2013/2014 للمعهد الشرقي الحبري، “هذه القطعة من الشرق” في قلب المدينة الأبدية (روما)، بحسب طقس الرسولَين الطوباويين مار أدي ومار ماري. وفي ظهر ذات اليوم، شاركتُ في تقديم كتاب عن أعمال المؤتمر العالمي لليترجيا الذي أقيم يومي 25 و26 تشرين الأول 2011 بمناسبة الذكرى العاشرة لإعلان “توجيهات لتناول القربان المقدس بين الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق الآشورية”. يجمعُ الكتاب، الدسم في محتواه والدقيق في تفاصيله، مداخلاتٍ لدراسة أصول الصلاة الأوخارستية على ضوء أنافورا أدي وماري. إلى جميع مَن اجتهدوا للتعريف بـ”الغنى الفائض الذي تحفظه كنائسنا في خزائن تقاليدها” (نور الشرق، 4)، كما كتب الطوباوي يوحنا بولس الثاني، تتوجّه محبتي.

في هذه المناسبة طُلِب مني أن أتكلم عن مسيحيي العراق، الذين يصلّون في الكنيسة بهذه الليترجيا، وكيف يعيشون في الواقع حياتهم اليومية خارج الكنيسة. ولكن قبل الدخول في الموضوع، أودّ أن أشيد بأساتذة المعهد، أمس واليوم. لطالما تأثرتُ بحبّهم لكنائسنا. تبقى انتاجاتهم العلمية بالنسبة إلينا، أبناء الشرق، مرجعًا لمعرفة متجددة لتقاليدنا ولبحثٍ يهدفُ إلى تشجيع العلاقات المتبادلة وتعميق الحوار المسكوني. إلى جانب واجب تشكيل الأطر المستقبلية للكنائس الكاثوليكية وغير الكاثوليكية، من خلال النمو العلمي والإنساني للعديد من الكهنة والرهبان والعلمانيين، المعهد الشرقي مهتم بتعريف الغرب بتقاليدنا الوافرة، ورونق طقوسنا، روحانيتنا العميقة وتقلبات أحداث تأريخنا.

هل لا يزال لدينا مستقبل؟

لا يزال هناك أناسٌ في الغرب يهتمون بأرضنا المجروحة. مع ذلك علينا القول بالعموم إن الغرب، وأقصد الذين يديرونه، لا يدركون صعوبات ومخاوف المسيحيين اليوم في بلدان الشرق الأوسط. فالتطرّف الديني ينمو أكثر والمسيحيون، بالرغم من التزامهم ببلدهم، هم ضحايا مؤامرة دولية عالمية تفوق قدراتهم. يريد المتطرفون استغلال الوضع الحالي لتفريغ الشرق الأوسط من الحضور المسيحي، كما لو كان هذا الحضور عائقًا أمام خططهم. لذلك لابدّ أن نفتح أعيننا جيدًا لنرى المخاوف ونقيّم الآمال التي تنعش المسيحيين في العراق، سوريا، مصر وفي أماكن أخرى. في الواقع، تدفعُ حالة عدم اليقين والصعوبات المتكررة المسيحيين إلى التساؤل: “ما هو مصيرنا؟ أي مستقبل لدينا، هل سيكون لدينا هنا مستقبل؟ ما هو الضمان كي لا نُقتل أو نُطرد من أرضنا؟”.

أريد الآن أن أتقاسم مع مَن يقرأ مداخلتي بعضَ الأفكار على ضوء التأريخ أيضًا. دخلتْ المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين، أي في العراق الحالي، انطلاقًا من نهاية القرن الأول الميلادي. وبحسب التقليد، كان توما الرسول أولَ من بشّر تلك المناطق في رحلته إلى السواحل الجنوبية للهند. نعلم أن الرسل كانوا يبشّرون في كل مكان ويلتقون جماعات يهودية بحكم أنّهم يتكلمون اللغة السامية ذاتها ولديهم العقلية ذاتها. يبدو أن هذا التقارب الثقافي يعودُ إلى زمنٍ كانت فيه أرضُ ابراهيم تستقبل اليهود في زمن السبي البابلي (587 ق. م.). كانت كنيستنا رسولية بامتياز؛ فالمسيحيون المشرقيون، تجار علمانيون و رهبان، ذهبوا لإعلان الانجيل حتّى أقاصي الصين، متبعين طريق الحرير القديم. كان لهم إيمان عميق واهتموا دومًا بتعميقه بتقاليدهم الخاصّة. بالنسبة لهم، كانت المسيحية “النور”، وكان الإنجيل “الجوهرة” والمسيح “المنوّر”. عندما جاء الاسلام في القرن السابع، كان المسيحيون يشكلون الأغلبية في العراق وفي بلاد فارس. يذكر عبد يشوع (ت 1318)، مطرابوليط نصيبين، عشرين كرسيًا مطرابوليطيًا من مجموع 200 أبرشية تقريبًا. نحن اليوم مع الأسف “بقية” قليلة. الشهادة هي موهبة كنيستنا التي اختبرت من بداية وجودها اضطهادَ الفرس ثم العرب والمغول والعثمانيين. تتضمن ليترجيتنا أناشيد عديدة لإكرام شهدائنا صباحًا ومساءً. إنّها الروحانية التي تعطينا القوة للثبات والبقاء حيث نحنُ.

 هناك خطة للتقسيم

مرّت عشرُ سنوات ولم تتوقف موجة الاعتداءات في العراق، وما زالت الانفجارات بالسيارات المفخخة مستمرة. تتمثل أعمال العنف في التوترات الدموية الجارية المؤسفة بين الشيعة والسنة. كل ذلك ساعد على خلق الفوضى والإبقاء على الصراعات ضدّ أية مبادرة للمصالحة التي تبدو وكأنّها صعبة التحقيق. كل هذا مرتبط بالوضع المتفجر في سوريا ومصر. يبدو الامر متعلقًا، مع الأسف، بصراعٍ “طائفي” يتشابك فيه الدين مع السياسة. هناك بلدان لا تريد ما يُسمّى بالربيع العربي، ولا الديمقراطية والحرية، لأنّ كلّ هذا يمثّل في أعينها تهديدًا. ولذلك تهمها استمرار الصراعات والتوترات. وليس مستبعدًا وجود أستراتيجية لتقسيم الشرق الأوسط إلى بلدان “طائفية”. وهناك من يريد إعادة توزيع محافظات العراق بحسب القوميات والأديان.

هشاشة المؤسسات وضعف إدراك الهوية الوطنية، الصراعات وعدم الاستقرار، تضع كلّ يوم حياة المواطنين في خطر، وخاصّة المسيحيين منهم. ليس لدينا إلى الآن علامات تجعلنا نرى مستقبلاً مشرقًا. باع العديد من المسيحيين بيوتهم وأراضي ورثوها عن آبائهم وهاجروا إلى أماكن أخرى لإيجاد مكانٍ أفضل يربّون فيه أولادهم. هذا القرار الصعب يمثّل تحديًا كبيرًا مليئًا بالمجهول لمن يختبره، ويتضمن أيضًا إضعافًا للجماعة المسيحية وللعراق ككل. بحسب احصائية عام 1987 كان عددُ المسيحيين 1.264.000، واليوم نحن أقل من النصف. إذا هاجر ما يقارب 700.000، فمَن بقي فإنّه يعطي دليلاً على شجاعته. في مواجهة عدم اليقين بسبب الحرب، لا يوجد طريقٌ آخر للخروج منه غير الحوار. من الضروري زرع مشاعر الإخوة والتضامن. وهذه رغبة أغلبية العراقيين، مسيحيين ومسلمين معتدلين. يؤمن المسيحيون والمسلمون جميعًا بالله الواحد الخالق، الآب “الرحوم”. فلماذا لا نقرّ تحت ضوء الشمس باتفاق الإيمان هذا؟

 ما ننتظره من الحكومات

على الجماعة الدولية تشجيع تأسيس الديمقراطية والتسامح والمساواة دون الاكتفاء بمجرد نداءات عقيمة. على الغرب واجب إخلاقي في إجبار بلداننا هذه على احترام حقوق الإنسان، كما هي محترمة في أماكن أخرى. لابدّ من إيقاف فضيحة المتاجرة بالأسلحة التي تدمّر حياة الأبرياء. على الدول الغربية أن تدرك عدم جدوى تصنيع وبيع الأسلحة. ربما من الأفضل، لها وللآخرين، تصنيع ما يؤدي إلى التقدّم ويديم حياة الناس. على القمة العربية، المؤتمر الدولي العربي الاسلامي، السلطات الدينية تشريع وثيقة رسمية تعترف بالمسيحيين وبحقوقهم كمواطنين متساوين مع الآخرين، وتفصل الدين عن السياسة. فالدين يُبنى على الحقيقة وعلى المبادئ الأخلاقية الثابتة. بينما تهتم السياسة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية دائمة التغير.

علينا نحنُ القادة الروحيين لمؤمنينا، جذب العلمانيين للمشاركة بصورةٍ أكبر في الجانب الثقافي والاجتماعي والسياسي في بلدنا، والمطالبة دون خوف عن حقوقهم المدنية وعن المساواة بين جميع المواطنين. علينا حثّهم على تحليل المشاكل واقتراح حلول جديدة لتحسين وضع مدننا وقرانا: بناء مساكن وشوارع جديدة وإيجاد فرص عمل. على المسيحيين العراقيين توحيد جهودهم للحفاظ على اللُحمة الوطنية والدفاع عن حقوق الحرية الدينية. عليهم الاستمرار في إعطاء شهادتهم في الواقع الحالي كعلامة رجاء لإخوتهم المواطنين، كما يطلب الإرشاد الرسولي “الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة”. لابدّ أن تضمن الحكومة للجميع حياة كريمة حرة أمينة انذاك فقط يمكن مواجهة الهجرة. لماذا لا يُشجّع الأغنياء من المسيحيين استثمار أموالهم على أرض ابائهم؟ ما العمل لإدخال احترام الحرية الدينية في البلاد والاعتراف بحقوق للمسيحيين متساوية مع المسلمين؟ كيف نشارك بطريقةٍ فعّالة وبنّاءة في السياسة لخدمة الخير العام، وليس لمصالح أفراد؟ ألم يكن ممكنًا توحيد جميع الأحزاب السياسية تحت اسم واحد، كأن يكون “التجمع الوطني العراقي المسيحي”؟ ألا نستطيع في الوحدة إطلاق حملة دولية ببرنامج مثل هذا: “السلام والتعايش، احترام جميع الأديان لديمقراطية حقيقة”؟ لماذا لا نؤسس “مجلس مسيحي عراقي” يهتم بمشاكل المسيحيين دون تغافل مشاكل البلاد؟

لابدّ من إيجاد جواب لهذه الأسئلة وغيرها. لابدّ من تأسيس مراكز طوارئ للتدخل الفوري لمساعدة العوائل التي تصبح هدفًا لعمليات إجرامية، مثل القتل، الاغتصاب، الخطف، السرقة، حرق الكنائس وتدمير البيوت. علينا أيضًا تشجيع المسيحيين في الخارج على المحافظة على حقّ صوتهم الانتخابي الثمين جدًا في وقت الانتخابات. لابدّ من حثّ المسيحيين للدخول أيضًا في أحزاب غير مسيحية، والترشح في قوائم أخرى، مع اقتراب انتخابات عام 2014، ليزيد عدد البرلمانيين المسيحيين. أليس لدينا طموحات كثيرة؟ لابدّ من الأمل بالمستحيل.

يا أبَ الشهداء، نحنُ خائفون…

إنّ كلمات يسوع “لا تخافوا” (متى 10/ 31) تشجعنا أن نكون علامة تحدي خاصّة حيث نحنُ. أريدُ أن أختم كلمتي بصلاةٍ كتبها الأب ألبير هشام نعوم في ذكرى الأخوين الشهيدين يوم 31 تشرين الأول 2010 في بغداد مع أكثر من 44 شهيدًا آخرين: “يا أبَ الشهداء وأبانا جميعًا/ يا مَن استقبلتَ أرواحَ شهدائك الذين اعترفوا بإيمانِهم وسطَ كنيسةِ والدتِك وأمِّنا سيدة النجاة/ وقُتِلوا وهم يدافعون عن إيمانِهم وعن بعضِهم البعض، فرَووا بدمائهم أرضَ إيمانِنا ورجائنا بكَ./ لقد خسرنا يا ربُّ أبوينا ثائر ووسيم، فاجعلنا نؤمنُ بأنّ لنا صديقان في السماء يصلّيان لأجلِنا دومًا/ لقد تعبنا يا ربُّ من كذب العالم وشرِّه وفقدنا الأملَ فيه، فساعدنا ألاّ نضعَ رجاءَنا إلا بكَ وحدَك/ لقد كرهنا كلّ شيء يا ربُّ وحجبتْ الظلمةُ عيوننا، فازرع فينا من جديد محبّتك التي لا يحدّها الكون/ نحنُ حزينون يا ربُّ، فعلّمنا أن الفرحَ هو من عندِك فقط وأن نتعلّمه من شهدائنا في سمائك/ نحنُ خائفون يا ربُّ، فامنحنا شجاعةَ شهدائنا الأبرار الذين وقفوا بوجه الموت وكسروه/ نحنُ تائهون يا ربُّ، فارشدنا إلى الطريق الصحيح ولتقوّنا أرواحُ شهدائكَ/ نحنُ بحاجةٍ إليكَ يا ربُّ وسطَ هذه الظروف، فحوِّل حاجتنا هذه إلى صلاةٍ دائمة نوجّهها كأبناءٍ لكَ/ نريدُ أن نبقى أمينين لكَ ولإخوتنا وللعالم كلّه، فكمِّل معنا رسالتك طولَ الأيام لنشهدَ حتّى لأعدائنا بمحبتِك/ نسعى أن تستمرَ حياتُك فينا وألاّ تتوقف، لنبقى ننادي باسمِك وبمحبتِكَ لكلّ الناس./ نؤمنُ بكَ، نحبُّكَ، نرجو من خلالك، نحتاجُ إليكَ وليس لنا سواك… يا ربُّ. آمين.

{ بطريرك بابل على الكلدان