أين حقيبتي وأنا ابن الربيع العربي؟

320

أين حقيبتي وأنا ابن الربيع العربي؟
أحمد ابراهيم
أُمّــاه يا طُهر مــريم وقُدس عيسى وموسى وأُلفة ابراهيم باسماعيل ورحمة محمد لأمّته…. أُمّــاه فُتحت المدارس، فأين حقيبتي المدرسية وانا ابنك ابن الربيع العربي؟
أمّاه البيت ربّاني والمدرسة علّمتني، وكأنّ وزارات التربية العربية تطلّعت لشبابها لا لهرومها بترتبيها التربية قبل التعليم في التسميات الوزارية وزارة التربية والتعليم ، اي التربية أولا والتعليم سيلحقها.
عندما أحمل حقيبتي المدرسية كنت أحس برُهبة وكأني أؤدّي صلاتي، وعندما أؤدّي صلاتي كنت أشعر براحة شاملة وكأن برطمانا من العسل المُسجّى يُسكب في دمائي وعروقي، أينما صلّيت وفي أيّ مسجد، طالما صلّيتُ لله نحو الكعبة.
وعندما أذهب لمدرستي بحقيبتي كان صديقي رقم واحد على باب البيت ينتظرني، وآخر هو الآخر رقم واحد في الحافلة ينتظرني، ثم ثالثٌ في الساحة المدرسية ورابع في الصف، وفي الصف كلنا نتحول الى أصدقاء رقم واحد ، حقائبنا نحملها، ولم تكن حقائبنا هي التي تحملنا، كلّ ذلك لأن برطمان ذلك العسل اللذيذ كان قد أسقى الزرع وأنبت أذهاننا نحن مجموعة أصدقاء رقم واحد هي التي تحصد الزرع بصوت واحد ان التعليم من المقدسات لكن التربية هي الأقدس ، ثم نتّفق فيما بيننا انه اذا كبرنا سنُربّي أوّلا، وليتعلّموا من ربّيناهم لاحقا.
أمّاه.. خرجت اليوم من البيت فوجدت على الباب صديق رقم اثنين وفي الحافلة قرينه، وفي الساحة المدرسية كمينه، وقبل دخول الصف يحبو نحوي كبيرهم الذي علمهم السحر، يسكب الزيت على النار بدل العسل على الفؤاد، ليحرق أفكاري وأعصابي، يرسم لي هزائم وانتصارات، جنة وجحيم، وكادوا يسلّموني مفتاح الجنة لو ذبحت هذا ونحرت ذاك وفجرت هنا ودمّرت هناك.
أمّاه.. حقيبتي الجديدة بالديناميت والبارود لا بالقرطاس والقلم، والمدرسة بالتعليم أولا والتربية لا مساحة لها. الدرس الاول عليك ان تصلّي في مسجد زيد وتنحر من يصلّ بمسجد عبيد ، وتنسف بهم المساجد والمآذن ومن فيها وتحتها وان كان فيها زيد وعبيد.
لا أشعر اليوم اني بحقيبتي نحو المدارس وقد فتحت أبوابها، الحقائب الجديدة أوهمتنا بالربيع العربي، جاء الخريف ولم يثمر هذا الربيع، رأيتهم جماعات يفيضون شبابا وحيوية، ثم رأيتهم يموتون واحدا تلو الآخر، رأيتهم حجّاجا طّوافون بميادين التحرير، ثم رأيتهم يعبدون ولا يدرون لمن يعبدون بايّاك نعبدوا ونستعين..أم.. كنعبدوا وكنستعين.. .
انهم بميادين تحريرهم يعبدون الشمس دون الله، فلما أفلت عادوا للقمر، ولما أفل عادوا للنجوم، وأفلت النجوم فلم يقولوا لا نحب الآفلين .. انهم بميادين العبودية لا التحرير، لكنها عبدة الجهل، رأيتهم يأخذون من الجمعة المقدسة شعارات غير مقدسة، تطعن هذا تلعن ذاك، تراتيلهم من التكبير والتهليل الى الى طُز طُز .
كلما اسمع ان شابا من الربيع العربي مات هناك وشابة هناك، طفلا هنا وطفلة هناك، أشعر ان قطعا من الجسم العربي تموت واحدة تلو الأخرى ولاتعوّض، لأنها قطعٌ لا قطع غيار لها في المخازن العامة لدول الربيع العربي، ولا في الحقائب المدرسية لابن الربيع العربي.
أمّاه.. أنا ابن الانسان المسلم العربي، له نظراءه في الخلق الأمريكي، الأوربي، الياباني والروسي، ترى ماذا وضعوا نظرائي في حقائب أبنائهم، حيث من ابناء تلك الحقائب نيل آرمسترانغ المولود 5 أغسطس 1930 ــ أوهايو، والمتوفى 25 أغسطس 2012، يقال ان حقيبته أوصلته يوما هو زميله بز ألدرن في 21 يوليو 1969م على سطح القمر… ثم ويُقال أيضا من نظرائي في الخلق الجديد، أن انسانا آخرا أوصلته حقيبته قبل أسبوعين وأيام على سطح المريخ، ها وأنا ذاهبٌ يا أُمّاه انا ذاهبٌ الى أين.. ؟
أمّاه لا رجعة لي، سأمضي بحقيبتي وقد أُستبدلت بالحزام الناسف، والساحة المدرسية بدماء العشرات لاتروّي ظمأي لأرواح المئات والآلاف، لم أعد خائفا على نفسي، جسمي مُخدّرٌ بالايمان، وحور العين بانتظاري على أبواب الجنان، لكنّي أخشى على ابني وبنتي وأحفادي، أن تضيع حقائبهم في ضوضاء الطبول.
أخاف عليهم من مواكب الطبّالين والزمّارين، أخشى رياح الربيع العربي تحول حافلاتهم دون الربيع وهم في عمر زهور الربيع، وطابور الصباح اخشاه أن يدسّ بينهم الغوغائيين الذين جلبوا الفوضى والفساد والدمار للوطن الجميل، أخشى من حاضنات تفريخ جبال أفغانستان أن تفرّخ في الحديقة والبُستان، وأخشى عليكم أن تنطقوا لآ فيأتيكم الرد اخسأوا، أنتم الخاسئون .
أمّاه لا تسأليه ما اسمك، لأنه رئيس فريق الاعدام الذي لا اسم له ولا يعرف أسماء قتلاه، هو يحصي أعدادهم دون أسمائهم ليحصي جوائزه بالطوابق الأعلى في الجنان بعدد قتلاه، لا بأسمائهم. لا تبحثي عن عنوانه، بينك وبينه طابور من منافقي الضرورة، يعتقدون لا ضروة لدوىّ القتلى وأنين الجرحى أن تصل الى طبلات أميرهم، ولا تردي عليه بقولتك المعهودة الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس ، لانه يعتقد ان الشيطان المتكلم أفضل من الشيطان الأخرس، وذلك لأنه هو الشيطان الأخرس.
كاتب إماراتي
AZP07

مشاركة