أين المخالفون لهواهم ؟ – حسين الصدر

170

أين المخالفون لهواهم ؟ – حسين الصدر

-1-

قال تعالى :

( وأمّا من نهى النفس عن الهوى فانّ الجنة هي المأوى )

النازعات / 40 – 41

المعركة الضاربة بين الانسان ونفسه الأمارّة بالسوء ذات فصول، تشتد وتخف طبقاً لما يتسم من الورع والتقوى من جانب ، وبمقدار ما يجري مِنْ مراقبةٍ ومحاسبة لذاته من جانب آخر .

ألا ترى أنّ من مات قلبه نتيجة الاصرار على اجتراح المعاصي ، لا يقف ولا للحظه واحدة عند مراجعة نفسه وما صدر منها ..

انَّ القضية محسوبة عنده ، فقد ركبه الشيطان واستحوذ عليه ، وأنساه ذِكْرَ الله العظيم .

وهذا بخِلاف الأبرار الصالحين الذين يزنون خطواتهم، ولا يُلقونَ بِحِبال هواهم على الغارب .

يقول أحدهم :

لا لن أطيع هوى نفسي ولستُ فتىً

يعصي الإلهَ ومقتُ الشرِّ مِنْ شِيَمي

ولا أبيحُ لنفسي أيَّ معصيةٍ

اذْ كلُّ معصيةٍ تُفْضِي الى النَدَمِ

وكفى بالندم توبةً – كما جاء في الخبر –

-2-

ان هوى النفس عدو خطير ..

وانّ المشتهات النفسية لا حدود لها ..،

ومتى ما أطلق لها العنان قادت الى المزالق والمهالك

يقول الشاعر :

كيف احتراسي مِنْ عدّوى اذا

كانَ عدوي بين أضلاعي ؟

ان هوى النفس عدو جاثم في أعماقها .

?

وجميل قول الشاعر

النفس راغبةٌ اذا رَغَّبْتَها

واذا تُردُّ فَعَنْ قليلٍ تَقْنَعُ

لابُدَّ من ترويض النفس لكبح جماحها وردعها عن الانحدار الى هاوية التمرد والتبذل والانفلات، بعيداً عن كل الضوابط والموازين الدينية والأخلاقية والاجتماعية .

-4-

هوى النفس – ومن أجل الوصول الى مواقع ومناصب سلطوية لا يكترث لا بِوِزْرِ الانتماء في أحضان أعداء الامه ،

ولا يكفُّ عن استخدام كل الوسائل اللامشروعة للوصول الى المبتغى ..!!

-5-

وما اجمل قول القائل :

اذا ما دَعَتْكَ النفسُ يوماً لحاجةٍ

وكان عليها للخلافِ طريقُ

فخالف هواها ما استطعت فانّما

هواها عدوٌ والخلافُ صديقُ

ولاشك انّ مخالفة هوى النفس عملية صعبة للغاية …

انها تمثّل السباحة ضد التيار، ولكنها ضرورية لاجتياز الاختبار الإلهي.

-6-

يرفض بعض العلماء الربانيين أنْ يُقبّل الناسُ يَدَه ..!!

انه يخشى ان تتضخم في ذاته عوامل الغرور والفوقية ….

وقد رأيتُ صورة احدى مراجع الدين وهو يهوي لتقبيل يد طالب علم قصد الحوزة العلمية للدراسة من أقاصي الأرض ، في منحى واضح الدلالة على عمق تشجيعه لطلب العلم، مقدمةً للعمل الانساني النافع، ولا خير في علم بقي مكتوماً عن الناس .

ولا خير في من ادّعى العلم وعمل من أجلِ نَفْسه بعيداً عن خدمة الناس .

وما الحملات التسقيطية التي يشنها هذا الفريق او ذاك على مُنافِسِيهم مِنَ السياسيين الاّ احدى الصور عن عمق تغلغل الهوى في النفوس .

انّ هوى النفس يدعوك أن لا تبالى بانتهاك أيةِ حرمة من الحرمات من اجل الوصول الى الهدف المنشود وهو الحصول على أكبر قطعة من الكيكة..!!

وما أجمل قول القائل :

يا باعةَ الدينِ والإنصافِ هل لكُمُ

مِنْ عَوْدةٍ لرحابِ الحقِّ والدينِ

قالوا : وايُّ اعوجاجٍ في طريقتنا

فقلتُ : داؤكُمُ فقدُ الموازينِ

هوى النفس يجعلك تُقدّم نَفْسكَ – وانت العارف بِخوائها – على أبرع المهنيين واهل الخبرة، وتركل بقدميك القيم والموازين والضوابط لتزيحه عن طريقك، وليخلو لك الجو بعيداً عنه، وبهذا يتم تدمير البلاد، وتدوير عجلة الفساد، والاضرار بالعباد .

مشاركة