أين الحُكّام من العلماء؟ – حسين الصدر

519

أين الحُكّام من العلماء؟ – حسين الصدر

-1-

في غمرة البحث العلميّ ، والتفكير العميق ، والانس الكامل بالاجواء التي تثيرها المسائل العلمية المختلفة ، قال احد العلماء قولته الشهيرة :

” اين السلاطين مما نحن فيه ..

أما لو فطنوا لنا لقاتلونا بالسيوف ..”

وقال عالم آخر وهو يعرب عن لذّتِهِ بالبحوث العلمية :

” هذه هي اللذة من غير إثم “

-2-

يتحمل العلماء المشاق والصعوبات من أجل الانسان ومصلحته فالانسان عندهم هو المحور وهوغاية الغايات ،

أما السلاطين فلا يهمهم من الانسان الا مقدار ما يلتزم بهِ من الولاء والطاعة حفاظاً على سلطنتهم ومصالحهم …

وأين هذا من ذاك ؟

وباختصار :

انّ الحكّام يريدونك لانفسهم بينما العلماء يريدونك لله

والفرق بين الأمرين كبير للغاية .

-3-

والعلماء لا يتركون فرصةً تمرّ من دون استثمار ، ومن الطريف في هذا المضمار ان الفخر الرازي وهو يُفسر قوله تعالى :

( وان نعدو نعمة الله لا تُحْصُوها )

ابراهيم / 34

دعا الى التأمل في لُقمةِ الخبز التي نتناولها لينطلق منها الى النظام الكوني ، وما أودع الله فيه من الروائع والبدائع .

قال :

(انظر الى ما قبلها وما بعدها )

اي الى ما قبل اللقُمة وما بعدها

انّ تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل الاّ اذا كان هذا العالَمُ بكليته قائما على الوجه الأصوب ،

لان الحنطة لابد منها ،

وأنها لا تنبت الا بمعونة الفصول الأربعة ،

وتركيب الطبائع ،

وظهور الأرياح والأمطار ،

ولا يحصل شيء منها الاّ بعد دوران الأفلاك ،

واتصال بعض الكواكب ببعض، على وجوه مخصوصة في الحركات ، وفي كيفيتها في الجهة وفي السرعة والبطؤ ،

ثم بعد تكوّن الحنطة لابُدَّ من آلات الطحن والخبز ، وهي لا تحصل الاّ عند تولد الحديد في أرحام الجبال ،

ثم ان الآلات الحديدية لا يمكن اصلاحها الاّ بالآت أخرى حديدية سابقة عليها ، ولا بد من انتهائها الى آلة حديدية هي أول هذه الآلات …

وأما النظر فيما بعد حدوثها (اي بعد حدوث اللقمة) فتأمل …

كيف خلق الله هذه الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة، ولا يمكنك ان تعرف ذلك الا بمعرفة علم التشريع والطبّ …!

أرأيتَ كيف انتقل الرازي من تناول لقمة الخبز الى عالم الطبيعة وما فيه من أسرار ، والى منظومة الكواكب والأفلاك والى المعادن ثم ربط ذلك كله بالانسان .

-4-

والعلماء في كل انحاء العالم محترمون مقدرون الا في ظل الدكتاتوريات الظالمة .

لقد ارتكب الدكتاتور المقبور أعظم جناياته حين اغتال قيمة حضارية كبرى كالامام الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر –طاب ثراه- وكوكبة من عيون العلماء الأجلاء ، بدل أنْ يحاطوا بالاجلال والاكبار ..

-5-

وما من طاغية أرعن في التاريخ الاّ وقد قاومه العلماء ونددوا بظلمه وناضلوا من أجل الانسانية المعذبة .

انّ مقاومة الاستبداد والطغيان واجب شرعي – عند العلماء – وليس انغماساً في عمل سياسي – وهذا ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) :

” وما أخذ الله على العلماء أن لا يُقارّوا على كظّة ظالم “

-6-

والعلماء المتسكعون على أبواب الملوك والحكّام هم رجالٌ دنيويون وليسوا علماء ربانيين..”

ومن هنا فهم يفقدون ما للعلماء في وجدان الأمة من مكانة متميزة .

-7-

وفي الخبر المروي عنه (ص) انه قال :

” صنفان من أمتي اذا صلحا صلح الناس

الأمراء والعلماء “

وصدق رسول الله (ص) لان صلاح هذين الصنفين هو سرّ النجاح والصلاح .

بغداد

مشاركة