


مروان ياسين الدليمي
1: (مائدةٌ بثلاثة ظلالٍ ناقصة)
كلُّ شيءٍ في ذلك الصباح كان يبتسمُ بلا سبب،
الكرسيُّ المقابلُ لي بجسدِه الخشبيِّ المعطوب
كان يتهيّأُ للحديثِ
كمنْ يتهيأُ للوداعِ بصمتٍ كاملٍ.
الهواءُ،
الذي عبرَ
من بين أوراقِ شجرة اليوكالبتوس في “حديقةِ الشهداء”،
دخلَ من مسامِّ الزجاجِ المحكم،
كأنَّهُ نادمٌ على موعدٍ أضاعَه هو الآخرُ.
شمَمْتُه…
كان يحملُ في طيّاته خوفاً خفيفاً
يشبه عطرَ سعاد حسني
حين تغادرُ الحلمَ وتدخلُ القطارَ.

أنا،
كنتُ أجلسُ في الزاويةِ ذاتها،
التي اعتادتْ ظلالُنا الثلاثةُ أن تلتفَّ حولها
كأذرعِ أخطبوطٍ أليفٍ.
والطاولةُ المستديرةُ،
ظلتْ تتنهَّدُ كلَّ عشرِ دقائقٍ
مثل قلبٍ يدقُّ دون جسدٍ.
النُدُلُ
يمرّون أمامي كأنهم أشباحُ رتيبةٍ تُقلِّبُ فناجينَ القهوةِ
بأصابعَ لا تصدِّقُ الوقتَ.
الساعةُ الجداريةُ لم تكتفِ بالتأرجحِ،
بل راحتْ تسخرُ من يقيني القديم:
أنَّ اللقاءَ آتٍ
ما دامتْ العقاربُ تشيرُ إلى العاشرةِ والنصف.
نظرتُ إلى المجلةِ
ووجهي انعكسَ على غلافِها
نصفُه شابٌ
والنصفُ الآخرُ غبار.
سعاد حسني كانت تبتسمُ لي
كأنها تفهَمُ
أنَّ الأشياءَ الجميلةَ لا تأتي مرتين،
ولا تأتي مجتمعة.
على رصيفِ “سينما الجمهورية”
كان البائعُ يغطُّ في نومٍ أزرق،
غطاؤهُ مجلاتٌ منسية،
وعلى عتبةِ الحلم
كان نور الشريف يتحدّثُ عن فيلم “الخوف”،
وكأنَّهُ يعرفُ أننا جميعًا
نخافُ من اللحظةِ التي لا يعودُ فيها الآخرون.
2 : (حين يصبح الصمتُ كتلةً لا يمكن عبوره )
في الجمعة الثانية
لم يكن غيابُهما مجردَ نقصٍ في المقاعد،
بل جدارًا… شفافًا كالكحول،
لا يُرى لكنه يُحرِق.
كانا هما الاثنانِ
كلمتينِ ممحيتينِ من جملةٍ لا تزالُ تحاولُ المعنى.
مشيتُ في رأسي
كمن يتجوّلُ في بيتٍ مهجور،
كلُّ زاويةٍ تحملُ صوتًا قديمًا
أو ضحكةً معلَّقة
كستارةٍ نسيتِ الريحُ أن تُزيحها.
“حديقةُ الشهداء” خلفَ الكازينو، تحرّكتْ ذلك اليوم .
شجيرةُ هناك سعلتْ برائحةٍ ثقيلة،
رائحةٌ شاحبةٌ كأنها قادمةٌ من خزانةٍ قديمة،
تعرفُ وجوهَ الغائبين لكنها لا تتكلم.
أعمدةُ الضوءِ
التي تسقطُ من فجواتِ الغيم
كأنها أذرعٌ باحثة،
تفكِّكُ المدينةَ حجرةً بعد حجرة،
بحثًا عن تفسيرٍ لتأخّرهما.
في الكازينو،
كان الوقتُ يتمطّى بكسلٍ فوقَ الأرائك،
وأنا أحصي عددَ المراتِ
التي خذلتني فيها الحقائقُ
حين انتظرتُها أن تكونَ منطقية.
كنتُ أسمعُ وقعَ خطواتهما…
خطوةٌ لامباليةٌ،
خطوةٌ ترتجفُ في ذاكرةِ السجادة،
خطوةٌ تعتذرُ دون صوت.
لكنهما لم يأتيا.
الغريبُ أنَّ الكرسيين بقيا هناك،
لم يتقدّما نحوي،
لم يسألاني عمّا إذا كنتُ بخير،
وهما يعرفان، أكثر من أيِّ أحد،
أن الانتظارَ – حين يطول –
يتحوّلُ إلى مهنةٍ سرّية
يُمارسها الجسدُ في صمتٍ،
كمن يكتبُ بيده على الطاولةِ
دون أن يملك قلماً.
أيتها الغياباتُ،
لماذا تتخذين هيئةَ من أحببناهم؟
لماذا تُجيدين التنكّرَ على هيئةِ موعد؟
3: (الخسارات الشفافة لاترى)
في الجمعةِ الثالثة دخلتُ الكازينو
كما يدخلُ نَفَسٌ متعبٌ إلى صدرِ صباحٍ لا يعرفُ ما ينتظرُه.
لم أسأل النادلَ هذه المرّة عن أحد،
كان وجهه يشبه صحنًا نُسيَ عليه الحساء،
باردًا،
متورّطًا في لاشيء.
جلستُ.
أمامَ الزجاج،
راقبتُ الضوءَ يُحاول أن يشقَّ طريقه
إلى ظلالي القديمة،
لكنني كنتُ بلا ظلّ،
تمامًا كما يكون الخوفُ حين يقفُ في منتصفِ الغرفةِ
ويبتسمُ.
رأيتُ بندولَ الساعةِ
يتأرجحُ ببطءٍ
كما لو كان يصفعُ الوقتَ على وجهِه…
ويعتذر.
أحيانا،
أفكر أنني لم أكن هناك فعلاً،
بل كنتُ ذكرى تمشي على الرصيفِ المقابل،
تشتري مجلاتٍ قديمة
كي لا يُقال إنني جئتُ بلا سبب.
الزجاجُ الذي يحيطُ بالمكان
لم يكن محكمًا كما كنتُ أظن.
لقد تسلّلَ منه الندمُ،
بلا صوت،
كالنملِ،
أو كالأغنيةِ التي نسمعُها صدفةً،
فنحفظُها دون أن نُدرك.
الندمُ
لا يتركُ بصماتٍ على الزجاج،
لكنّه يعرِّفك على نفسك
كما تعرِّفك المِرآةُ حين لا تراك.
قهوةٌ باردةٌ في الكوب،
أصواتُ ضحكٍ تنغرزُ مثل إبرٍ في جلدي،
أوراقُ دومينو
تسقطُ كأنها تنعى ترتيبَ الأشياء.
كنتُ وحدي،
لكنَّ مقاعدنا الثلاثة
كانت ممتلئةً بشيءٍ لا يُرى.
مرَّ الوقتُ،
وانكمشتِ المدينةُ في حقيبتي،
أعدتُ المجلةَ إلى الرفِّ،
وصورةُ سعاد حسني
ابتسمتْ لي مرةً أخيرة،
ثم أغلقتُ الغلاف،
وكأنني أُغلقُ بابَ الماضي.
4 : (حين يستمرُّ الصمتُ تنكسر الكلمات)
في الجمعةِ الرابعة،
لا أحدَ سألَني: هل جاءا؟
ولا أحدَ سمعَ صوتَهُما وهو يمضغُ أطرافَ قلبي
كأنّه يتسلّى بسُكَّرٍ مكسور.
توقّفتُ عن النظرِ إلى الساعة،
لكن بندولها واصلَ تأرجحهُ
بغرابةِ مخلوقٍ
لا يعرفُ كيف يتوقّف دون أن يموت.
فهمتُ عندها أن ما لا يُقالُ،
هو وحدهُ ما يعيش.
أصدقائي لم يعتذرا،
لكنّ صمتهما كتبَ لي خطابًا طويلاً
بلغةٍ لا يُتقنها إلا من جُرِّبَ في الوحدةِ مرارًا.
كنا ثلاثة،
كنا أقربَ إلى نقطةِ ضوءٍ انشطرتْ فجأة.
والآن،
أمشي وفي داخلي اثنانِ لا يجيئان.
الجمعة الخامسة جاءت،
وكانت السماءُ تُمطرُ أسئلةً.
قطراتُ الماءِ
تخبطُ على زجاجِ الكازينو
كأصابعِ طفلٍ يبحثُ عن أمِّه في مرآة.
أنا لم أعد أذهب،
لكن المدينةَ كانت ترسلُ إليّ أصواتًا
– ليست لهما –
لكني كنتُ أفتحُ البابَ في كلِّ مرة،
لأنّ الأصواتَ تشبهُ كثيرًا من نحبّ.
الطرقُ المؤديةُ إلى الكازينو
نبتتْ فيها شجيراتُ ارتياب،
وكانت الأرصفةُ تحملُ آثارَ أقدامٍ
لا تُشبه خطواتهما،
لكنني كنتُ أتعقّبها على أية حال،
كأني بذلك أُقنعُ قلبي
أن الانتظارَ تمرينٌ على نوعٍ آخر من الحب.
الزجاجُ،
الكرسيُّ،
رائحةُ الزهور،
وحتى مجلّة “الكواكب” القديمة،
كلها أشياءُ لم تعد كما كانت،
لكنها لا تزالُ تحفظُ أسماءنا
في تجاويفها الصغيرة
كما تحفظُ الطَفولةُ صوتَ أمٍّ نادتنا يوماً،
ثم لم تعُد.
ما لا يُقال،
ما لا يُعاد،
ما لا يُبرَّر،
هو ما يبقى.
هو ما يَنظرُ إليّ الآن
من مرآةٍ في آخر الرواق،
ويبتسم.
5: (في آخرِ المرآة، كنتُ وحدي دائماً)
لم يكن أحدٌ هناك.
فقطُ انعكاسي،
يتقدَّمُ نحوي من جهةٍ لا أعرفُها،
كأنه أنا،
لكن أكثر إدراكًا
لما يعنيه أن يجلسَ المرءُ
وجانباه خاليانِ من البشر.
كلُّ ما ظننتُه انتظارًا،
كان – في الحقيقة – تذكُّرًا بطيئًا لخيبةٍ
أردتُ إنكارَها بكلِّ ما أوتيتُ من عادة.
الكرسيُّ الأيسر،
الذي كان يجلسُ عليه “ريَّان “،
بدأ يئنّ كلما مالت عليه الشمس.
أما المقعدُ المقابل،
فأقسمَ لي في إحدى نوباتِ غفوتي
أنه رأى ” فارس ” يأتي عند الفجر
ويغادرُ دون أن ينطق.
في آخرِ جمعةٍ حضرتُ فيها دونهما،
لاحظتُ أن ظلّي كان يرتعشُ في مكانٍ مغاير،
وكأنّه يعرفُ أن الحكايةَ انتهت
لكنّي لا زلت أشرحُ فصولها للريح.
كلُّ الأشياءِ
صارت تمثّلني على نحوٍ ما:
المظلةُ التي لم تُفتح،
رائحةُ البنِّ التي تُشبه نحيبًا خافتًا،
الأوراقُ المتساقطة على رصيفِ الانتظار،
والنادلُ الذي لم يَعُد يبتسم.
ربما كنتُ أستحقُّ غيابَهما،
ربما لم أكنْ صديقًا كما يجب،
وربما كانا مجردَ اختراعٍ
وضعتُه بين قوسي الحقيقةِ
لأهربَ من السؤالِ الذي لا يُحبّ أحدٌ طرحَه:
من أنت حين لا يكون أحد؟.
اليوم،
أضع يدي على الزجاج،
ولا أراه باردًا كما كان.
الذاكرةُ صارت أكثر دفئًا،
لكنَّ الدفءَ – كالماء – لا يُمْسَك.
في آخرِ المِرآة،
في النقطةِ التي تتكسَّر فيها الصورة،
تأكّدتُ أنني كنتُ وحدي دائمًا،
وأن الاثنين اللذين لم يأتيا،
كانا مجردَ جزءٍ من صوتٍ داخليٍّ
أراد أن يخبرني أنني لن أُشفى.
6: ( النهايةُ… تسيرُ على قدمين حافيتين)
مرت أربعون سنة على اختفائهما
لكنني ما زلتُ أدخلُ الكازينو أحيانًا ليس بجسدي،
بل بنقطةٍ صغيرةٍ في رأسي،
تُديرُ مفتاحَ البابِ القديم
كلما هطلتِ الذاكرةُ فجأة.

أين ذهبا؟
لماذا لم يُرسلا ظلّيهما على الأقل؟
كان يمكن للظلّ أن يعتذر،
أن يترك لي منديلًا مطويًا بعناية ويقول:
“لم نعد كما كنّا، فاعذرنا ” .
النهايةُ لم تأتِ بصوتٍ
ولا برقصةٍ أخيرة
ولا بانهيارِ مفاجئٍ لكوبٍ من زجاج.
بل جاءت…
تسيرُ على قدمين حافيتين،
تداعبُ الغبارَ،
ولا تلتفتُ.
إنّ ما نغفلهُ
هو أنَّ الفقدَ لا يحتاجُ حادثة،
بل لحظةَ شكٍّ واحدة
نحفرُ فيها على جدارِ القلب:
“ماذا لو لم يعودا؟” .
ومن تلك اللحظةِ،
يبدأ كلُّ شيءٍ بالاختفاءِ
كما تختفي المدينةُ خلف ضبابِ قطارٍ لا نراه.
لا رسالة،
لا قبر،
لا وداع،
فقطُ نحن،
نحن الذين بقينا نكتبُ الاحتمالات
على ورقِ المناديل،
ونبحث عن أثرٍ قديم
بأنفاسٍ لا تؤمنُ بالرائحة.
في النهاية،
لا أحد يختفي تمامًا،
لكنّ البعضَ يتحوّلُ إلى طيفٍ
يسكنُ كرسيًّا،
أو صورةً،
أو مجلّةً قديمة تبتسمُ لنا من الرفِّ المقابل.
وها أنا،
أغلقُ دفترَ الجمعاتِ
وأضعُ قلبي في جيبِ سترةٍ لا أرتديها،
أُطفئُ ساعةَ الحائط،
وأسمحُ لبندولها أن ينام.
النهاية…
ليست غيابًا.
إنها تحوُّلُ الأصدقاء إلى سؤالٍ،
لا نملكُ أمامهُ إلا أن نحبَّه…
ونمضي.



















