أولى المكونات الدينية ــ الرافدينية ومعتقدات ما قبل المسيح

780

المندائية .. الأزل العراقي المُدهش (2)

أولى المكونات الدينية ــ الرافدينية ومعتقدات ما قبل المسيح

نعيم عبد مهلهل

والحديث بين النبيين قبل التعميد يخضع الى رؤى تتخالف ومنطق قد يصعب فهم مغزاه بالرغم من أن السيد المسيح      ( ع ) ، كان واضحا في نيته من اجل رسالته الكهنوتية الموصى فيها ،وكذا يحيى ( ع ) ،لكن لضرورات قد فرض مثلها على موسى ( ع ) ، قبله وخاصة الحيطة والحذر من التعامل في هكذا أمور خطيرة في المجتمع العبري ، وكان الحوار يشير الى ضبابية الوصول الى مشترك واضح .  وفي النهاية كان رد السيد المسيح واضحا في ذلك الجدل قوله  (أنت مسؤول عن خطاياك وأنا مسؤول عن خطاياي )

كتاب تعاليم يهيا كما ينطق في المندائية والعبرية هو صورة من الصورة صناعة حكمة الروح وتهذيبها ، وكان الكهنة المندائيون الكبار ولم يزلوا يرون فيه مرجعاً مهماً بعد كتاب الكنزا ربا ، لأن المندائية كغيرها من الديانات الشرقية ترى في الرسول لهذه الديانة المبشر والمرجع والكلمة الواصلة بين العبد وخالقه.

لكن في النهاية جاء الأمر الإلهي بتعميد المعلم لتلميذه كما ورد في كتاب تعاليم ومواعظ يحيا :

(( يا يحيى أصبغ المسيح ، أصبغه في يردنا وأصعد ضفة النهر حيث روح القدس تمثلت في حمامة رسمت صليباً ))..

محاجات تاريخية

إذن مادام المندائيون يرون في القديس والنبي يحيا معمدانا ورسولا لوجودهم فأين كانوا قبل يحيا ، وهم يذكرون دوما في المحاجات التاريخية لوجودهم أنهم من نسل آدم ( ع ) وأنهم عاصروا نوح وإبراهــــــــيم ( ع ) ومن جاء بعدهم ؟

هذا يعني أن المندائيون وقعوا تحت التأثير الديني والحضاري ومتغيراتهما عبر عصور سبقت ميلاد المسيح ( ع ) وهذا ما ثبت في قراءات تاريخية لتلك العصور والتأثير الذي لحق في المندائية قسرا أو طوعا ، وأهمها تلك التي هيمنت على الحياة الدينية والدنيوية للمناطق التي عاش فيها المندائيون الأوائل في بلاد فارس وبلاد الرافدين وهذه التأثيرات تنحصر في المعتقد الزراد شتي الفارسي وديانات وادي الرافدين القائمة على تعدد الآلهة كما في آلهة سومر وأكد وبابل وأشور ، وربما القراءة الأسطورية لتراث وادي الرافدين وقراءة الإرث المندائي القديم يقربنا كثيرا من وضوح رؤية هذا التأثير في الكثير من طقوسه وخاصة تلك التي ترى في الماء هاجسا للطهارة الروح والجسد ، وما يتعلق بالسماء وأبراجها والكينونة التي تهيمن عليها ، وبالرغم من أن أقوام بلاد الرافدين استطاعت أن تقترب من المفهوم السماوي والوحداني من خلال جعل انو اله السماء كبير الآلهة ، لكن الزرادشتية الفارسية اعتمدت على النار كمؤثر مطلق وروحاني للبشر، ويبدو أن المندائيين بعد نزوحهم من أراضى فارس صوب البطائح السومرية صار التقبل السماوي للديانات الرافدينية وما اكتسبوه من دعوات الأنبياء والقدسيين اقرب الى وجدانهم وعقيدتهم مع انهم اكسبوها حالة متفردة هي الحالة الغنوصية التي تقترب من السلوك الصوفي إلى يعتقد أن سلوك المتسامي في الخيال يمنح النفس تقية الوقوع في الغراء المادي وآثامه ، وبذلك هو يزهد عن ماديات المحيط ويغط في سبات حاله ، ولا يلتفت الى ما يعتقده كماليات الزينة والهندام.

وفي تصور متخيل اعتماداً على ما تعكسه الرواية التاريخية لحياتهم وما يتناقلوه في ارثهم المدون والشفهي وطبيعة حياة المجتمعات التي سكنت جنوب العراق واهمها شعوب سومر واكد ، كان المندائيون يعيشون في تجمعات سكانية قليلة وبعضهم يحاول جهد الإمكان جعل سكنه مقاربا الى المجتمعات السكانية الأخرى غير انهم كانوا كثير التجوال بين هذه المجتمعات بما يشبه الدعاة الصامتون والذين يمارسون المهن الطقوسية التي تقترب من الفعل الكهنوتي مثل قراءة الطالع وتدوين الطلاسم والطب الروحاني والجسدي ، وبعضهم قادته فطنته الروحية الى امتهان مهن صعبة خلال هذا التجوال مثل مهنة صناعة السيوف والصياغة وأدوات الزراعة ، ولم يمارسوا في حياتهم أي مهنة حرة فنادرا ما يكون بينهم صيادا أو محاربا أو فلاحا أو وزاناً أو حائكاً، أنها جزء من خصوصية الانتماء للحياة والثبات على ما جبل عليه المندائي ليكون مع خصوصيته والتي بالرغم من تعرضه للكثير من ممارسات الاضطهاد والإبادة ومحاولة الإرغام على تغيير ملته إلا انه في النهاية نال اعتراف المجتمعات على هذه الخصوصية واكتسبوا الاحترام حتى مع الإمبراطوريات القاسية والمتزمتة كما حدث في الرواية التالية والمأخوذة من مقالة للباحث المندائي غضبان رومي ونشرها في مجلة آفاق مندائية 1999:

(( مرت عدة سفن تحمل بعض العوائل المندائية من آل مران والمندوية بالقرب من الجيش التركي المُعسكر في صدر الحد ، وفي المساء رست السفن ونزل راكبوها على شاطئ دجلة للعشاء ، وعندما سمع القائد التركي زارهم وسألهم عن أصلهم فأجابوه بأنهم صابئة مندائيون يرغبون السكن مع عشيرة بني لام لأنهم أناس طيبون وأخيار ، وأوضحوا له بأنهم صاغة مهرة ، وبعد أن قضى وقتا معهم وعرف طبيعة خلقهم ودارت قهوتهم على الحاضرين طلب منهم أن يسكنوا هنا ويعطيهم كل شواطئ دجلة في المنطقة ويعطيهم بذلك ( طابو ) وبعد أخذ ورد وافقوا وشرعوا ببناء بيوتهم من القصب والبردي ثم غيروها الى شواطئ الكحلاء ببناء بيوت من الطين هناك ، ولذلك نستطيع الاستنتاج والقول أن المندائيين هم البناة الأوائل والسكنة الأوائل لمدينة (مي سيانة ) القديمة وأول من سكن مدينة العمارة الحالية وكذلك قلعة صالح عام 1865، حيث استوطنوها مع القائد التركي الذي بنى القلعة. ))

ذهبت حران وأهلها الى طلل التاريخ وألواحه الطينية والرُقم المدفونة ولم يبقْ من المكان سوى أطياف من عاشوا فيه وتركوا لنا أرث المدونات وأحفاد زحفوا بمراكب المعيشة والطقوس الى الجنوب حيث شكلوا فيه وحدة دينية وحضارية حافظت بإصرار عجيب على وجودها ولم تنقرض أو تنحسر مع تعاقب الحضارات ومتغيراتها ، فقد عاصروا أهل سومر وذهبت سومر ، وبقوا هم ، وكذا مع أهل أكد وبابل وغيرهم من الذين أسسوا لهم في العراق دولاً وممالكاً وإمبراطوريات وحتى مجيء الدولة الإسلامية التي نظرت إليهم دون أن فوارق وقسر وجعلتهم كما أمر القرآن وأوصى أن يكونوا من أصحاب الجزية.

وفي الجنوب حيث الماء الوفير عاش المندائيون مع أهل البطائح دون أي شعور من الطرفين بالتنافر ، بل أن التعايش كان قائما على مدى الأزمنة وكانت القبائل العربية في الجنوب العراقي تستقبل الوافد المندائي الذي يحمل بضاعته ورؤاه وقراءات الطالع في سكن خاص وينال شيئا كبيرا من الاحترام من قبل شيخ القبيلة ، ويكفي للمندائيين أنهم عاشوا بين سكان الأهوار ومدنهم منذ تأسيسها وكان لهم الدور الكبير في تأسيس المناشط الحضارية الأولى في تلك المناطق وخاصة المؤسسات التربوية والإدارية .

وأصبح ذلك التعايش يمثل صورة للاندماج الاجتماعي مع امتلاك هذه المكونات خصوصياتها الثقافية والروحية ولم يكتب يوما أن أهل الأهوار منعوا مندائيا من إقامة طقوسه بالرغم من حرص الصابئة على إقامة طقوسهم بعيدا عن المشاهدة العامة لسكان تلك المناطق وربما كان كهنتهم الروحيون يدعون من أشراف القوم من المسلمين وأصدقاءهم الموثقين لمشاهدة وتأمل هذه الاحتفالات حيث أرتنا الوثائق والصور التذكارية للمجالس المحلية والبلدية لمدن وألوية وقصبات الجنوب العراقي في بداية الحكم الوطني في العراق وجود شخصية مندائية معروفة ومؤثرة ضمن أي تشكيلة من هذه التشكيلات.

ويمكن أن نقرب الصورة بشكلها الروحي والتذكاري مع لحظة عشتها في ناحية الكحلاء عندما كنت جندياً لأشاهد مرة أخرى متعة هذا الطقس في واحد من أعيادهم عندما صار الماء مغتسلا لطهارة الروح والبدن ، حيث نزل رجال الدين بملابسهم البيض الناصعة الى ماء النهر وسط تجمهر أبناء الطائفة حيث مراسيم زواج بين شابين مندائيين صبغت حمرة البراءة والخجل خد العروس لأرى في مرآة انعكاس أزمنة بعيدة كان فيها من فرط محبة التعايش بين المندائيين وسكان الأهوار أن يقولوا نحن من ( معدان الصابئة ).

كان الماء يغسل ذاكرة كل شيء ويديم وصل الحياة من خلال صناعة المتغير لأزمنة وجود أي هاجس حياتي ، وكانت الحضارات وحتى اليوم تخشى في موتها شيئان لاغير ،جنون أباطرتها وشح الماء ، فجنون الأباطرة يفضي الى الحرب المدمرة ، وشح الماء تفضي الى العطش وبالتالي موت الأخضر واليابس وكل حي.لهذا نظر المندائيون الى الماء بوعي وقدسية وخشوع ،وربما هم تواصلوا مع الطقس الروحي الأول الذي اصبغ فيه يحيى المعمدان جسد يسوع ( ع ) ، ومنحه بركة الرؤيا والنبؤة والبشارة ، فكان يمثل في أدبياتهم الدينية والأسطورية والتراثية شيئا ذكرته الكتب ومشوا على الذكر ولم يحيدوا عنه قيد أنملة حتى قال أحد كهنتهم لي في ذلك المكان على ساقية ماء باردة في هور الكحلاء : منه نأخذ الحياة ، والحياة تأخذ وجودها من الرب المزكي.

صانع شيء

هم يجدون في الماء مغتسلاً لكل خطيئة وصانعاً للشيء الذي يكونَ فيهم الشعور والتسامي والخانعة بما يملكون ، لهذا فهم بتكوينهم الطبقي يقتربون من الاشتراكية بمفهومها العلمي وقلما تجد بينهم الفوارق المادية وخاصة في الأزمنة القديمة ، وطالما يكون الماء تجدهم يجاورونه في ألفة العيش والمحبة بالرغم انهم لا يسترزقون منه ولكنهم يعايشونه في لحظة التكريس والتعميد واقامة النذور والأعياد وكل ما يحتاجه المندائي ليكون قريبا من خالقه.

 كما يـــــــــعتقد كهنتهم بالقول : ((إن الماء هو طريق للأيمان بان التعميد (المصبتا) هو الطقس الضروري لإنقــــــــــاذ الأنفـــــس من براثن الأسرار المادية وتقوية النفس البشرية بإنــــــــــعاشها بنــــــور الحياة المتجسد بالمياه الحــــــية الجارية.))

فكل ماء جار هو الحياة في تحولاتها التي لا تتوقف ، هكذا يعيش فيهم المعتقد هؤلاء الذين يسكنون في حضن الطبيعة وقرب مراعي القصب ومدن الجاموس والأساطير.

يتبع

مشاركة