أوجلان‭ ‬يحتفظ‭ ‬بدور‭ ‬كردي‭ ‬مؤثر‭ ‬بعد‭ ‬عقدين‭ ‬على‭ ‬اعتقاله‭ ‬في‭ ‬تركيا

426

انقرة-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬عندما‭ ‬اعتقلت‭ ‬السلطات‭ ‬التركية‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬عبدالله‭ ‬أوجلان‭ ‬قبل‭ ‬عقدين،‭ ‬اعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬ضربة‭ ‬قاصمة‭ ‬لحركته‭ ‬الانفصالية‭ ‬المتمردة‭ ‬لكن‭ ‬الخبراء‭ ‬يشيرون‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتمتع‭ ‬بنفوذ‭ ‬كبير‭ ‬كلاعب‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬سلام‭ ‬مستقبلي‭ ‬مع‭ ‬الجماعة‭ ‬المحظورة‭.‬

وأسس‭ ‬أوجلان‭ ‬الحزب‭ ‬المدرج‭ ‬على‭ ‬لوائح‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬أنقرة‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬عام‭ ‬1978‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬في‭ ‬مسعى‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬للأكراد‭. ‬وتحوّل‭ ‬الحزب‭ ‬إلى‭ ‬جماعة‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1984‭ ‬تهدف‭ ‬لإقامة‭ ‬دولة‭ ‬كردية‭ ‬مستقلّة‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬قتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬خلال‭ ‬حركة‭ ‬تمرد‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭. ‬وقبل‭ ‬اعتقاله‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬عاش‭ ‬أوجلان‭ ‬في‭ ‬المنفى‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬توصلت‭ ‬دمشق‭ ‬وأنقرة‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬في‭ ‬1998‭ ‬أُجبره‭ ‬على‭ ‬المغادرة‭. ‬وألقى‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الاستخبارات‭ ‬التركية‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬أخيرا‭ ‬في‭ ‬كينيا‭ ‬خارج‭ ‬السفارة‭ ‬اليونانية‭ ‬في‭ ‬نيروبي‭ ‬بتاريخ‭ ‬15‭ ‬شباط/فبراير‭ ‬1999‭. ‬ويقبع‭ ‬أوجلان‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬سيء‭ ‬الصيت‭ ‬على‭ ‬جزيرة‭ ‬إمرالي‭ ‬قبالة‭ ‬اسطنبول‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬رغم‭ ‬عزلته‭ ‬التامة‭ ‬تقريبا‭ ‬يعد‭ ‬شخصية‭ ‬مرجعية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للقضية‭ ‬الكردية‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها‭. ‬وبحسب‭ ‬أليزا‭ ‬ماركوس،‭ ‬مؤلفة‭ ‬كتاب‭ ‬«الدم‭ ‬والمعتقد:‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬والكفاح‭ ‬الكردي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاستقلال»،‭ ‬«شكل‭ ‬توقيف‭ ‬أوجلان‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬ضربة‭ ‬قاصمة‭ ‬للمنظمة‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يمسك‭ ‬بيده‭ ‬كل‭ ‬المفاتيح‭ ‬المتعلقة‭ ‬بحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬وأنشطته‭ ‬وفجأة‭ ‬اختفى»‭. ‬وتابعت‭ ‬«إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تسبب‭ ‬قراره‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬استقلال‭ ‬كردستان‭ ‬‭ ‬كما‭ ‬أعلن‭ ‬خلال‭ ‬محاكمته‭ ‬‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬الإرباك»‭. ‬لكن‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬التكيّف‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬«جزئيا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أوجلان‭ ‬كان‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬عبر‭ ‬مقابلات‭ ‬ولقاءات‭ ‬مع‭ ‬محاميه»،‭ ‬بحسب‭ ‬ماركوس‭.‬

‭- ‬منع‭ ‬الزيارات‭ -‬

وفي‭ ‬2013‭ ‬مثلا،‭ ‬دعا‭ ‬أوجلان‭ ‬عبر‭ ‬نواب‭ ‬وسطاء‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬الشعوب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬المناصر‭ ‬لقضية‭ ‬الأكراد،‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬للسماح‭ ‬بإجراء‭ ‬محادثات‭ ‬السلام‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬أنقرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭.‬

وانهار‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬الهش‭ ‬في‭ ‬2015‭ ‬واندلعت‭ ‬المواجهات‭ ‬الدامية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬البلاد‭ ‬مجددا‭.‬

وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬انقلاب‭ ‬2016‭ ‬الفاشل،‭ ‬كثّفت‭ ‬أنقرة‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬«الإرهاب»‭ ‬بموجب‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬عنها‭ ‬واتخذ‭ ‬القرار‭ ‬«رسميا‭ ‬يمنع‭ ‬جميع‭ ‬الزيارات‭ ‬إلى‭ ‬إمرالي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬محاميه‭ ‬أو‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته»،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬أفاد‭ ‬أحد‭ ‬محاميه‭ ‬وهو‭ ‬إبراهيم‭ ‬بيلمز‭. ‬لكن‭ ‬يذكر‭ ‬أن‭ ‬أوجلان‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬محاميه‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2011‭. ‬ووفق‭ ‬حزب‭ ‬الشعوب‭ ‬الديموقراطي،‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬مضربين‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭ ‬للمطالبة‭ ‬بالسماح‭ ‬لأوجلان‭ ‬بالتواصل‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬ومحاميه‭. ‬وبين‭ ‬هؤلاء‭ ‬ليلى‭ ‬غوفين،‭ ‬وهي‭ ‬نائبة‭ ‬عن‭ ‬حزب‭ ‬الشعوب‭ ‬الديموقراطي‭.‬

وتواصل‭ ‬غوفين‭ ‬(55‭ ‬عاما)‭ ‬إضرابها‭ ‬الذي‭ ‬بدأته‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني/نوفمبر‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬الإفراج‭ ‬عنها‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬بانتظار‭ ‬محاكمتها‭. ‬وفي‭ ‬مسعى‭ ‬لاسترضاء‭ ‬المضربين‭ ‬عن‭ ‬الطعام،‭ ‬سمحت‭ ‬السلطات‭ ‬التركية‭ ‬لمحمد،‭ ‬شقيق‭ ‬أوجلان،‭ ‬بزيارته‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬2016‭.‬

وقال‭ ‬بيلمز‭ ‬إن‭ ‬«الإضراب‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭ ‬هذا‭ ‬أحرج‭ ‬الدولة‭ ‬لأن‭ ‬المطالب‭ ‬مشروعة‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬أُرسل‭ ‬شقيق‭ ‬أوجلان‭ ‬(لزيارته)‭ ‬في‭ ‬إمرالي»‭. ‬وأضاف‭ ‬المحامي‭ ‬«لا‭ ‬معلومات‭ ‬لدينا‭ ‬سوى‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬لنا‭ ‬محمد»،‭ ‬لكن‭ ‬أوجلان‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬الناس‭ ‬أنه‭ ‬«بخير»‭.‬

‭- ‬‮«‬ارتباط‭ ‬معنوي‮»‬‭ -‬

وبحسب‭ ‬بيلمز،‭ ‬هناك‭ ‬«ارتباط‭ ‬نفسي‭ ‬معنوي»‭ ‬بين‭ ‬أوجلان‭ ‬والشعب‭ ‬الكردي‭ ‬إذ‭ ‬«يستمدون‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض»‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بنفوذه‭ ‬وشعبيته‭.‬

ويرى‭ ‬حميد‭ ‬بوز‭ ‬أرسلان‭ ‬من‭ ‬«معهد‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية»‭ ‬ومقره‭ ‬باريس،‭ ‬أن‭ ‬«المفارقة‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬يتكون‭ ‬انطباع‭ ‬بأن‭ ‬اعتقاله‭ ‬خدم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬والقضية‭ ‬الكردية»‭.‬

وأضاف‭ ‬بوز‭ ‬أرسلان‭ ‬أن‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬بات‭ ‬أكثر‭ ‬شعبية‭ ‬الآن‭ ‬عما‭ ‬مضى‭ ‬حين‭ ‬توقيف‭ ‬أوجلان‭.‬

وقال‭ ‬«خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشرين‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تحول‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬إلى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬مرجعين‭ ‬رئيسيين‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الكردي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحكومة‭ ‬الكردية‭ ‬العراقية»‭.‬

ويتجاوز‭ ‬تأثير‭ ‬أوجلان‭ ‬الحدود‭ ‬التركية‭ ‬إذ‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬أتباعه‭ ‬الموالون‭ ‬له‭ ‬«آبو»‭ ‬أو‭ ‬«ساروك»‭ ‬(أي‭ ‬الزعيم)‭ ‬فيما‭ ‬تُرفع‭ ‬صوره‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سوريا‭ ‬والخاضعة‭ ‬لسيطرة‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬الكردية‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

ومنذ‭ ‬عودة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬2015،‭ ‬شدد‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬إردوغان‭ ‬لهجة‭ ‬خطاباته‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمقاتلين‭ ‬الأكراد‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬للنزاع‭ ‬عبر‭ ‬التفاوض‭.‬

لكن‭ ‬بوز‭ ‬أرسلان‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الظروف‭ ‬خاضعة‭ ‬للتغيير‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬مؤكدا‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬أراد‭ ‬إردوغان‭ ‬استئناف‭ ‬المحادثات‭ ‬«فلا‭ ‬محاور‭ ‬أمامه»‭ ‬سوى‭ ‬أوجلان‭.‬

مشاركة