أهديت معلمي خنجراً قيمته 150 فلساً – مذكرات الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد

ذكرياتي   -2-

أهديت معلمي خنجراً قيمته 150 فلساً

عبدالرزاق عبد الواحد

الجزء الثاني

    ما تألمت من المعلّم الذي طردني من الصف بقدر ما أحسست بالألم من عيون حسقيل التي تنتظرني بشماتة في الساحة، ولهذا أمسكت بجزء عمّ الذي معي وبدأت أقرأ فيه بأعلى صوتي .. فجأة خرج المعلم إلى باب الصف وناداني، فذهبت فرحا ظننا مني أنه سيدخلني الصف لما رآني عليه من عشق بالقرآن. حالمَا وصلت إلى باب الصف قال: جيب الجزء .. قلت( أستاذ هذا ما لي آنه شتريته) ، فأمسك بالجزء وسحبه بقوة من يدي وهو يقول 🙁 جيب الجزء لا تنجّسه) .

شهور وأنا أحلم كيف أقتل هذا المعلم .. لو خرج اليه غول والتهمه .. أو سيارة وطحنت جسده .. كنت أخاطبه وأنا أحلم في الليل : لو أستطيع لقتلتك، ولكنني لا أستطيع

بقرة، وكان بيتنا على النهر، فوجدوا ماطورا فيه دوبة خالية اتفقوا معه أن ينقل البيت كله والبقرة معه، وكان قد بقي على امتحان البكالوريا اليوم الاخير، فتركوني وحدي في البيت وأعطوني ربع دينار أعود به بعد أن أنهي الامتحان.

استيقظت، وكنت نائما على السطح وحدي، وأديّت امتحان اليوم الأخير ووجدت في النهر زورقاً فيه ماكنة قال لي ولمن معي : اذا كنتم ذاهبين الى العمارة فأنا مستعد لآخذكم شرط أن يدفع لي كل واحد منكم خمسين فلساً، فوافقنا جميعاً .. وكان من بيننا مدير الامتحان وهو تركماني بالغ الطول. مدرس في ثانوية العمارة للبنين.

في الطريق توقفنا في مدينة علي الشرقي .. أكلت منها لقمة، ثم وجدت صبياً يبيع خناجر كان أحدها فاتناً  فاشتريته منه بـ 150 فلساً عندما عدت الى الزورق وشاهده مدير الامتحان سألني فقلت له اشتريته بـ 150 فلساً من صبيّ هنا .. قال : أعطيك  150 فلساً وأعطيني اياه فقلت : لا أستاذ.

آخذه بلاش .. وأصرّيت على ذلك فأخذه ..

ونجحت، ودخلت في الصف الأول من ثانوية العمارة للبنين.

  وكنت كلما شاهدت الاستاذ رِفعتْ – مدير الامتحان – شعرت بالزهد أنني أهديته خنجراً قيمته مئة وخمسون فلساً.

في يوم من الايام كان هو مراقبا للساحة، وكان أحد التلاميذ يمازحني بشكل مزعج فقلت له – وأقسم أنني ما كنت أعرف معنى كلمة مذهب في ذلك الوقت – دروح .. خره بمذهبك.

واذا بالاستاذ رِفعتْ  يناديني .. حين دنوت إليه صفعني صفعة أدارتني دورة كاملة، ثم ضربني ( جلاّق ) طرت معه في الهواء مسافة خمسة أمتار  ..

بقيت أشهرا وأنا مستغرب كيف يعذبني بهذا الشكل وأنا أهديته خنجراً قيمته 150 فلساً ؟

وعدنا إلى بغداد .

أخذني أبي إلى الغربية المتوسطة وكان مديرها جالساً في غرفته ومعه بعض الاساتذة. قبل أن يقول أبي شيئاً قال له المدير : عمي المدرسة الابتدائية خلفنا، فقال له أبي : هو بالمتوسطة مو بالابتدائية.

فنظر إليّ المدير مستغرباً قال :(جبتله شهادة نقل ؟).

فقال له أبي : لا عمّي .. جبت شهادة نجاحه من الأول للثاني متوسط.

ودخلت في متوسطة الغربية النموذجية. كنا نسكن في منطقة مجاورة للمدرسة اسمها الصّرافية، وهي عبارة عن مجموعة بيوت من القصب والطين بيتنا واحد منها. ياما هطل علينا وابل المطر ونحن نائمون من سقمها المهترئ ، وكانت أمي رحمها الله تصنع القدور تحت وابل الماء المنهمر ليتجمّع فيها .. في تلك الفترة قالت بيتها الشعريّ الشهير الذي أصبحت احدى كلماته عنواناً لثلاثة دواوين كتبتها قالت وهي تلالي لأصغر أخواتي :

 ما بيع طوشي والملطح بالنَّخلْ

تسعين ليله والبشير يلوحْ

وكانت تعنيني انا بالبشير .. أن أكمل دراستي وأتمكن من اعالتهم.

كنت في الصف الثاني المتوسط، وكان لدينا مراقب اسمه صباح محمد شكري البمبيلي، كان يتجاوز حتى على الاساتذة ويمون عليهم .. أشقر جميل الخلقة. كنت أصل كل يوم متأخراَ إلى المدرسة لأنني أسحب معي أخي عبد الوهاب، وكان طفلاً في الابتدائية .. وعبد الوهاب لا يتذكّر أن يخرج ما في بطنه الا في الطريق .. فكنت أحتار به، وأصل إلى مدرستي وقد انتهى الدرس الاول ، وكان صباح يسجلني فيه غائباً، يوماً قلت له وقد صار صديقي وأخذني معه إلى بيتهم وعرف أني أكتب شعراً : يا صباح اذا استمرّيت تكتبني كل يوم غائب راح انفصل بالغياب. ” قال : امدحني بقصيدة وأنى بعد ما أسجلك غائب .. وكانت أول قصيدة مدح كتبـــــتها في حياتي ..:  مطلوب :

ومراقب عند الصباح اذا أتى

      يجلو الفضيلة َ وجههُ الوضّاء .. هذه اللغة العجيبة، وعمري لم يكن يتجاوز الثانية عشرة الا بقليل .. واو ربّ التي شجرّ ما بعدها والتي لا يعرفها قسمً من أهل اللغة العربية هذه الايام .. وهذا التقديم والتأخير في البيت.

كان أستاذنا في اللغة العربية مصرياً اسمه ابراهيم أبو الفتوح .. ما ان دخل الصف حتى نهض اليه صباح والقصيدة في يده .

قال : أستاذ أنظر عبد الرزاق مدحني بهذه القصيدة.

حين قرأها المدرّس لم يصدّق أني أنا كاتبها. قال أنتَ كتبتَ هذه ؟ قلت : نعم أستاذ، وكان لدينا درس إنشاء. قال : اذا طلبت منك الآن أن تكتب لي شيئاً مثلها ستفعل ؟

قلت : نعم أستاذ . قال: اجلس على آخر رحلة في الصف. وأكتب لي مناظرة بين الفصول الأربعة، لكل فصل بيتان يمدح فيها نفسه في نهاية الدرس أعطـــــــيته ورقتين فيهما ستة عشر بيتا، كل فصل أربعة أبيات .. فجنّ جنون ابراهيم أبو الفتوح.

منذ ذلك اليوم صار اسمي ( العبقري ) وأصبح حتى في تعامله مع الطلاب يقول لهم : اللي على يمين عبد الرزاق باثنين، واللي على شماله بثلاثة .. واللي أمامه .. وهكذا . وصار الطلاب لهذا السبب لا يطيقونني. كان حجمي ضئيلاً، وحجمي خفيفاً جداً فصاروا يرفعونني من أذني حتى كدت أفقد السمع ..

يوما ما كنت أروي حادثة مديحي للمراقب في التلفزيون واذا به يتصل بي قائلاً : أنا المحامي صباح محمد شكري الجبيلي ..

أنا صديقك يا أستاذ عبد الرزاق القديم. القصيدة ما زالت عندي أعتز بها.

كان درس اللغة العربية هو أكثر درسٍ أحبّه لتمكني منه .. وكنت في الصف الثالث المتوسط الغريب وأنا واثق حتى الآن أنني في البكالوريا أجبت في مادة اللغة العربية إجابة أستحق عليها أكثر من 90 جاءتني 75 .. وظهرت نتيجتي مكملا في المجموع، فقلت هما درجتان أحتاجهما فقط، آخذ درس اللغة العربية لأمتحان الاكمال .. غير أني نسيت أن أذهب الى الاعدادية المركزية وهي مركز الامتحان لتحديد المادة التي سأمتحن فيها.

 في يوم من الايام جاءتنا الى البيت ابنة خالي لميعة عباس عمارة فوجدوني العـــــــب مع كلبي على سطح بيتـــــــنا فاستغربت .. قالت : عبد الرزاق مو عــــندكم  اليوم امتحان ؟ فذهــــــــــلت من هول الصدمة.

اعتبروني جميعا راسباً وأحاول أن أموّه عليهم . لبست ملابسي وأسرعت ألى مركز الامتحان في الاعدادية المركزية وأنا أفكر .. كنت معتمدا على درس اللغة العربية وانا محتاج درجتين فقط.

ودرجتي فيه 57 .. الأن أيّ مادة أستطيع تحضيرها خلال يومين ؟

فجاة استقر رأيي على اختيار مادة الرياضيات .. قلت ليكن .. رسوباً.

ذهبت الى الاعدادية وعيّنت درس الرياضيات لامتحاني  قالوا ولكن لديك 65 في الرياضيات قلت ليكنْ. وامتحنت وأخذت 87 ..

وبدأ العام التالي .. ودخلت في الاعدادية المركزية لأن طلاب المتوسطة الغربية هم المفضلون في القبــــول فيها ..

عندما قدّمت على القبول في الاعدادية رأسا وضعني المدير في الرابع العلمي بسبب هبوط درجتي في اللغة العربية.وارتفاعها في العلوم والرياضيات قال لي علاء الرَيس مدير المدرسة سأضعك في الرابع العلمي (أ) قلت : استاذ أنا أريد الدخول في الفرع الأدبي فتعجب قال  أبني .. درجتك في اللغة العربية 57 .. وفي الرياضيات 87 .. وفي العلوم 78 .. كيف تدخل في الأدبي ؟ .. قلت أدبي . قال اذهب الى الرابع العلمي و دوام ولو أسبوع واحد وأخذني ووضعني في الرابع العلمي ( أ) وجاء في اليوم الثاني فوجدني جالساً في الرابع الأدبي ( ب)

قَال : يطبّك مرض . ابقى هنا .

في ذلك العام كان في الرابع الأدبي (أ) الشاعر رشيد ياسين، نزار الملائكه اخو الشاعرة نازك الملائكة وكان وهو في الاعدادية يتقن 6 لغات من جملتها اللاتينية

وكانت لنزار فلسفة عجيبة في الحياة .. يعتبر الذي يضحك مجنون

كان رشيد يصدر النشرة الجدارية بالمدرسة .. ينهض بها لوحده، تصميما، وكتابة ، واختياراً للمواضيع ، ورسما وكان يكتب شعرا عجيبا:

على هذه الكرة الطافية يبحر الزمان العديم الحدود.

   تحرّكنا قوة خافية فنهدم سداً لنبني سدود

ونذهب في الجزر حتى نعود

                مع المدّ بــــــــصورةٍ ثانية

  وأعجب ما فيه انه قرأ الفلسفة اليونانية كلها باللغة الانكليزية وفرض على ابنه الاكبر نبيل أن يفعل ذلك.

كنا في الرابع الأدبي( ب) صفّ الشقاوة في المدرسة كان استاذنا في اللغة العربية الاستاذ صادق الملائكة والد الشاعرة نازك. زارتنا يوماً مدرسة اعدادية سورية يرافقها احد كبار شعراء سوريا وكان أستاذاً فيها ألقى قصيدة رائعة في أول يوم قدومهم وألقى الاستاذ صادق الملائكة كلمة لأنه لم يكن شاعراً . في اليوم الثاني في الاصطفاف الصباحي وأمام المدرسين قلت للأستاذ صادق أستاذ عندي قصيدة اذا سمحت لي بإلقائها

فاستغرب .. قال تفضل ابني فوقفت أمام الزائرين وأنشدت قصيدة منها هذه الأبيات :

أتتك تدِل وتستأسرُ

  وتطوي وآثارها تنشر

      عليها من الشعر نبع الحياة

  عواطف كالشعرِ لا تُسبَرُ

   واذا انت لم تنطلق بعدها

                     فلا الهمت شاعراً عبقرُ  فقال الاستاذ الشاعر السوري : ( إيش هاي شعر هذا) للانصاف اذكر ان صفنا الرابع الأدبي ( ب ) كان فيه شاعر آخر يفوقني اسمه مهدي الريحاني زوج اخت الشاعر رشيد ياسين ولكنه اختفى.

تخرجت من الاعدادية بمعدل 72 وهو معدل جيد وقبلت في دار المعلمين العالية قسم اللغة العربية هنا لا بد أن أذكر أنني اوشكت أن لا أُقبل لأن عمري كان 17 سنة فقط ولا يقبل من هو دون الثامنة عشرة فمسحت تاريخ الولادة بنـــــــفسي 1931 وجعلته 1930 . ولهذا فالحـــياة مدينة لي بسنة ما عادت في هذا العمر تسوى شيئاً.

قلت إنني دخلت دار المعلمين العالية وقبلت في القسم الداخلي واخترت مكاني في القسم الى جانب بدر شاكر السياب كنت ألاحظ بدر ينهض كل صباح ويفتح بابي خزانة الملابس ويدخل رأسه فيها يوما مَا حاولت أن أرى ماذا يفعل لانه يمكث مدّة على هذه الحال فوجدته يخرج قلما من الفحم ويرسم له شوارباً لأنه كان املطاً . قال لي بدر ذات يوم سنذهب في الجمعة القادمة إلى المقهى لأعرفك على أصدقائي من الشعراء وخرجنا معاً وكانت المقهى مقهى حسن عجمي وجدنا هناك محمود البريكان – ورشد ياسين واكرم الوتري وبلند الحيدري – قدمني بدر لهم  على أني الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد فنظر اليّ رشيد ياسين نظرة غريبة .

 طلبوا ان أقرأ لهم من شعري فقرأت قصيدة كتـــــــبتها لأبي الذي كان يعمل صائغا في طرابلس الغرب ليعيلنا.

أبي أيها المجهد ألاَ ذقت طعم الرقاد

   غداً يطفأ الموقدُ ويجري عليه السّواد

وتنهار هذي اليد على حفنة من رماد

  أبي أيهذا الجريح أما أن تستريح  وبعد أن خرجنا قيل لي أن رشيد ياسين علّق عليّ قائلاً هو هذا وجه شاعر ؟؟  هذا يمكن يصير حمّال .. يمكن يصير قصاب .. بس شاعر ؟  سأسبق الأحداث هنا لأروي هذه الحادثة التي كنا نعبر أنا ورشيد ياسين ذات يوم على جسر الجمهورية ببغداد أدار وجهه عليّ قائلاً أنتَ شنو شايف نفسك ؟؟ قلت له( شوف رشيد جنت أركض وراكم أنتَ وبدر وبلند ما أشوف غير بس غباركم ومرّ الزمن قَمت أشوفكم .. ومرّ الزمن طبقت وياكم وهسا التفت عليكم ما أشوفكم وراي كّمش بعيدين ).. قال ولكَ تستعمل لغتي ويايّ ؟؟  وامسك بي يريد أن يرميني في النهر ورشيد اطول وأقوى مني أدخلت أصابعي في مشبك سياج الجسر وكان جاداً الى ان تعـــب فتركني .

قلت دخلت أنا دار المعلمين العالية والتقيت ببدر السياب فيها وابنة خالي لميعة فيها والتقيت بعبد الوهاب البياتي أيضاً لكننا لم نكلم بعضا لانه كان مقــــــــاطعاً السياب وكل من يــــــــحب الســياب وكنت منهم.

وفي دار المعلمين العالية التقيت بحبي الاول نـــــــــــاهدة اسعد القاسم.

مشاركة