أنها حكاية وطن مزقته الحر وب – شاكر عبد موسى الساعدي

333

أنها حكاية وطن مزقته الحروب – شاكر عبد موسى الساعدي

بيتنا القديم، أخر ما تبقى فيه، تلك الأريكة التي أثارها، مثل كاتدرائية معلقة وسط قلب يسكنه الوجع.

الإرث الذي خَلَّفَهُ أبينا قبل موته عام 1991م ، سقف، نوافذه تساقطت ركاماتها عند بقايا حديقة كانت عامرة بشجرها، ونخلها، وساكنيها.

المحلة القديمة ( الماجدية ) كانت تجتمع صباحاتها مع تغريد البلابل، وزقزقات العصافير.

البيوت قسم من واجهاتها، تم تحويرها على شاكلة محلات وأسواق، كأنما أُريدَ بها تلك البقعة، أن تصبح مدينة متكاملة بجميع مكوناتها، بما فيها مستوصف الصحة، والمدارس، كل بحسب فئته العمرية، إضافة إلى مركز الشرطة والحراسات الخاص بالطوارئ النادرة آنذاك.

الأصدقاء، ما تبقى منهم، انتماء لم تنته جذور أواصره التي جمعتها محبة وألفة.

الوطن كما يبدو، تاريخ يسكن الذاكرة، يؤرق أوجاعها يحوم بها مثل طائر يبحث عن أحفاده الذين تركهم عند بقعة من بقاع هذا العالم الفسيح، لعله يعيد بناء عشه الذي تداعى ذات يوم.

العمر تلك المحطات التي توالت حقائبها عند أرصفة متعاقبة، بات يمضي بسرعة هائلة، المنفى تلك الحروب التي ابتدأ بها شروط حياته الخمسينية، انقضت أزماتها، وأزمنتها هكذا على ذات المنوال؛ نصف قرن، مداره قصص وأحداث، حكايات ترتسم في حسه ومشاعره.

الحياة كما يبدو فصول مسرحية يسدل الستار عند مشاهدها المتنوعة، ليطلع الجمهور عليها أسوة بسيناريوهات وفصول أخرى سبقتها؛ تفاصيل تغور بعيدا لتشهد عند تلك النقطة من الوجود فلسفة الموت، حيث تقفل أبوابها تلك الرغبات والآمال التي يفكر الإنسان في تحقيقها، ربما منذ صباه وبحرص وتفان تراه يسعى نحوها.

وتلك حقيقة هذا الكائن الذي تراه تجتازه الحواجز، وتسـتغرقـــــــه المسافات، وذلك وفقاً لإسرار فضوليته لتحط به عند منعطفات هذا العالم الفسيح، بهذا القدر أو ذاك من المقادير والموضوعات.

تلك الإلغاز جميعاً اجتمعت عند مركز الدائرة المرسوم وسط ذهني، ثم راحت تتوالى هكذا مثل بندول الساعة نحو المنتصف، تنتقل بي، تتجول.

الإنسان يغير مكانه، أو ربما يعود إلى محطته التي انطلق منها أول المطاف، ليلاقي حتفه هناك ربما بعيداً عن الضجيج, الماضي ,الأحباب والأصدقاء، المدرسة القديمة، الشوارع، المحلة، الأوراق الصفراء، رائحة التراب الممزوج بعطر المطر.

الناس في المدينة يتحركون بوجوه عابسة، جباه تكاد تصل إلى الأرض وعيون لا تركز في شيء. منَ ماذا يهربون؟ يبدون طبيعيين جداً : ينامون، يأكلون ويتناسلون. يحزنون ويفرحون ككل الناس في كل بقاع الأرض.

مــن شربت أنعيمه

وهــور أبو أنعاج

ونهر دجلة الخالـد

مـن خـرائب الدنيا

وجحيم الحــروب

تبدأ المدينــــــــة!

سلاماً يا بلدي المقتول علنا

أراك مسلوبا مقطعا حائراً

تتلقفك خناجر الظلــــــــــم

وتجثم عليك طغاة الجهـــل

كيــــــــــــف أقول سلاماً وعيناك تذرف دما

لعــــــــــــل الذي كان بيننا لا يصلــــــــــــح

إلا بتناثر دمائي على تراب أرضك المقدسة

أنها مسألة وقت لا يتعدى ( شمرت عصا).

(CATEGORY, الصفحة الرابعة)

مشاركة