أنقذونا – محمد علي شاحوذ

224

أنقذونا – محمد علي شاحوذ

الجميع يَسْتَصْرِخُ المجتمع ويطلب المساعدة والمؤازرة في هذا البلد, والكل يظهر كضحية لا حول لها ولا قوة, ويصيح أنقذوني, والكل يشتكي الكل الى الله في مجتمع تحكمه المصالح والمنافع والحصص, ولا احد يطيق احدا. والمثير والغريب ان الحكومة التي تمتلك زمام السلطة هي نفسها تطلب ان ينقذها احد من الفساد والمفسدين وتتهمهم بضياع اموال البلاد والعباد!!, وكلنا رأينا وزراءً يشتكون من سطوة الاحزاب على وزاراتهم ويطالبون بإنقاذها, والدولة نفسها ومؤسساتها تطلب الانقاذ من الحكومات المتعاقبة التي تُدار بالوكالة, والكل صار يضيق ذرعا بالكل في مشاهد صادمة للمجتمع العراقي, فرأينا الاطباء يضربون عن العمل مطالبين بإنقاذهم وحمايتهم من المرضى وأهاليهم,  ويتهمون وزارة الصحة بالتقصير, فيما المرضى يطلبون انقاذهم من جشع الاطباء ومستشفياتهم الخاصة واخطائهم القاتلة, ووزارة الصحة دخلت على الخط  واتهمت بعض الاطباء بالإهمال واللامبالاة, بينما اصحاب الشهادات العليا وخريجو الجامعات في اعتصام مفتوح يفترشون الارض وتحت شمس لاهبة, يطلبون العدالة والمساواة في التعيينات,  ويصرخون: انقذونا من البطالة والتهميش . ثم تتوسع دائرة مطالبات المظلومية والتشكي لتصبح ظاهرة تجتاح كل ركن وزاوية وفئة في المجتمع,  فترى الطلبة يستصرخون لإنقاذهم من انعدام الابنية المدرسية وشحة الكتب وتغير المناهج, في حين يصرخ المُعلِمون والمُدّرِسون والاساتذة الجامعيون لتوفير الحماية لهم من الاعتداءات المتكررة بحقهم, وتزداد الصورة قتامة حينما يطالب المواطنون بإنقاذهم من سطوة الرشوة في الدوائر التي بلغت نسبتها 80 بالمئة بين موظفي الدولة, بينما تتعالى اصوات الموظفون بان رواتبهم فليلة ويطالبون بإنقاذهم من مصاعب الحياة وشظف العيش. وتستمر صيحات الانقاذ والتذمر, فتسمعها وتراها من العلمانيين ضد الاسلاميين وسطوتهم, ومن الاسلاميين ضد اهل الانفتاح والتجديد, ومن الاحزاب الصغيرة ضد الكبيرة, ومن تيار اليسار ضد اليمين وبالعكس, ومن الاطفال ضد قسوة الكبار, ومن جيوش المتقاعدين ضد دوائرهم, ومن البنات ضد العنوسة, ومن المتزوجات ضد المطلقات اللواتي يشكلن خطرا على ازواجهنّ, ومن المنتجات المحلية ضد المستوردة, غير أنّ اللافت في الأمر أنك لن تسمع صرخات الانقاذ والاستغاثة من الفقراء والمساكين والمسحوقين في هذا البلد ذلك لأن الاموات الذين فوق الارض ليس لهم أصواتا, والجميع يصاب بالصمم فلا يسمعهم احد حتى ولو بقوا لعقود يستغيثون.  فمن ينقذ البلد من كل هذه الفوضى العارمة؟, ومن ينقذنا من كلمة انقذونا التي تدل على اننا نعيش في غابة وحوش من القرون الوسطى الغابرة؟؟!!.

مشاركة