أنفاق الديكتاتور الشيوعي نقطة جذب للسيّاح في ألبانيا

270

جيروكاسترا‭ (‬ألبانيا‭)-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬سدد‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬ضربة‭ ‬قوية‭ ‬للسياحة‭ ‬في‭ ‬ألبانيا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الزوار‭ ‬الأجانب‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يُقبِلون‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬داخل‭ ‬متاهة‭ ‬شكّلتها‭ ‬سلسلة‭ ‬أنفاق‭ ‬حفرها‭ ‬الديكتاتور‭ ‬السابق‭ ‬أنور‭ ‬خوجة‭ ‬لحماية‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬هجوم‭ ‬نووي‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬يوما‭.‬

في‭ ‬خلال‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬زرع‭ ‬الزعيم‭ ‬الشيوعي‭ ‬الراحل‭ ‬البلد‭ ‬الصغير‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬البلقان‭ ‬بآلاف‭ ‬الملاجئ‭ ‬كما‭ ‬حفر‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬السراديب‭ ‬المعدة‭ ‬للاحتماء‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬هجوم‭ ‬ذري‭ ‬محتمل‭. ‬لكن‭ ‬الملجا‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للاهتمام‭ ‬يبقى‭ ‬ذلك‭ ‬المحفور‭ ‬في‭ ‬الصخر‭ ‬تحت‭ ‬القصر‭ ‬المشيد‭ ‬في‭ ‬قريته‭ ‬جيروكاسترا‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬ألبانيا‭ ‬حاليا،‭ ‬وهو‭ ‬مدرج‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬للتراث‭.‬

وبعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬سقوط‭ ‬الشيوعية،‭ ‬يشكل‭ “‬نفق‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭” ‬نقطة‭ ‬جذب‭ ‬سياحي‭ ‬بارزة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الزوار‭ ‬الأجانب‭ ‬تراجع‭ ‬بنسبة‭ ‬90‭ % ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬بسبب‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الزوار‭ ‬الـ300‭ ‬الذين‭ ‬توافدوا‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬إلى‭ ‬الموقع،‭ ‬يتنقل‭ ‬مهندس‭ ‬المعلوماتية‭ ‬الفرنسي‭ ‬ألكسندر‭ ‬بنلالام‭ ‬البالغ‭ ‬39‭ ‬عاما‭ ‬داخل‭ ‬الانفاق‭ ‬الممتدة‭ ‬على‭ ‬1500‭ ‬متر‭ ‬في‭ ‬ثغر‭ ‬الجبل‭ ‬تحت‭ ‬القصر‭ ‬المشيد‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬والذي‭ ‬استُخدم‭ ‬كمعتقل‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الشيوعيين‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬النازيون‭ ‬قبلا‭.‬

ويقول‭ ‬بنلالام‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬نزور‭ ‬هذا‭ ‬الملجأ‭ ‬الذي‭ ‬يذكّر‭ ‬بالحقبة‭ ‬الكئيبة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬مع‭ ‬الجائحة‭. ‬نحن‭ ‬محرمون‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬حرياتنا‭ ‬مثل‭ ‬حرية‭ ‬التجمع‭”‬،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ “‬القيود‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬السليم‭”‬،‭ ‬خلافا‭ ‬لتلك‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬ضحيتها‭ ‬الألبان‭ ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬الشيوعية‭. ‬وتجوب‭ ‬المجموعة‭ ‬الفرنسية‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬سياح‭ ‬أرجاء‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المبني‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬أنور‭ ‬خوجة‭ ‬الذي‭ ‬خاصم‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬مرورا‭ ‬بالاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬ويوغوسلافيا‭ ‬السابقة،‭ ‬وكان‭ ‬ينتظر‭ ‬الضربات‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مكان‭.‬

وكان‭ ‬يراد‭ ‬من‭ ‬المجمع‭ ‬أن‭ ‬يؤوي‭ ‬كوادر‭ ‬النظام‭ ‬والقيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬النزاع‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬ليوفر‭ ‬لهم‭ ‬مركزا‭ ‬سريا‭ ‬لقيادة‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭. ‬وكان‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬تنفيذ‭ ‬مناورات‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬سنويا‭. ‬ويستذكر‭ ‬إنغجل‭ ‬سيرجاني‭ (‬60‭ ‬عاما‭) ‬أن‭ “‬الشعب‭ ‬برمّته‭ ‬كان‭ ‬أمة‭ ‬مقاتلين‭ ‬لديهم‭ ‬واجب‭ ‬حماية‭ ‬الوطن‭”.‬

وهو‭ ‬كان‭ ‬صحافيا‭ ‬في‭ ‬الإذاعة‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬جيروكاسترا،‭ ‬وقد‭ ‬شارك‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬في‭ ‬الثمانينات‭ ‬بـ‭”‬تغطية‭” ‬حرب‭ ‬مفترضة‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬نظام‭ ‬أنور‭ ‬خوجة‭. ‬ويوضح‭ ‬سيرجاني‭ “‬كان‭ ‬علينا‭ ‬تصور‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬الهجمات‭ ‬والقتلى‭ ‬والخسائر‭ ‬المسجلة‭ ‬على‭ +‬الجبهة‭+ ‬والإعداد‭ ‬لبرامج‭ ‬خاصة‭”‬‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬جدران‭ ‬الموقع‭ ‬باتت‭ ‬تتفتت‭ ‬ببطء‭ ‬داخل‭ ‬الأنفاق‭ ‬المتداعية،‭ ‬فإن‭ ‬المجمع‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬معلما‭ ‬ذا‭ ‬هندسة‭ ‬معقد،‭ ‬يضم‭ ‬قاعات‭ ‬كثيرة‭ ‬معدة‭ ‬لمقاومة‭ ‬القنابل‭ ‬الذرية‭ ‬بزنة‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬وفيها‭ ‬غرف‭ ‬للقيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬وأجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬والنيابة‭ ‬العامة‭ ‬والقضاء‭ ‬وعمليات‭ ‬التجسس،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬العسكري‭ ‬المتقاعد‭ ‬أستريت‭ ‬إيميري‭ ‬البالغ‭ ‬67‭ ‬عاما‭.‬

كذلك‭ ‬كانت‭ ‬تضم‭ ‬هذه‭ ‬الأنفاق‭ ‬غرفا‭ ‬مخصصة‭ ‬للإرسال‭ ‬الإذاعي‭ ‬أو‭ ‬للتنصت،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬مهاجع‭ ‬ومخبز‭ ‬وصهاريج‭ ‬مياه‭ ‬وحتى‭ ‬رشاشات‭ ‬كلاشنيكوف‭ ‬ومسدسات‭ ‬توكاريف‭ ‬الروسية‭ ‬نصف‭ ‬الأوتوماتيكية‭ ‬لمواجهة‭ ‬أي‭ ‬تسلل‭ ‬معاد‭ ‬محتمل‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬النفق‭ ‬مزودا‭ “‬كل‭ ‬المواد‭ ‬المطلوبة‭ ‬للصمود‭ ‬لأيام‭ ‬وأسابيع‭ ‬كاملة‭ ‬وليس‭ ‬لساعات‭ ‬فحسب‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬إيميري‭.‬

واستمر‭ ‬تشييده‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬فرق‭ ‬تعمل‭ ‬بالتناوب‭ ‬قبل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬أخرى‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يكوّن‭ ‬أي‭ ‬منها‭ ‬فكرة‭ ‬شاملة‭ ‬عن‭ ‬الموقع‭.‬

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬أمر‭ ‬أنور‭ ‬خوجة‭ ‬بتشييد‭ ‬173371‭ ‬ملجأ‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬ألبانيا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنفاق‭ ‬كثيرة‭ ‬ومخابئ‭ ‬تحت‭ ‬الأرض،‭ ‬وفق‭ ‬وثائق‭ ‬رسمية‭.‬

ومع‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬سنة‭ ‬1990،‭ ‬جرى‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬وأكثريتها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مهملة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬لكن‭ ‬حُوّل‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬مقاه‭ ‬ومستودعات‭ ‬ومساكن‭ ‬للمشردين‭ ‬أو‭ ‬مواقع‭ ‬سياحية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬جيروكاسترا‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ “‬المدينة‭ ‬الحجرية‭” ‬لم‭ ‬تستقبل‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬سوى‭ ‬22‭ ‬ألف‭ ‬زائر‭ ‬من‭ ‬البانيا‭ ‬والخارج‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬120‭ ‬ألفا‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬عينها‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭.‬

ويقول‭ ‬رئيس‭ ‬غرفة‭ ‬التجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬في‭ ‬جيروكاسترا‭ ‬إن‭ “‬السياحة‭ ‬هي‭ ‬القطاع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررا‭ ‬وقد‭ ‬تلقت‭ ‬ضربة‭ ‬قوية‭ ‬بسبب‭ ‬الجائحة‭”.‬

وفي‭ ‬سائر‭ ‬أنحاء‭ ‬ألبانيا،‭ ‬تراجع‭ ‬عدد‭ ‬السياح‭ ‬الأجانب‭ ‬بنسبة‭ ‬70‭ % ‬فيما‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬الخبراء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الأرباح‭ ‬الفائتة‭ ‬جراء‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬تفوق‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬المجموعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬من‭ ‬السياح‭ ‬الذين‭ ‬يتنزهون‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الفارغة‭ “‬تعطي‭ ‬بارقة‭ ‬أمل‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬ماكسيم‭ ‬خوجة‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬ان‭ ‬جيروكاسترا،‭ ‬وهي‭ ‬أيضا‭ ‬مدينة‭ ‬الكاتب‭ ‬الألباني‭ ‬الكبير‭ ‬اسماعيل‭ ‬قادري،‭ “‬لديها‭ ‬دائما‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭” ‬للزوار‭.‬

مشاركة