أنا حزين رغم عودتي من سفرة – جليل وادي

كلام أبيض

أنا حزين رغم عودتي من سفرة – جليل وادي

مأ أفضل وأسوأ ثلاثة أمور لاحظتها في سفرتك ؟ بهذا السؤال يبدأ الزملاء حديثهم بعد انتهاء كل سفرة الى خارج العراق ، على قلة هذه السفرات التي تأتي في الغالب بدوافع علمية كالمشاركة في مؤتمرات او ندوات أكاديمية او غيرها من الفعاليات ، ذلك ان ضيق الوقت والتكاليف الباهظة تحول دائما عن تنظيم سفرات سياحية ، فليس للأستاذ الجامعي ما يكفي من الوقت للاستمتاع كما هي حال بعض الناس .

وبالسؤال نفسه بدأ زملائي حديثهم عند انتهاء زياتي الى العاصمة طهران للمشاركة في مناقشة رسالة ماجستير لطالبة عراقية تقدمت بها الى جامعة ايرانية بوصفي مشرفا عليها .

ان أول ما يشد نظرك في ايران هو النظافة اللافتة على اختلاف المدن التي أتيحت الفرصة لزيارتها ، ولا تقتصر النظافة على مكان دون آخر داخل المدينة ، فالشوارع والأزقة مذهلة في نظافتها ، وتمتد هذه النظافة الى الشوارع الخارجية ومقترباتها بين مدينة وأخرى على طول المسافات التي تصل الى مئات الكيلو مترات ، أما الحدائق العامة او الخاصة فحدث ولا حرج ، نظافة وتصميما وتشجيرا ، لقد صممت هذه الحدائق بطريقة تنم عن ذوق رفيع ، ويجري العمل فيها بجودة عالية ، ولا تختلف الحديقة الرئيسة للمدينة عن تلك الموجودة في حي شعبي اطلاقا ، فجميعها على مستوى واحد .

لقد خربّت عليّ مهنتي الصحفية متعة السياحة ، فقد تملكتني رغبة عارمة لملاحظة كل شيء في المكان الموجود فيه ، لم أر عامل بلدية يتسكع ، او يستظل عند شجرة ، او جالس بلا عمل ، الكل يعمل بجد واخلاص ، أما ما الذي يدفعهم لهذا الاخلاص فلا علم لي به ، هل هو الخوف من محاسبة المسؤول الأعلى ، ام انه قيمة مغروسة في النفوس .

ان عدد سكان ايران وسعة مساحة مدنها ، يجعل من المتعذر على أية بلدية بلوغ هذا المستوى من النظافة والترتيب والجمال مهما كانت امكانياتها وملاكاتها ، وطالما الأمر كذلك ، فهذا يعني ان هناك تعاونا كبيرا جدا بين الأهالي والعناصر  البلدية ، ما يشير الى ان المجتمع يتسم بقدر كبير من التحضر ، فلم أر كدسا للزبالة مهما كان صغيرا أمام منزل او في طرف حي او قبالة المحال التي لم يتجاوز أي منها على حرمة الرصيف أبدا ، فلا بسطيات ، ولا عرض لبضاعة على رصيف بطريقة تعوق سير السابلة ، وهذا يؤشر سيادة وهيبة القانون واحترام الناس له والالتزام به .

ليس بمقدوري على وجه التحديد تقييم المستوى الخدمي في ايران قياسا بالدول المتقدمة ، فلم تتح لي الفرصة لزيارة هذه الدول ، ولكن اذا كانت ايران تصنف على عالمنا ، فكيف هي حال تلك الدول ، وأين نحن منها ، وما الصورة الذهنية التي يرسمها الزائر لبلادنا ؟ انه أمر مخجل حقا .

قارب المقال على نهايته ، ولم أتحدث عن أول سؤال خطر في بالي عند ملاحظتي للمستوى الخدمي في ايران ، ويدور السؤال حول بعض المسؤولين العراقيين الذين أمضوا جزءا من حياتهم في ايران ، وبعضهم يتردد على هذه البلاد باستمرار ، ما الذي تعلموه منها  ، ألم يقارنوا الأمر بما يجري في بلادهم ،  ولماذا لم ينقلوا هذه التجربة التي تستحق الاحتذاء؟.

خلصت من كل ذلك الى ان الخدمات البلدية لا يمكن لها أن تكون بالمستوى المطلوب اذا لم تترسخ في نفوس المسؤولين قيم الاخلاص واحترام الانسان والشعور العميق بالانتماء للوطن ، كما لا يمكن لهذا المستوى أن يبلغ ما نفخر به ما لم يكن المجتمع متحضرا ويتحلى بذوق رفيع ، وجميع هذه القيم تعد ضرورة قصوى لأي بلد يتطلع للارتقاء ، وبالتأكيد ان غرسها من مسؤولية المدرسة أولا ، وتأتي بعد ذلك صرامة تطبيق القانون ، ومع ان الاشارة الى أهمية المدرسة من بين البديهيات التي لا تحتاج الى كلام ، لكن الآذان لا تسمع والضمائر لا تتحرك . أنا حزين جدا رغم عودتي من سفرة .

[email protected]

مشاركة