أمهات الشعراء (19)-حسن النواب

فجراً‭.. ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬السادسة،‭ ‬كُنَّا‭ ‬في‭ ‬مرآب‭ ‬المدينة،‭ ‬أُمِّي‭ ‬تتأمَّل‭ ‬قامتي‭ ‬المتقوّسَة‭ ‬كجذعِ‭ ‬نخلةٍ‭ ‬عجفاء؛‭ ‬وتنفخُ‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬وفي‭ ‬جوف‭ ‬قميصي‭ ‬بسملاتها‭ ‬وأدعيتها‭ ‬السجَّاديَّة؛‭ ‬والدمع‭ ‬يسيحُ‭ ‬سخيناً‭ ‬على‭ ‬فوطتها‭ ‬السوداء؛‭ ‬وهي‭ ‬تنتخي‭ ‬المعتوق‭ ‬ألاَّ‭ ‬يدعني‭ ‬وحدي‭ ‬مهما‭ ‬استشرتْ‭ ‬المواقف‭ ‬علينا؛‭ ‬بينما‭ ‬كنتُ‭ ‬متوتراً؛‭ ‬لم‭ ‬اترك‭ ‬وليَّاً‭ ‬إلاَّ‭ ‬وصببتُ‭ ‬عليه‭ ‬لعناتي؛‭ ‬إذْ‭ ‬حاولتُ‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬مرافقتي‭ ‬إِلى‭ ‬مرآب‭ ‬المدينة،‭ ‬لكني‭ ‬وجدتها‭ ‬أمامي‭ ‬مثل‭ ‬غمامة‭ ‬حزن‭ ‬تترقب‭ ‬وصولي،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنَّها‭ ‬فرغتْ‭ ‬من‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ ‬على‭ ‬عجلٍ‭ ‬وسبقتني‭ ‬إِلى‭ ‬المرآب‭ ‬حتى‭ ‬تراني‭ ‬للمرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬فراقها‭.. ‬قلتُ‭ ‬لها‭ ‬حانقاً‭:‬

‭- ‬ستكشفينَ‭ ‬سرنا‭ ‬أمام‭ ‬الناس،‭ ‬هيَّا‭ ‬انصرفي‭..‬

فجأةً‭ ‬أخرجتْ‭ ‬شريطاً‭ ‬أخضر‭ ‬من‭ ‬جيبها‭ ‬واستعانت‭ ‬بصديقي‭ ‬لتنفيذ‭ ‬رغبتها‭:‬

‭- ‬بُني‭.. ‬أرجو‭ ‬أنْ‭ ‬تقنعهُ‭ ‬حتى‭ ‬يضع‭ ‬هذه‭ ‬التميمة‭ ‬حول‭ ‬معصمهِ؛‭ ‬هذا‭ ‬طلبي‭ ‬الأخير‭..‬

وقبل‭ ‬أنْ‭ ‬يرجوني‭ ‬المعتوق‭ ‬وجدت‭ ‬جثتي‭ ‬ترتعش‭ ‬بين‭ ‬أحضانها‭ ‬وهي‭ ‬تشمني‭ ‬بعمق،‭ ‬وتردد‭ ‬بعبرات‭ ‬مخنوقة‭: ‬

‭- ‬يحرسكما‭ ‬القاسم‭ ‬بن‭ ‬الحسن؛‭ ‬فهو‭ ‬شاب‭ ‬مثلكما؛‭ ‬ويعرف‭ ‬مصابي‭ ‬ولوعتي،‭ ‬سأذهب‭ ‬إِلى‭ ‬مرقده‭ ‬الآن‭. ‬ابتعدت‭ ‬عن‭ ‬أنظارنا؛‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬أوثقت‭ ‬معصمي‭ ‬بالشريط‭ ‬الأخضر؛‭ ‬أيَّةُ‭ ‬سكينة‭ ‬هبطت‭ ‬إِلى‭ ‬أودية‭ ‬روحي‭.. ‬وأيُّ‭ ‬ضوء‭ ‬بدأ‭ ‬يتوهج‭ ‬في‭ ‬قبو‭ ‬قلبي‭ ‬حتى‭ ‬هتفتُ‭ ‬بكل‭ ‬ثقةٍ‭:‬

‭- ‬ماذا‭ ‬تنتظر؟‭ ‬هيَّا‭ ‬نصعد‭ ‬إلى‭ ‬الحافلة‭.‬

كان‭ ‬المعتوق‭ ‬حينها‭ ‬منكسراً،‭ ‬والحزن‭ ‬الذي‭ ‬خلفتهُ‭ ‬أمي‭ ‬مازال‭ ‬يضرب‭ ‬في‭ ‬شرايينه‭ ‬بعنف،‭ ‬رأيتُ‭ ‬الدمع‭ ‬يلمع‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬وهو‭ ‬يتأمل‭ ‬التعويذة‭ ‬في‭ ‬معصمي‭ ‬حين‭ ‬قال‭:‬

‭- ‬هنيئاً‭ ‬لكَ‭ ‬بهذه‭ ‬الأم‭.‬

مازحتهُ‭ ‬ببراءةٍ‭:‬

‭- ‬نتبادل‭ ‬بالأمهات؛‭ ‬ما‭ ‬رأيك؟

أجابني‭ ‬وهو‭ ‬يتفادى‭ ‬سقوط‭ ‬الدمع‭ ‬من‭ ‬عينيهِ‭:‬

‭- ‬الأمهات‭ ‬متشابهات‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭.‬

الواقع‭ ‬أنَّ‭ ‬أُمْ‭ ‬المعتوق‭ ‬طيبة‭ ‬وحنون‭ ‬وكانت‭ ‬تغسل‭ ‬صديقي‭ ‬بالطشت‭ ‬على‭ ‬كبرٍ؛‭ ‬لكنها‭ ‬تخشاه‭ ‬كثيراً‭ ‬بسبب‭ ‬عصابيتهِ‭ ‬المفرطة‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دعاها‭ ‬للركون‭ ‬في‭ ‬البيت‭. ‬ركبنا‭ ‬باص‭ ‬الريم‭.. ‬وخلال‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬مرآب‭ ‬العلاوي؛‭ ‬مرَّتْ‭ ‬الأمور‭ ‬كما‭ ‬نشتهي،‭ ‬فالتفتيش‭ ‬عند‭ ‬الصباح‭ ‬بسبب‭ ‬الزحام‭ ‬طالما‭ ‬يكون‭ ‬متراخياً‭ ‬وليس‭ ‬مشدَّداً‭ ‬في‭ ‬السيطرات،‭ ‬عبرنا‭ ‬بسلام‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬ديالى‭ ‬التي‭ ‬حطت‭ ‬أقدامنا‭ ‬على‭ ‬شوارعها‭ ‬والساعة‭ ‬تربو‭ ‬عند‭ ‬التاسعة‭ ‬صباحا‭.. ‬كان‭ ‬المانعي‭ ‬بانتظارنا‭ ‬في‭ ‬مرآب‭ ‬المدينة‭ ‬ولمح‭ ‬ديوان‭ ‬الترقب‭ ‬للمعتوق‭ ‬بين‭ ‬يديه‭.. ‬فعلَّق‭ ‬بانشراحٍ‭:‬

‭- ‬حسنا‭ ‬فعلت،‭ ‬فديوانك‭ ‬الشعري‭ ‬يبعد‭ ‬عنَّا‭ ‬بعض‭ ‬الشبهات‭.‬

‭ ‬أجل‭ ‬كان‭ ‬المعتوق‭ ‬قد‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬هذا‭ ‬الديوان‭ ‬عن‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬بعنوان‭ ‬الترقب،‭ ‬وهو‭ ‬الديوان‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يصدر‭ ‬لشاعر‭ ‬من‭ ‬طائفة‭ ‬الصعاليك،‭ ‬وبشكل‭ ‬رسمي؛‭ ‬اذكر‭ ‬أنَّ‭ ‬المركبة‭ ‬التي‭ ‬احتضنتنا‭ ‬كانت‭ ‬مما‭ ‬تسمى‭ ‬الـ‭ ‬‮«‬18‮»‬‭ ‬راكبا،‭ ‬كانت‭ ‬تسير‭ ‬متهادية‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬سيصل‭ ‬بنا‭ ‬إِلى‭ ‬كركوك،‭ ‬وعند‭ ‬جسر‭ ‬‮«‬الطبقچلي‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬القاص‭ ‬زنگـنه‭ ‬موجودا،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬مفارز‭ ‬الزنابير‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المدينة‭ ‬مما‭ ‬سبَّبتْ‭ ‬إرباكاً‭ ‬لنا؛‭ ‬لكن‭ ‬المانعي‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬غرَّة‭ ‬هتف‭ ‬يلعنُ‭ ‬السماء؛‭ ‬وأشار‭ ‬إِلى‭ ‬شخص‭ ‬قصير‭ ‬القامة‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬ناصية‭ ‬الجسر‭:‬

‭- ‬ذاكَ‭ ‬عباس‭..‬

هرعَ‭ ‬القزم‭ ‬نحونا‭ ‬لاهثاً‭ ‬ثمَّ‭ ‬طلب‭ ‬منا‭ ‬الركوب‭ ‬في‭ ‬سيارة‭ ‬لاند‭ ‬كروز‭.. ‬كانت‭ ‬واقفة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬يسير‭.. ‬انطلقت‭ ‬بنا‭ ‬العجلة‭ ‬إِلى‭ ‬ناحية‭ ‬‮«‬التون‭ ‬كبري‮»‬‭.. ‬وفي‭ ‬بيت‭ ‬صغير‭ ‬تمَّ‭ ‬تدوين‭ ‬أسمائنا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬فتى‭ ‬كردي‭ ‬ثمَّ‭ ‬وضع‭ ‬بيد‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬رشاشة‭ ‬كلاشنكوف‭ ‬مع‭ ‬ملحقاتها‭ ‬من‭ ‬جعب‭ ‬الرصاص،‭ ‬حينها‭ ‬انطلق‭ ‬بنا‭ ‬القزم‭ ‬عباس‭ ‬إِلى‭ ‬رابية‭ ‬أشوان؛‭ ‬لقد‭ ‬أصبحنا‭ ‬خلال‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬الفرسان‭ ‬الكُرد؛‭ ‬ولكن‭ ‬أي‭ ‬فرسان‭ ‬كنا؟‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬لبسنا‭ ‬السراويل‭ ‬العريضة‭ ‬والتي‭ ‬زودنا‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬السلاح؛‭ ‬عند‭ ‬الرابية‭ ‬كان‭ ‬زنگـنه‭ ‬بانتظارنا‭.. ‬أطلق‭ ‬ضحكته‭ ‬وهو‭ ‬يهجونا‭ ‬بجذلٍ‭:‬

‭- ‬يا‭ ‬لكم‭ ‬من‭ ‬ملاعين؛‭ ‬كأنكم‭ ‬أكراد‭ ‬من‭ ‬دم‭ ‬ولحم‭.. ‬ولا‭ ‬كأنكم‭ ‬هاربين‭ ‬من‭ ‬الحرب‭.‬

كانت‭ ‬الرابية‭ ‬عالية‭ ‬جدا،‭ ‬قطعنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬حتى‭ ‬أصبحنا‭ ‬نقف‭ ‬إِلى‭ ‬جنب‭ ‬آمرنا‭ ‬الجديد‭ ‬زنگـنه؛‭ ‬جابتْ‭ ‬نظراتي‭ ‬لتستطلع‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬بزغت‭ ‬بمناطق‭ ‬متفرقة‭ ‬من‭ ‬أرضيته‭ ‬الطينية‭ ‬شجيرات‭ ‬عُشبية‭ ‬داكنة‭ ‬الخضرة،‭ ‬ثمَّ‭ ‬عانقت‭ ‬نظراتي‭ ‬وجه‭ ‬صديقي‭ ‬المعتوق‭ ‬قائلاً‭:‬

‭- ‬مكان‭ ‬رائع‭ ‬لكتابة‭ ‬الشعر‭.‬

ضحك‭ ‬زنگـنه‭ ‬وقال‭ ‬محذراً‭:‬

‭- ‬مع‭ ‬ضوء‭ ‬الشمس‭ ‬نعم،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬يحلُّ‭ ‬الليل،‭ ‬توقعوا‭ ‬وصول‭ ‬البيش‭ ‬مرگـه‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬لحظة‭.. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬حياتنا‭.‬

أجابَ‭ ‬المعتوق‭ ‬على‭ ‬تحذيره‭ ‬قائلاً‭:‬

‭- ‬سنقرأ‭ ‬لهم‭ ‬شعرا‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يحشوا‭ ‬صدرونا‭ ‬بالرصاص‭. ‬دخلنا‭ ‬إِلى‭ ‬الخيمة‭ ‬وكنتُ‭ ‬أفكر‭ ‬هل‭ ‬سنبقى‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬ليوم‭ ‬غد؟

حسن‭ ‬النواب

مشاركة