أمطار استثنائية تفتك بالموسم الزراعي في المغرب

القنيطرة‭ (‬المغرب‭-‬الرباط‭ – (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تحولت‭ ‬حقول‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬بحيرات‭ ‬شاسعة‭ ‬بعد‭ ‬فيضانات‭ ‬سببتها‭ ‬أمطار‭ ‬استثنائية‭ ‬طال‭ ‬انتظارها،‭ ‬ما‭ ‬ألحق‭ ‬خسائر‭ ‬كبيرة‭ ‬بالمزارعين‭.‬

في‭ ‬قرية‭ ‬أولاد‭ ‬سلامة‭ ‬بضواحي‭ ‬القنيطرة‭ ‬شمال‭ ‬الرباط،‭ ‬يتفقد‭ ‬محمد‭ ‬رواني‭ (‬63‭ ‬عاما‭) ‬جنبات‭ ‬مزرعته‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتقدم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بضع‭ ‬خطوات‭ ‬بعدما‭ ‬غمرت‭ ‬المياه‭ ‬الحقول‭ ‬حيث‭ ‬زرع‭ ‬الشعير‭ ‬والبرسيم‭.‬

ويقول‭ ‬متحسرا‭ ‬‮«‬عندي‭ ‬حوالي‭ ‬4‭ ‬أو‭ ‬5‭ ‬هكتارات‭ ‬كلها‭ ‬ضاعت‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستدرك‭ ‬‮«‬لكن‭… ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الخير‮»‬‭.‬

وحتى‭ ‬منتصف‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مخزون‭ ‬السدود‭ ‬يتعدى‭ ‬31‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬بعد‭ ‬سبعة‭ ‬أعوام‭ ‬عجاف‭. ‬واستبشر‭ ‬رواني‭ ‬وآخرون‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬القرية‭ ‬تحدثوا‭ ‬لفرانس‭ ‬برس،‭ ‬بعودة‭ ‬الأمطار‭ ‬بداية‭ ‬الشتاء،‭ ‬اذ‭ ‬يعتمد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المزارعين‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬حصص‭ ‬مياه‭ ‬الري‭ ‬في‭ ‬السدود‭.‬

لكن‭ ‬حدة‭ ‬ظواهر‭ ‬الطقس‭ ‬التي‭ ‬يعزوها‭ ‬بعض‭ ‬العلماء‭ ‬الى‭ ‬التغير‭ ‬المناخي،‭ ‬جعلت‭ ‬الوضع‭ ‬ينقلب‭ ‬سريعا‭ ‬من‭ ‬جفاف‭ ‬هو‭ ‬الأطول‭ ‬من‭ ‬نوعه،‭ ‬إلى‭ ‬أمطار‭ ‬استثنائية‭.‬

واعتبارا‭ ‬من‭ ‬11‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬سجلت‭ ‬سدود‭ ‬المملكة‭ ‬واردات‭ ‬تناهز‭ ‬8،82‭ ‬مليارات‭ ‬متر‭ ‬مكعب،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجموعها‭ ‬تسعة‭ ‬مليارات‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬الماضيين،‭ ‬وفق‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية‭.‬

تركزت‭ ‬هذه‭ ‬الأمطار‭ ‬القياسية،‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير،‭ ‬في‭ ‬سهلي‭ ‬اللكوس‭ ‬والغرب‭ ‬الواقعين‭ ‬عند‭ ‬مصب‭ ‬نهري‭ ‬اللكوس‭ ‬وسبو‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أنهر‭ ‬البلاد،‭ ‬وسببت‭ ‬فيضانات‭ ‬اجتاحت‭ ‬أكثر‭ ‬110‭ ‬آلاف‭ ‬هكتار‭.‬

ويؤكد‭ ‬رواني‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬أولاد‭ ‬سلامة‭ ‬وحدها‭ ‬‮«‬ضاعت‭ ‬نحو‭ ‬1800‭ ‬هكتار‮»‬‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭.‬

على‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬من‭ ‬القرية،‭ ‬بدت‭ ‬بيوت‭ ‬جيرانه‭ ‬معزولة‭ ‬بفعل‭ ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬تخترق‭ ‬الحقول،‭ ‬وترتفع‭ ‬أحيانا‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬مترين،‭ ‬بحسب‭ ‬السكان،‭ ‬ما‭ ‬أغرق‭ ‬بعض‭ ‬المباني‭ ‬وأتلف‭ ‬أشجارا‭.‬‮ ‬

ذهب‭ ‬الماء‭ ‬بكل‭ ‬شيء

في‭ ‬مواجهة‭ ‬الكارثة‭ ‬نظمت‭ ‬السلطات‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬عمليات‭ ‬إجلاء‭ ‬ضخمة‭ ‬شملت‭ ‬نحو‭ ‬188‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬حتى‭ ‬الأربعاء‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الإجلاء‭ ‬على‭ ‬السكان‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬الدواب‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬على‭ ‬تربية‭ ‬المواشي،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬أولاد‭ ‬عامر‭ ‬بضواحي‭ ‬القنيطرة‭.‬

غير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬المخيم‭ ‬الذي‭ ‬أعدته‭ ‬السلطات‭ ‬للذين‭ ‬تم‭ ‬إجلاؤهم،‭ ‬نصب‭ ‬بعض‭ ‬المزارعين‭ ‬خياما‭ ‬لحماية‭ ‬مواشيهم‭ ‬من‭ ‬البرد‭. ‬ويقول‭ ‬إبراهيم‭ ‬برنوص‭ (‬32‭ ‬عاما‭) ‬‮«‬هرّبنا‭ ‬المواشي‭ ‬نحو‭ ‬الغابة،‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬لنا‭ ‬حبوب‭ ‬ولا‭ ‬برسيم‭.. ‬فقد‭ ‬ذهب‭ ‬الماء‭ ‬بكل‭ ‬شيء‮»‬‭. ‬ويعوّل‭ ‬برنوص‭ ‬وغيره‭ ‬على‭ ‬الشعير‭ ‬والأعلاف‭ ‬التي‭ ‬توزعها‭ ‬السلطات‭ ‬مجانا،‭ ‬‮«‬بعد‭ ‬إجلاء‭ ‬المواشي‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬آمنة‭ ‬وحصر‭ ‬لوائح‭ ‬المستفيدين‮»‬،‭ ‬وفق‭ ‬المسؤول‭ ‬المحلي‭ ‬بوزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬مصطفى‭ ‬آيت‭ ‬بلا‭.‬

وتؤرق‭ ‬تداعيات‭ ‬الكارثة‭ ‬المناخية‭ ‬والزراعية‭ ‬السكان‭ ‬والمزارعين‭.‬

ويقول‭ ‬شرقي‭ ‬العلجة‭ (‬42‭ ‬عاما‭) ‬‮«‬المشكل‭ ‬هو‭ ‬ماذا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ (‬إلى‭ ‬بيوتنا‭)‬،‭ ‬فلم‭ ‬تبقى‭ ‬لنا‭ ‬حبوب‭ ‬لنطعم‭ ‬الماشية،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬رزقنا‭ ‬الأساسي‮»‬‭.‬

الأربعاء‭ ‬أعلنت‭ ‬الحكومة‭ ‬برنامجا‭ ‬بنحو‭ ‬320‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لإغاثة‭ ‬المتضررين‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬أقاليم‭ ‬صنفت‭ ‬‮«‬مناطق‭ ‬منكوبة‮»‬،‭ ‬بينها‭ ‬32‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لمساعدة‭ ‬المزارعين‭ ‬ومربي‭ ‬المواشي‭.‬

ويوضح‭ ‬رئيس‭ ‬جمعية‭ ‬الكنفدرالية‭ ‬المغربية‭ ‬للزراعة‭ ‬والتنمية‭ ‬القروية‭ ‬رشيد‭ ‬بنعلي‭ ‬لفرانس‭ ‬برس،‭ ‬أنه‭ ‬بحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬الأولية،‭ ‬تعد‭ ‬تربية‭ ‬المواشي‭ ‬‮«‬من‭ ‬بين‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررا،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬تراجع‭ ‬المياه‭ ‬لتقييم‭ ‬أدق‭ ‬للخسائر‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬أن‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬تضررت‭ ‬مثل‭ ‬مزارع‭ ‬الشمندر‭ ‬السكري‭ ‬والحوامض‭ ‬والخضروات‭.‬‮ ‬

وتجمع‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬الخصبة‭ ‬بين‭ ‬أراضٍ‭ ‬يخصص‭ ‬انتاجها‭ ‬من‭ ‬الخضروات‭ ‬والفواكه‭ ‬للتصدير،‭ ‬ومزارع‭ ‬معيشية‭ ‬تخصص‭ ‬غالبا‭ ‬لانتاج‭ ‬الحبوب‭.‬

ورأى‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬الخميس‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الخسائر،‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬عودة‭ ‬الأمطار‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬بـ4‭,‬9‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬‮«‬مدعوما‭ ‬بالاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬والخصوصية،‭ ‬وأيضا‭ ‬بإنتاج‭ ‬زراعي‭ ‬قوي‭ ‬بعد‭ ‬أمطار‭ ‬استثنائية‮»‬‭.‬

يساهم‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬بنحو‭ ‬12‭ ‬بالمئة‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬الإجمالي‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ويوظف‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬السكان‭ ‬النشيطين،‭ ‬بينما‭ ‬تراهن‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬الري‭ ‬الموضعي‭ ‬وتحلية‭ ‬مياه‭ ‬البحر‭ ‬لضمان‭ ‬صموده‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬التقلبات‭ ‬المناخية‭.‬